بين يدي مقدم مفاوض قومي جديد إلى مفوضية منظمة التجارة العالمية .. بقلم: محمد المرتضى مبارك اسماعيل/سفير بالخارجية السودانية

 

من المهم جداً الإبتعاد عن التسرع في أمر إنضمام السودان إلى منظمة التجارة الدولية والنأي عن التبسيط المخل لعملية الإنضمام إذ أنها في منهجها الصحيح عملية Process)) وينبغي أن تكون شاملة Inclusive)) لكآفة الفاعلين في الدولة والمجتمع. ويحدد ذلك الحوار والتفاعل مع كل القطاعات بصورة تلقائية توقيت وشروط إنضمام البلد المعين وفقاً لما ينظر إليه بحسبانه تكتيكي أو إستراتيجي وما يمكن وصفه بأنه يمكن التنازل عنه آنياً أو في آجال محددة وما هو غير قابل للتنازل عنه البتة أو في المديات المنظورة، والمدى الزمني المطلوب لكل قطاع ليتأهل لمرحلة الإنضمام والتعاطي مع المنافسة العالمية.

ومطلوب من عملية الإنضمام أن يتم من خلالها إصلاح مؤسسات الدولة لتتوائم مع أنظمة عمل المنظمة ومطلوباتها وتحدياتها وفرصها المتاحة خاصة للدول النامية والأقل نمواً وذلك من خلال الإصلاح المؤسسي والتشريعي وتطوير الكوادر العاملة في مختلف التخصصات. وفي ذلك المجال تتوفر المنظمة على برنامج ضخم من خلال معهد التدريب التابع لها وينبغي للدولة الإفادة منه من خلال وضع منهج وأضح لتطوير إختصاصيين في كل المؤسسات ذات الصلة الأوثق بعمل المنظمة والحفاظ عليهم بشتى الحوافز حتى لا نبدو كمن يبدأ في كل مرة من جديد.
وعليه من المهم جداً عدم النظر إلى عملية الإنضمام بحسبانها محض نجاح في الوفاء بشروط بعض الدول المفاوضة للسودان بقدر ما هي إدارة حوار داخلي موسع في كل قطاع من قطاعات الإقتصاد بشقيه السلعي والخدماتي والخروج بخطة واضحة لنهضة كل قطاع في ضوء فرص وتحديات الإنضمام للمنظمة وعلى هدي المنهج الإقتصادي الكلي الذي يقرر السودان أن يختطه والمهم أن يتحقق أجماع حوله وقد يجدي النص عليه في الدستور. هل هو نموذج الإقتصاد الحر ام الإقتصاد المختلط الذي للدولة دور معتبر في توجيهه، إذ ان شروط إنضمام الدولة ماس ومحدد لشكل وفلسفة نهجها الإقتصادي القائم والمستقبلي.
ثمة فجوة إعلامية وصحفية كبيرة في الإعلام الإقتصادي المتخصص ومستودعات المعرفة المعنية بالشأن الإقتصادي في بعده المحلي والعالمي والذي يعتبر هو المحرك الأول لنقم ونعم السياسة الدولية تجاه السودان وغيره من الدول، وعليه من المهم جداً تدارك ذاك النقص المعيب في المعرفة والعلم والذي ليست مؤسساتنا منه براء وهي المنوط بها إحسان تمثيل البلاد والدفاع عن مصالحها من خلال تخير الكوادر المقتدرة وتسليحها بالصقل والتدريب وضمان إستمرارها وإكسابها المزيد من الخبرات والإفادة منها في تدريب ورفع وعي أكبر قاعدة ممكنة من المتدربين في البلاد إذ ان الإستنارة العامة لعامة المواطنين والإلمام المعمق لنخب متخصصة ومهتمة من الشعب تعتبر ضرورية لتفهم وتعظيم فرص الإنضمام وتقليل الآثار السالبة لتحدياته في مرحلة العضوية الكاملة. وهنالك كم هائل من العلم والمعرفة المعينة للدول النامية في بعض مستودعات المعرفة المرموقة من أهمها مركز الجنوب South Centre)) وشبكة العالم الثالث Third World) Network) بجنيف والمركزان في إستعداد دائم للتدريب ونقل المعرفة وتقديم الأوراق والكتب المختصة للدول الراغبة بغير مقابل يذكر.
وفي خاتمة هذه الكلمة تحضرني مشاهد إنضمام إحدى دول الكاريبي متناهية الصغر في المساحة والأهمية والمستوى المتدني لكادرها المفاوض حتي أنه قدم بضعف إلمامه تنازلات لم تطلب منه. غير أن من غير الجائز مقارنة السودان بمثل تلك الدول التي لا مطمع بها لدى الطامعين في قسمة ضيزى وهم كثر فضلا عن المتربصين بالبلاد إن لم نحسن عملية الإنضمام إلى المنظمة التي لا يعمل نظامها وآية ذلك حروب ترمب التجارية التي أعلنهاعلى الكل شرقاً وغرباً ووصفها وزير المالية الفرنسي بالأمس أنها شريعة الغاب، والتي أوضحت تلك الحقيقة كالشمس في رابعة النهار. وأن نتذكر دوماً أن الإصلاح الذي نحققه في مؤسسات الدولة والمجتمع والإستنارة العامة بعملية جيدة وشاملة يعتبر أهم منجزات وضمانات النجاح قبل وبعد الإنضمام.

murtada235@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً