المغيرة التجاني علي
لا تقتصر آثار الحروب و النزاعات المسلحة في المجتمعات علي ما تسببه من خسائر بشرية و خراب في البني التحتية و احداث أزمات اقتصادية فحسب بل تمتد الي كافة قطاعات المجتمع و قواه الحية و تحدث جروحا عميقة في بنية الدولة و هويتها الثقافية و الفكرية ونسيجها الاجتماعي و من ضمن هذا الدمار الذي يصيب المجتمعات تعرض الطبقة الوسطي الي التآكل بسبب ما تتعرض له من صعوبة في العيش وفقد للأمان النفسي فيقود ذلك الي هجرة العقول المبدعة و الكفاءات المقتدرة من المهنيين و الحرفين حيث لا يقتصر الضرر علي مستويات المعيشة فحسب بل يمتد ليوجه ضربات موجعة للفن والابداع و الابتكار (Brain Drain )
أن تآكل الطبقة الوسطي , و التي تمثل المحرك الفعلي لنشاط المجتمع و حيويته , يعني تجريف التربة التي تزدهر فيها الفنون و الآداب و ينمو فيها الابداع و الابتكار, ففي ظل الازمات و الحروب يتراجع التفكير الهادئ المستقر الذي يقود الي تخطيط و تنفيذ المشاريع الفكرية و الادبية و اخراج البرامج المبتكرة و اقامة الفعاليات الهادفة . فحينما يغيب الأمن النفسي والسلم المجتمعي يجد المفكرون والأدباء و المثقفون و الفنانون انفسهم امام تحديات كثيرة تهدد حيواتهم اليومية بالخطر و تصبح البيئة الوطنية طاردة غير محفزة علي الابداع و الابتكار .
فتنهار المؤسسات التعليمية و المنابر الثقافية و تغلق مراكز البحث و المسارح و المعاهد العلمية و دور النشر و المتاحف و صالات العرض ويتعطل نشاط المنتديات و الفرق الفنية و يتراجع الدعم الحكومي و الأهلي بسبب الانفاق علي المجهود الحربي ويفقد المبدعون و المفكرون منصات التعبير عن منتوجهم و يحرمون من الادوات التي تساعدهم في اداء مهامهم . و اقسي من ذلك انهم يضطرون للعيش في الملاجئ و المنافي يكابدون هجر الديار و مشقات الحياة فيتراجع تواصلهم كملهمين و مرشدين و رواد عن مجتمعاتهم و ينفصلون عن الاجيال الجديدة التي تحتاج لقيادتهم و ارشادهم فتخلو الساحة من الكوادر المستنيرة و يحل مكانها المهرجون والغوغاء ويغلب خطاب العنف و الدعوة الي الحرب وتسود الخطابات العاطفية والمتطرفة وتكثر النشاطات الاستهلاكية الوقتية التي تتناول صب الزيت علي نيران الحرب بأساليب سطحية . فتعم لغة المهاترات و خطابات الكراهية و تتفشي السيولة و السوقية و يظهر جيل من( اللايفاتية ) و الدهماء و المغنيات في مكان اصحاب الفكر والاستنارة . و بغياب فئة المفكرين والمثقفين من الطبقات الوسطي يغيب صوت العقل و تحتجب الاصوات التي توجه مسارات المجتمع نحو النهضة و طرح الحلول العقلانية لازمات البلاد ليفقد المجتمع النبهاء القادرين علي تحليل الواقع واحداث التوازن المطلوب في زمن الأزمات الكبرى .
لقد كانت الطبقة الوسطي في بلادنا بمثابة المحرك الثقافي و المساحة الاجتماعية التي تنمو فيها الافكار و تزدهي فيها المشاريع الثقافية و الفكرية والجمالية الحديثة وقد ظلت علي الدوام تمتلك مشاريعها و ادواتها في بيئية محفزة و تساير التجدد مع كل الاجيال و تواجه ازمات البلاد بأسئلة و ادوات جديدة و لم تكن ريادتها و تميزها وليد صدفة بل كان نتاج تماهي تاريخي و ثقافي و سياسي فريد أخرج للمشهد السوداني قامات تأسيسية صاغت وجدان الأمة و شكلت هويتها الثقافية الوطنية . فعندما تتعرض هذه الطبقة للتآكل فإن الضرر لا يقتصر على مؤشرات المعيشة وحدها ، بل يمتد ليعطل مشاريع التجديد و الابتكار والإبداع .
mugheira88@gmail.com
