جاء في الأخبار أن الجزائر أعلنت في 10 سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن قالت وزارة خارجيتها إنها استنفدت جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية، واتهمت أبوظبي بممارسات وصفتها بالاستفزازية والعدائية.
وقد تطرقت في مقال سابق إلى الموقف الجزائري من الإسلام السياسي في المنطقة، ولا سيما في السودان، وإلى المفارقة التي تستحق التأمل: فالجزائر خاضت في تسعينيات القرن الماضي حرباً دامية مع الإسلاميين بعد إلغاء المسار الانتخابي الذي كان يمكن أن يوصل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة، في تجربة تقترب، من زاوية معينة، من تجربة مصر بعد الربيع العربي، حيث اختار الجيش في الحالتين الحل الأمني لمنع الإسلام السياسي من الوصول إلى السلطة.
ولا ألوم الدول التي اختارت هذا الطريق على خشيتها من الإسلام السياسي؛ فقد أثبتت تجارب عديدة أن وصول تنظيمات عقائدية مغلقة إلى السلطة قد يتحول إلى كارثة سياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحل الأمني بديلاً عن المعالجة الفكرية والثقافية. فمواجهة الإسلام السياسي لا تتم فقط بإبعاده عن السلطة، وإنما تحتاج أيضاً إلى إصلاح التعليم، وتجديد الخطاب الديني، ومواجهة الموروثات الفكرية الجامدة، وبناء ثقافة سياسية تقبل التعدد والاختلاف.
وهنا تصبح التجربة السودانية ذات أهمية استثنائية.
فالسودان هو من الحالات النادرة في المنطقة التي يمكن من خلالها دراسة تجربة الإسلام السياسي في الحكم على مدى أكثر من ثلاثة عقود، منذ انقلاب عام 1989 وحتى الحرب الحالية. وقد انتهت التجربة إلى دولة ضعيفة، وفساد واستبداد، ثم إلى حرب أهلية مدمرة. ولهذا فإن أهمية الحرب السودانية لا تقتصر على نتائجها العسكرية والإنسانية؛ فهي قد تصبح أيضاً مناسبة لمراجعة عدد من المسلمات التي حكمت الفكر السياسي العربي.
وهنا يمكن استحضار تجربة مدرسة فرانكفورت.
فالحرب العالمية الثانية والفاشية والنازية والمحرقة دفعت مفكري الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، إلى طرح سؤال بالغ الخطورة: كيف يمكن للعقل والتقدم والتنوير أن تتعايش مع البربرية والاستبداد والإبادة؟
في جدل التنوير حاول هوركهايمر وأدورنو تفسير الكيفية التي يمكن أن يتحول بها العقل، عندما يصبح عقلاً أداتياً محضاً، من وسيلة للتحرر إلى أداة للهيمنة.
ثم جاء أدورنو في الديالكتيك السلبي ليقاوم الاعتقاد بأن التاريخ يتحرك بالضرورة نحو مصالحة نهائية أو نتيجة عقلانية. فالتناقض لا يؤدي بالضرورة إلى خلاص، والتاريخ لا يضمن لنا التقدم. ولذلك يصبح واجب الفكر النقدي هو مقاومة تحويل الواقع المعقد إلى قوالب فكرية جاهزة.
وهذه الفكرة بالذات تستحق أن نستعيدها ونحن ننظر إلى السودان.
فالحرب السودانية تكشف خطورة اختزال الواقع في ثنائيات بسيطة: جيش في مقابل دعم سريع، إسلاميون في مقابل ديمقراطيين، أو مدنيون في مقابل عسكريين. فالواقع السوداني أكثر تعقيداً من هذه التصنيفات، والحرب نفسها نتاج تراكم طويل من الاستبداد والعسكرة والأيديولوجيا والصراع على السلطة وانهيار المؤسسات.
ثم جاء الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، وبالأخص يورغن هابرماس، محاولاً إنقاذ مشروع العقلانية والتنوير من هذا التشاؤم. فبدلاً من البحث عن التحرر من خلال السيطرة على الطبيعة أو المجتمع، ركز هابرماس على اللغة والتواصل والفعل التواصلي، وعلى إمكانية الوصول إلى تفاهم عقلاني بين البشر.
لكن التجربة السودانية تطرح سؤالاً صعباً على هذا التفاؤل العقلاني:
هل يستطيع الحوار العقلاني أن يعمل عندما تكون شروط الحوار نفسها خاضعة للقوة؟
هنا تكتسب أفكار ميشيل فوكو أهمية خاصة. ففوكو شكك في إمكانية النظر إلى الحوار والمعرفة باعتبارهما مجالين محايدين ومستقلين عن السلطة. فالقوة لا تدخل الحوار من الخارج فقط؛ بل يمكن أن تؤثر في من يتكلم، وما الذي يمكن قوله، وما الذي يعتبر معرفة صحيحة، ومن يمتلك المؤسسات القادرة على فرض تعريفه للواقع. وهذا أحد أهم وجوه التوتر بين فوكو وهابرماس.
وهذا هو السؤال الذي تضعه الحرب السودانية أمام الفكر الديمقراطي:
هل يمكن للعقلانية التواصلية أن تتغلب على القوة والمال والسلاح، أم أن الحوار نفسه يصبح مستحيلاً عندما تكون موازين القوة مختلة بصورة جذرية؟
ربما تكون الإجابة ليست في التخلي عن هابرماس لصالح فوكو، ولا في التخلي عن العقل لصالح القوة. وإنما في الجمع بين الدرسين: نحتاج إلى الحوار والعقلانية، لكننا نحتاج قبل ذلك إلى شروط سياسية ومؤسسية تجعل الحوار ممكناً وعادلاً.
ولهذا فإن الحرب السودانية قد تكون أكثر من مأساة وطنية. إنها تجربة يمكن أن تدفع الفكر السياسي العربي إلى مراجعة علاقته بالإسلام السياسي، والعسكرة، والديمقراطية، والحوار، والسلطة.
فكما هزت الحرب العالمية الثانية ثقة الفكر الأوروبي في فكرة التقدم التاريخي، قد تدفع الحرب السودانية الفكر العربي إلى إعادة النظر في بعض يقينياته السياسية.
السؤال الحقيقي إذن ليس فقط: كيف نوقف الحرب في السودان؟ بل: ماذا ستعلمنا هذه الحرب عن حدود العقل، وحدود الحوار، وحدود القوة، وعن الشروط التي تجعل الديمقراطية ممكنة أصلاً؟
طلعت محمد الطيب
