تمر علينا الذكري الثالثة لرحيل عراب الحركة الأسلاموية ولكن تظل أفكاره (سما زعافا) يتجرعها المواطن السوداني المغلوب علي امره , فبعد العام الأول علي رحيل (الترابي ) ,و كذلك بعد مرور عامان علي الرحيل كنت أتدقق في ممن خطوا بأناملهم في ذكري الرحيل علي تجربة الراحل السياسية ,وكما توقعت تماما جاءت كتابات وأنطباعات الأسلامويين في صالح الراحل وكأنه براء من النقد واخترت منهم ما كتب( امين حسن عمر) في العام الماضي مقالا بعنوان ( عامان على الرحيل المر.الترابي… مصباح التنوير), متغزلا فيه حد الثمالة.
وكذلك بتاريخ 18/3//2017 خاطب مولانا (أحمد محمد هارون) والي شمال كردفان بقاعة أمانة الحكومة بالولاية الندوة الفكرية عن المرحوم (الترابي) وقضايا تجديد الفكر الإسلامي والتي أقامتها الولاية على شرف برنامج لمسة وفاء للشيخ الراحل (حسن الترابي )بشمال كردفان وقال (هارون) إن (الترابي) “رجل استثنائي وأنه وضعنا في تحدي إنتاج فكر مستمر , وقابل للتعاطي مع كل التحديات المتجددة في الأمة الإسلامية والسودانية , مشيرا إلى أن الترابي لم ينتج فكره لحزب أو جماعة بل لأمة كاملة ” وكأنما يناقض (هارون) و (امين حسن عمر) نفسيهما لأن وقوفهم في صف (البشير) عقب المفاصلة يغني عن المجادلات. )
وكذلك كانت البرامج علي الفضائيات السودانية المحتفية بذكري الرحيل تناقش سيرة الراحل السياسية أستضافت ضيوف ينتمون الي مدارس متوافقة (ابرزها برنامج علي فضائية سودانية24 بعنوان الذكرى الثانية لرحيل الترابي.. قراءة في سيرة سياسي ملأ الدنيا وشغل الناس) قدمها (غسان علي عثمان) وأستضاف الضيوف:- النور أحمد النور – محلل سياسي- فائز عمر جامع – أكاديمي وأستاذ جامعي- عبدالماجد عبد الحميد – رئيس تحرير صحيفة مصادر- د.سهير صلاح – أكاديمية وقيادية بالمؤتمر الشعبي) وبالتالي اريد لها ان تتسق وفق ؤياهم ,وجاءت الافادات كلها في صالح الراحل كأنها تقصد تبييض سيرته السياسية ,في برنامج كان سيكون مختلفا لو أنه أستضاف شخصيات لها توجههات سياسية مختلفة , ولكنها انانية الفكر على حساب الوطنية المتجردة وقلة مبدأ المصداقية الظرفية والغاية تبرر الوسيلة فى امة شعب غلبت عليه العفوية و بالتالي لم و لن يقدموا نقد حقيقي.
لا يختلف اثنان علي شخصية الراحل د (الترابي) كونه واحدا من ألمع الشخصيات في تاريخنا السياسي المعاصر , ويعود ذلك لعدة اسباب علي رأسها كونه يترأس واحد من اكبر الاحزاب السياسية تأثيرا علي الأوضاع السياسية للبلاد في غالبية الحقب التي حكمت البلاد , ولو أن الراحل كان شخصية خاصة لما تطرقنا له بالنقد لأن ذاك كان شأنا يخصه وحده,فالحساب السياسي عمل مشروع والراحل دخل العمل العام من اوسع ابوابه قائدا لأكبر عصبة كان لها القدح المعلي فيما حدث من خراب للوطن وهو المعروف بؤاده للديمقراطية التي اقعدت بالدولة السودانية عن النهوض اللهم الا ايجابية فكره السياسي التي تكمن في كونه نقل الأسلامويين من حياة البؤس الي حياة التمكين , وهذه وحدها كفيلة بأن تجعل تلاميذه يتغزلون فيه و يتغاضون عن تجربتهم المأساوية التي تضرر ت منها الشعوب السودانوية ,ولكن بألقاء نظرة علي مسيرة عراب الجبهة الأسلاموية نطرح سؤالا مهما , هل افاد بأفكاره الدولة السودانية فأستفادت من افكاره ونظامه يحكم البلاد لما يقارب الثلاثون عاما….؟ وبعيدا عن العواطف هل أضاف الراحل بفكره ايجابا للحياة السياسية السودانية أم لا ….؟ أو هل يمكن ان نقارنه بمفكرين وزعماء حققوا اضافات نوعية لأوطانهم امثال (غاندي) و(مانديلا) و(مهاتيرمحمد) وحتي (الشيخ زايد) الذي رغما عن تعليمه البسيط ساهم في اضافة حقيقية لدولة الامارات .
من الطبيعي أن يحتفي الاسلامويون بذكري الشيخ الراحل , و ان يتغزلوا في عرابهم , وهذا لا تثريب عليه , ولكن ليس علي هذا النحو الذي يجعل من تجربته السياسية تجربة بلا أخطاء , فلم يكن لدي (الترابي) مشروع نهضوي كما فعل (اروغان) في تركيا او (مهاتير محمد) في ماليزيا. , بل يعتبر الاسلاموين في السودان سبب مباشر في كل بلاءات الدولة السودانية فقد ظلت الحركة الاسلاموية تمثل حجر عثرة امام امكانية قيام اي مشروع نهضوي يرتقي بالوطن,وعموما تاريخ الراحل د (الترابي) ليس فيه ما يجعله بطلا سياسيا , وهو الذي فشلت تجربته التي اودت بالوطن الي موارد الهلاك ,كون عصبته هي من انغضت علي الديمقراطية, وأمثال مولانا ( احمد هرون) ينطلقون من منصة برغماتية بأعتبار أن الراحل سببا في تمكنيهم و انتشالهم من حالة اللاشيئ , وبقدرة قادر اصبح الكيزان هم الرأسمالية والحكام والشعراء وكل شيئ في هذا الوطن المنكوب , ومن هذا المنطلق يمكن أن نجد العذر لمولانا (أحمد هرون) فيما قاله عن فكر الراحل , ولكن تصريحاته كانت ستكون معقولة الي حد ما , لو انهم ألتزم حينها بالأنحياز الي معسكر المؤتمر الشعبي منذ أن أفترق مغتصبوا أرض الوطن الي فريقين, وبالتالي هؤلاء يناقضون افكار شيخهم وهم الذين أتخذوا منه موقفا مغايرا حبا في السلطة والجاه بأنحيازهم للمؤتمر الوطني
يبرر الكثيرين بأن ما حدث للوطن يعود لأفراد وليس (الترابي) ,فالترابي من خلال موقعه كمفكر ومنظر بحسب رأيي الشخصي يعتبر اكثر وحشية من (صقور) الانقاذ نافع وقوش وغيرهم من صقور النظام الاسلاموي, فهو من منهج وأسس الطريق و النهج الذي يسير عليه (الاسلامويين) ليذيقونا الامرين (المشروع الحضاري) لنبدو للعالم الخارجي المطلع علي ازماتنا الانسانية مثالا للتدين بالطرق الشكلانية السازجة التي يفهمها ويعيعها عن الدين في فصامية عالية بمألات المشروع الحضاري الفاشل الذي نفض سدنته يدهم عنه حين تازم واغرق في الازمة, وحتي التعليم نفسه تمت قوليته وتشكيله بناء علي رؤية مفكروا الحركة الاسلامية ليخدم ايدولوجيا القهر والهيمنة الثقافية والاجتماعية, فأمثال الترابي ينبغي محاسبتهم علي ضوء البرامج الايدولوجية التي بمقتضاها فعلوا ذلك.
حينما جاء الانقاذيون أطلق عليهم الاديب (الطيب صالح) مقالته المشهورة ( من اين جاء هؤلاء) لشنيع افعالهم , فرد عليه (المحبوب عبد السلام ) “بأنهم قد خرجوا من رحم (الترابي) كما يخرج النيل من بحيرة تانا, (فالمحبوب عبد السلام) احد ابناء الترابي (المدللين) كان أكثر شفافية وهو يرد علي سؤال الاديب الكبير (من اين اتي هؤلاء) في كتابه دائرة الضوء وخيوط الظلام بعد المفاصلة معترفا بأنهم خرجوا من رحم (الترابي) وكانت عباءة الترابي عبارة عن معامل للكراهية العرقية والدينية المركبة وكسر حاجز التسامح الذي كانت عليه الشعوب السودانية بحكم واقعهم التعددي, وقد خرج من رحم (الترابي) )الطيب مصطفي) و(اسحق احمد فضل الله) و(عبدالرحيم حمدي) و(د نافع) و(قوش), وعندما يتعرض عقل الانسان للغسيل لا يعود الي طبيعته, ومن الممكن مسخ الانسان وتحويله الي وحش دموي يتحرك بالريموت كنترول .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم