تجذير الوطنية السياسية.. إلى الجيل الرَفُوض صانع التغيير في السودان .. بقلم: غسان علي عثمان
21 أبريل, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
سؤال الأسئلة الراهنة هو: كيف يمكن ترتيب الطبقة الجديدة في أجسام سياسية تستطيع فيها أن تُعبر وتَعبر بمشروعها بادي التكوين إلى مصاف فاعلية سياسية؟!
الحل هو أن يتسرب الشباب داخل التنظيمات السياسية ويعملوا فيها كوحدات ضمان لإحداث التغيير الإيجابي داخل الأحزاب..
هل الأحزاب السياسية على استعداد لإفساح المجال لجيل جديد يتولى القيادة فيها؟!
التنازع هو السمة الأكثر تجلياً في حياتنا السياسية، والحق يبدأ من الانصراف عن الهتافية..
الرفض الخلاّق هو بداية الطريق لإصلاح الظاهرة السياسية في السودان..
وفي ذلك فإن الكتابة مُكلفة في مثل هذا المناخ الذي تعيشه بلادنا، لأن المطلوب من الجميع النطق بلسان واحد، وهذا تشنج يحمل الجميع على الانصراف ناحية خطاب واحد، والمطلوب هذا مرهق، والسبب يعود إلى الثنائية التي تريد أن يٌقهر الناس بمنطق إما.. وإما.. وهذا منطق صراع واستقطاب، فالذي نحتاجه هو تحييد العاطفة بشكل يخدم النظر الجاد، والأهم في تقديرنا المتواضع هو القول بضرورة التفكير في المآلات، دون إغفال الواقع أو محاولة التخلص منه، فإن أي قطرة دم سودانية سكبت غالية؛ غالية بالمعنى الحقيقي وليس بغرض التوظيف، فالسوداني الذي يدفع حياته ثمن الفعل السياسي وفي أي طرف يحملنا جميعاً على التفكير الهادئ والعقلاني في المطلوب من الفعل السياسي، فالموت يؤذي أي صاحب ضمير حي.
وجوهر الصراع الآن في تقديرنا هو كيف يمكن ترتيب هذه الطبقة الجديدة في أجسام سياسية تستطيع بواسطتها هذه القوى الجديدة أن تُعبر وتَعبر بمشروعها بادي التكوين إلى مصاف فاعلية سياسية تحدث تغييراً حقيقياً في واقعنا السوداني، وأم المشكلات في نظرنا يعود إلى صعوبة استيعابهم داخل الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة، وأما الدعوى بأن ينتظم هؤلاء الشباب داخل تنظيم يخصهم فإنها فرضية تحمل في جوفها رومانسية سياسية لا تليق بالذي قام به الشباب، إذن نحن أمام مشكلة تنظيمية في المقام الأول، مشكلة كيف يمكن الاستفادة من هذه الطاقة لصالح سودان المستقبل، والحل في تقديرنا المتواضع بسيط، وهو أن يتسرب الشباب داخل التنظيمات السياسية ويعملوا فيها كوحدات ضمان؛ ضمان لإحداث التغيير الإيجابي داخل الأحزاب، وأن يسلك البقية دربهم في مؤسسات مدنية تعمل بمثابة ظل حقيقي للفعل السياسي المُنظم، وعبر هذا التربيط بين شباب داخل وخارج الأحزاب، فإننا نضمن بذلك دوام تواصل الوعي الجديد، ونضرب عصفورين بحجر واحد كما يقال، أي أن الشباب داخل هذه الأحزاب هم استثمار مربح لإصلاح الأحزاب ذاتها، أما وهم في تنظيمات مدنية فإنهم كذلك يعملون على إصلاح منظمات المجتمع المدني وجعلها أكثر قرباً من حالة المواطن العادي، لكن ومقترحنا كذلك فإننا لن نضمن أي يُسمح لهم بالنشاط داخل الأحزاب بحرية تمكنهم من إحداث التغيير المنشود، فهذه الأحزاب ولا نقول كلها تعاني من هيمنة أبوية، وتركة تعود إلى تراث الزعيم والقائد والمفكر والمُلهم وجملة أصحاب الناطقية (تقرأ طق حنك)، فكيف السبيل؟!
أما الطبقة القديمة فقد قام أمرها على تحقيق تعيين لها يجعلها جماعات مرتبطة وفق ترسيمات التبعية، ومُجهزة بتصورات المجتمع المخفي عنهم، وبذلك نالوا خصوصيتهم، وهذه الخصوصية المتوهمة عجيب أمرها، فإنه حتى لو كانت النخبة القديمة لا تستخدم مفاتيح هذا الوجود أو بالأدق تخفيه، فإنها كرست أكثر للبعد التنازعي في تنظيماتها الحزبية، وفي حالتنا السودانية فإن التنازع هو السمة التي تُلَخِص حالة الجماعة، وإلا كيف نفسر التشرذم الذي ضرب النخب في الثلاثينيات، فانقسمت على نفسها جماعات كانت مرتبطة بتيارات فكرية وأدبية، وهذا أمر محمود، لكن المؤذي حقاً، أنه عند نشأة الأحزاب في الأربعينيات لم تصمد هذه الأجسام الجديدة بل تفرقت بشكل غير محتمل، حدث ذلك رغم إدعاء وحدة الفكرة والتوجه، وظلت هذه الانقسامية هي الحالة الأكثر رسوخاً في حضور النخب السودانية، ونأمل ألا يظل مفعول هذه التنازعية حاضراً في مقبل عمل الطبقة الجديدة، قلنا نأمل!.
ولأن الذي يجري في بلادنا هذه الأيام يقع في سياق التأجيج، والتأجيج المتبادل، وهو شيء من رد الفعل المستند في جوهره على تجليات جامدة باردة، ويتسع الخطاب المضاد يوماً بعد يوم لصالح التجريم والتخوين، والضحية الأكبر هم الناس، كل الناس من ينتمي إلى حزب سياسي، أو يحتفظ بمسافة منها، فالشعارات المرفوعة تستبطن معنى رغائبي محكوم بقواعد الصراع، وفي حواراتنا حين نستذكر درس أكتوبر 1964م أو مارس أبريل 1985م، فإننا لا نريد أن نبصر التحولات التي جرت في واقعنا الاجتماعي والسياسي، لذا فإن الواجب الآن محاولة فهم هذا التحول، والبداية حتماً ستأتي من خلال فهم الطبقة التي ظلت مهيمنة على مقاليد الظاهرة، الطبقة السياسية/الاجتماعية، لأن جل أفعال الطبقة الجديدة والتي نعني بها “الشباب”، قلنا بأن جل أفعالها هي تجلي حر لصراع ظل مكتوم مع التكوينات والبُنى القديمة في السودان، والآن أشاهد صرخة ميلاد هذه الطبقة الجديدة، وإن كانت لا تزال تحمل متاعبها في جوفها، وأكبر هذه المتاعب هو الرفض من منطلق الرفض، وهذا أمر عادي بل وطبيعي للغاية، فليس من المطلوب من هذه الطبقة أن تملك رؤاها وتصوراتها بشكل كلي، وهي لا تملك أن تفعل ذلك من الأساس، لكن الحد الأدنى يقع على تدبير ولو جزئي لبناء البديل، ولا يُعقل أن يغيب الحل، بل تعلمنا من قراءة الأحداث في السودان وفي منعطفات عدة، أن الوعي الذي حرك الناس للتغيير كان يتحرك دون مرشد، كان يهدر لينعتق، ليتخلص من العبء، وجاءت النتائج مُخيبة للآمال، ولا نزال نقف عند شاعرية أكتوبر، التي ملئت حلوقنا بالإغاني الجميلة، وفتقت في شعراءنا مواهب التفاؤل والأمل، ولكن النتيجة لم تكن رهن هذه الشاعرية، ولذلك فإن التغيير تلزمه أدوات، بل في الأساس مشروع فكري ولو ملامحه، والقصة لن تكتمل بالغناء والهتاف، الأمر يلزمه انحياز عقلاني في محاولتنا لفهم الواقع وشكل المستقبل المنتظر، والعقلانية التي ننادي بها يظل شرطها الأول هو الإيمان بالتغيير الموضوعي وليس الهتاف، رغم أن الهتاف ضد ما نكرهه بداية الطريق.
وأيضاً فإن المجتمعات بطبيعتها لا تظل على حال واحد، بل تتغير وتتبدل فيها القناعات بفضل تطور القيم، لكن هذه الحجة أيضاً لا تملك إشراقها الخاص، فالطبقة السياسية التي فعلت أكتوبر ومارس أبريل 85 في ظننا هي هي.. أي لم يحصل تطور في وعي النخبة، والدليل على ذلك خلود الصراعات السياسي بأثر رجعي، فاليمين واليسار (وهذه تسميات مجازية) قلنا بأن المعركة بينهما لا تزال مستعرة، والغريب أنها معركة مؤجلة ومستمرة منذ الخلاف حول دستور 1965م، والجلبة حول إسلاميته أو علمانيته، ولأجل إنهاء هذه القطيعة بين الإسلاميين واليساريين، نعتقد أنه ولأجل اللحظة الراهنة فإنه يتوجب علينا إجراء مصالحة بينهما، وشروط هذه المصالحة تبدأ بالاعتراف بأحقية كل طرف في القيام بأدواره في المجال السياسي، ونعتقد بصعوبة هذا المقترح، لأن الثقة تكاد تكون معدومة بينهما، والسبب وراء عدم الثقة يرتبط بالمشروع السياسي لكل طرف.
والوطنية السياسية التي نريد التبشير بها تبدأ من نقطة الاعتراف بالفشل حتى الآن في التصدي لمشكلاتنا الكبرى، مشكلاتنا التي لا تنقضي إلا لتعود في ثوب جديد، إنها أزمة العقل السياسي، العقل العشائري الطائفي، فلم ينته فعل سياسي إلى نهاياته المنطقية كما جرى فينا، ذلك بألوان طيفه المتعددة، إنه العقل في فراغه المطلق، العقل المتبني لكافة أشكال المعرفة السياسية كانت، من أي مصدر جاءت، ففكرة الحزبية قديمة قدم اختيار الإنسان لأدوات معاشه، فالصياد يستخدم أدواته بغرض تمديد بيئته، فيقتص من الحيوان مقلصاً وجود الغابات، ومحيياً تراث الاستخلاف في الأرض، وإن كان لا يعلم بذلك، والمزارع يمشط أرضه مبذراً حبوب زرعه، فيحدد بذلك أسلوب الاقتصاد الذي ينتج فيه معاشه، والشيخ في الخلوة ينقل معارف سابقيه فيسم تلاميذه ليصبحوا ممثلين لثقافة بعينها، إن كل إنسان يشترك وغيره في تحديد أنماط العيش وفلسفة الحياة، ولذا فلا غبار على تبني جماعة ما ثقافة حزبية، ولكن المزعج في الأمر أن تتحول الوسائل إلى غايات، هذا حينما يتجمع الخلق خلف قيادة سمها ما شئت وصفها بأي أيديولوجيا توصلت إليها بعد طويل نظر، وهنا يصبح التحزب تخندق، والسياسة غاية لا وسيلة، والخُطَب الموجهة للناس استغفال وحيّل، والمكاسب النيابية سوق أسود، ما جعل التماسنا للحق في غير مكانه. ولا سبيل إلى الوطنية السياسية إلا بالجلوس مجدداً وبروح حقيقية، ووعي وعزم لا تحركه مشاغله راهنة فقط، الجلوس لبناء الأفكار السياسية من جديد، لنقول، ضرورة إعمار ما تهدم من الوعي، عبر إقرار المسئولية والمحاسبة، الحرية والاختيار، التوسل إلى الوقائع بنتائجه، فتح الباب أوسع للمثقفين داخل الأحزاب ليثمر عملهم الفكري النظري هادياً ومرشداً للقيادات التنفيذية، لقد سُمح للتكتيك أن يحتل مواقع الإستراتيجية، التكتيك المرحلي المؤقت، حدث هذا عندما تسمرت الأفكار السياسية وتوقفت عند محطة الكسب والرهان..
وحقيقة أثبتت الطبقة الجديدة (الشباب) قدرتها على إبصار مختلف، ووعي وإن كان بوصلته تلتحق أكثر بالرفض، فإنه يستثمر أكثر في معنى جديد للحياة السياسية في السودان، هذا رفض خلاّق، فكل أفعال التغيير الإيجابي مصدرها الرفض، هذا الجيل لا نعني به فئة عمرية، لأن القول بذلك ينفي حقيقة أن من خرج لأجل التغيير لم تحركه فقط نوازع تعود إلى مغامرة ومراهقة سياسية، بل لا يصح وصف صُناع الحق في بلادي بذلك، إن الشباب والشابات الذين يرفضون الخروج دون ضمانات على الأقل توفر لهم يقيناً بأن ما استشهدوا من أجله يسير في الطريق الصحيح، فإنهم يشكلون معنى جديد للظاهرة السياسية، معنى يتصل أكثر بالمستقبل، وما دعاوى سرقة أحلام هذه الطبقة إلا محاولة مكشوفة منا جميعاً، وهادينا في ذلك الخوف من طرح الأسئلة الكبرى، وأهم هذه الأسئلة، هو كيف نُدبر حياتنا بعيداً عن التطرف الأيديولوجي؟ وكيف يمكن أن نسمح بالحقيقة أن تجري فينا مجرى الدم؟ حقيقة هوية السودان، هويته الحضارية، وما نكتبه هنا هو اسهام لصالح مستقبل هذه الطبقة؛ طبقة الرفض لأجل وطن حقيقي، يعيش فيه إنسانه متمتعاً بحرية مسئولة، ويرى فيه ثمرات كسبه، ويشعر بانتماءه إلى جغرافيا تخصه، ويعتقد بسلامة موقعه هنا، في وطن علينا بحق أن نجعله يسع الجميع. نواصل..
ghassanworld@gmail.com
///////////////////