تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026
الجزء 5 الأخير: تحت القصف: هل من تجدد ثوري ممكن؟ 2020-2026
إدوارد كورنيليو
15 أبريل 2023 لم يبدأ حرباً فقط؛ بدأ عصراً. الدولة التي نعرفها تفككت… الخرطوم التي كانت مركزاً أصبحت ساحة قتال. الاقتصاد الذي كان ريعياً أصبح اقتصاد نهب مسلح. المليشيات تسيطر على الذهب، على الصمغ العربي، على المعابر. الجيش يدير شركاته الخاصة. المواطن بين نازح في مدرسة أو لاجئ على الحدود. هذا هو ما يمكن تسميته “رأسمالية الحرب”: نمط إنتاج قوامه السلاح، وتراكمه يأتي من تدمير قوى الإنتاج الأخرى. في هذا المناخ، يواجه الحزب الشيوعي السوداني امتحان وجوده الأخير.
لنكن صريحين: الحزب اليوم ليس الحزب نفسه عام 1964. الطبقة العاملة الصناعية التي كانت كتلته الحرجة تآكلت بفعل الخصخصة ثم الحرب. مشروع الجزيرة، الذي كان مدرسة نضاله، مسرح للاشتباكات. النقابات التي بناها أربع مرات وهُدمت أربع مرات، تحتاج إلى بناء خامس من تحت الركام. كادره تشتت بين المنافي والداخل. صحيفة الميدان تصدر إلكترونياً، لكن صوت القصف أعلى من صوت الحبر. ورغم ذلك، الحزب موجود… في لجان المقاومة التي تطبخ في التكايا، في غرف الطوارئ التي تدير المستشفيات، في البيانات التي ترفض الحرب من حيث المبدأ. السؤال: هل هذا الوجود يكفي؟
التحدي الأول نظري. أدبيات الحزب لا تزال تتحدث عن “الثورة الوطنية الديمقراطية” كمرحلة. لكن أي وطنية في بلد تتمزق خرائطه؟ وأي ديمقراطية في ظل البندقية؟ المطلوب ليس تعديلاً بل قطيعة. المطلوب نظرية لـ”رأسمالية الحرب” تشرح كيف أصبح العنف نفسه قوة منتجة، وكيف تحول أمراء الحرب إلى طبقة. بدون هذه النظرية، سيظل الحزب يكرر شعارات من زمن آخر. الماركسية منهج، لا مصحف؛ إذا لم تستطع تحليل الدعم السريع كظاهرة اقتصادية-اجتماعية، لا كمجرد “مليشيا”، فهي عاجزة.
التحدي الثاني تنظيمي. المركزية الديمقراطية وُلدت في ظروف المصنع والحزب العلني. في الحرب، في الشتات، في ظل انقطاع الإنترنت، كيف تمارس الديمقراطية؟ كيف تنتخب لجنة مركزية والناس مشردون؟ كيف تحاسب القائد وهو في ملجأ وأنت في خندق؟ التمسك بالأشكال القديمة يقتل المضمون. الشباب اخترعوا “التنسيقيات”، “الغرف المشتركة”، “القيادة الأفقية”. هذه ليست فوضى ليبرالية؛ هي تكيف مع واقع القصف. الحزب أمامه خياران: أن يتهمها بـ”العفوية”، أو أن يتعلم منها ويضفي عليها الطابع الطبقي. لينين لم يخترع السوفييتات؛ وجدها في 1905 وطورها… فهل يملك الحزب تواضع لينين؟
التحدي الثالث هو العنف. تاريخياً، رفض الحزب الكفاح المسلح بعد تجربة الأنصار. كان موقفاً صحيحاً حين كانت الدولة تحتكر العنف. اليوم، الدولة نفسها تفتت. السلاح في يد كل من هب ودب. الدعوة إلى “السلمية” في هذا السياق قد تُقرأ كعجز. هذا لا يعني عسكرة الحزب، بل يعني أن الحزب لا يمكنه أن يبقى محايدا أمام سؤال الحماية المدنية وتفكيك اقتصاد المليشيا؛ إذا لم يقدم إجابة سياسية-اجتماعية على العنف، ستملأ الفراغ قوى لا علاقة لها بالتقدم.
التحدي الرابع هو التحالفات. من حليف الحزب اليوم؟ بقايا الطبقة الوسطى؟ هذه شُردت. البرجوازية الوطنية؟ هذه تحولت إلى كومبرادور حرب. الحليف الموضوعي هو “البروليتاريا الرثة” الجديدة: النازحون، سكان الكنابي، عمال اليومية، النساء المعيلات، الشباب الذي فقد جامعته. هؤلاء لا يقرأون الميدان. يريدون خبزاً وأماناً. الحزب الذي لا يستطيع تنظيم مطبخ مركزي في معسكر نزوح، لن يقنع أحداً بأنه يستطيع تنظيم اقتصاد اشتراكي. المعركة اليوم على “الاقتصاد الأخلاقي”: من يطعم الناس، من يداويهم، من يحميهم. من يكسب هذه المعركة يكسب الشرعية.
ما بعد كل هذا الركام، مصير الحزب الشيوعي السوداني ليس مسألة تخص أعضاءه وحدهم. هو جزء من سؤال أوسع: هل يمكن لقوى اليسار أن تنجو في القرن الحادي والعشرين؟ التجربة تقول إن البقاء ممكن، لكن الانتصار مشروط. مشروط بالقطيعة مع النوستالجيا. صورة عبد الخالق محجوب على الحائط لا تكفي. مشروط بالالتحام العضوي، لا الفوقي، بأشكال التنظيم الجديدة. مشروط بتحويل الماركسية من هوية إلى أداة. الشعار ليس “عودوا إلى ماركس”، بل “اذهبوا بماركس إلى معسكر زمزم واسألوا: ما العمل؟”
ثمانون عاماً من “حستو” إلى الحرب… الطريق كان طويلاً ودامياً. الحزب أخطأ وأصاب، صعد وهوى، قاد وتاه. لكنه لا يزال هنا. الحرب قد تدفنه، وقد تكون القابلة التي تولد منها نسخته الجديدة. التاريخ لا يضمن شيئاً؛ الضمان الوحيد هو الممارسة. والاشتراكية، كما قال إنجلز، إما أن تكون علماً يغير الواقع، أو متحفاً يزار في العطلات. الخيار للحزب، والزمن لا ينتظر.
tongunedward@gmail.com
