أطلق الدكتور صديق الزيلعي تصريحاً حظي بتداول واسع، دعا فيه الحزب الشيوعي إلى دعم تحالفاته مع بقية القوى المدنية والعمل على توسيع مظلتها وتفعيل دورها السياسي.
تمثل هذه الدعوة محاولة لتجاوز المواقف “الجذرية” التي تبناها الحزب منذ انقسام تجمع المهنيين السودانيين، وهي مواقف يرى كثيرون أنها أضعفت وحدة المعارضة المدنية في مواجهة نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في السودان.
إعادة بناء جبهة مدنية موحدة، على غرار ما حدث في بدايات ثورة ديسمبر 2018، تبدو اليوم واحدة من أعقد التحديات السياسية. وحتى إذا افترضنا جدلاً أن هذا التحالف الموحد يمكن أن يتمثل في “صمود” أو “إعلان نيروبي”، فإن العقبات الفكرية والتنظيمية والسياسية لا تزال كبيرة.
تصريح الزيلعي يُعد شجاعاً، ليس فقط لأنه يدعو إلى مراجعة المواقف السابقة، بل لأنه يصدر من داخل حزب يقوم تنظيمه على مبدأ “المركزية الديمقراطية”، وهو المبدأ اللينيني الذي يمنح العضو حق التعبير داخل الأطر التنظيمية فقط، بينما يُنظر إلى التصريحات العلنية المخالفة للموقف الرسمي باعتبارها إخلالاً بالانضباط الحزبي قد يترتب عليه الفصل.
لكن التحديات لا تتوقف عند حدود الخلافات التنظيمية داخل الأحزاب. فـ”إعلان نيروبي” نفسه يثير جدلاً واسعاً داخل القوى المدنية، خاصة في ما يتعلق بتوصيف الحرب وتحديد المسؤولية السياسية عنها. فهناك من يرى أن الإعلان تجنب تحميل الجيش والقوى المتحالفة معه مسؤولية إشعال الحرب في 15 أبريل 2023، كما تجاهل، من وجهة نظرهم، مبادرات وقف إطلاق النار التي أعلنتها قيادة الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من الصراع.
في المقابل، يرى آخرون أن أي مشروع لتوحيد القوى المدنية لا يمكن أن ينجح إذا انطلق من خطاب يُنظر إليه باعتباره منحازاً لطرف من أطراف الحرب، أو متجاهلاً للانتهاكات التي ارتكبتها جميع القوى المسلحة. ولهذا تبدو مسألة “الحياد المدني” أو “العدالة في توصيف المسؤوليات” من أكثر القضايا تعقيداً داخل معسكر القوى المدنية نفسها.
كما أن الذاكرة السياسية المرتبطة بفض الاعتصام، وعمليات القتل والقمع التي تعرض لها المتظاهرون السلميون، ما تزال تؤثر بعمق على مواقف قطاع واسع من الناشطين، الذين يربطون بين استمرار الحرب وبين النفوذ المستمر للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
ورغم أن مظاهر الحياة بدأت تعود تدريجياً إلى العاصمة، وأن كثيراً من المواطنين عادوا إلى مناطقهم، فإن هذا الاستقرار يظل هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة توقف الحرب بصورة نهائية، وتؤسس لعودة آمنة للمشردين والنازحين، وتفتح الطريق أمام بناء دولة مدنية مستقرة. حيث يمكن لقوات تأسيس ان تستهدف الأسواق بمسيرات مثلما يحدث من استهداف الجيش وكتائبه لأماكن تجمعات المدنيين فى كردفان ودارفور، بيد أنها لم تفعل.
يبقى التحدي الأكبر أمام القوى المدنية هو قدرتها على تجاوز الانقسامات الأيديولوجية، وبناء مشروع سياسي واسع يقوم على وقف الحرب، واستعادة المسار الديمقراطي، وتقديم رؤية مشتركة، ولكنها واقعية ومسؤولة ، لمستقبل السودان دون إهمال لآليات الضغط العسكرى والسياسى التى تستطيع ان تفرض على الحركة الاسلامية وجيشها الجلوس من اجل التفاوض لإيقاف الحرب وعودة السلام والاستقرار الى ربوع البلاد.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
