ازمة سعر صرف الجنيه السوداني هي اقوي المؤشرات الاقتصادية التي لا يمكن اخفاءها
لتفسير ضعف اداء الاقتصاد السوداني
من المعلوم في مبادءئ علم الاقتصاد, ان استقرار سعر العملة الوطنية في اي بلد يعد مؤشر جيد لتفسير الاتجاه الايجابي لاداء الاقتصاد الكلي في البلد المعني .بداءت مشكلة عدم استقرار سعر صرف الجنية السوداني تحتل حيز كبير ما بين القضايا العامة التي شغلت الراي العام في السودان . اذا ما تتبعنا حركة سعر الصرف منذ استلام الانقاذ لادارة البلاد في العام 1989 والي يومنا هذا باستثناء فترة انتاج النفط ,يمكن وصفها بانها حركة غير صديقة للنمو الاقتصاد .في بداية حكم الانقاذ كان سعر الجنيه السوداني الواحد يعادل 0.08 من الدولار الامريكي او 12 جنيه مقابل الدولار الواحد. وبعد عام واحد في العام 1990 انخفض سعره الي 0.02 من الدولار اي 60 جنيه مقابل كل دولار واستمرت عملية التدهور حتي فترة انتاج النفط . حاولت الحكومة اخفاء حركة سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بطريقة تعد خارج اطار الوسائل الاقتصادية وذلك بحذف ثلاثة اصفارممرحلة من واجهة سعر صرف الجنية باستخدام اعادة تسمية وتغير فئة العملة المحلية من جنيه الي دينار والعكس , الا ان تلك المحاولة لن تفلح في اخفاء حركة سعر العملة الوطنية كمؤشر لاداء ونمو الاقتصاد. بعد انفصال جنوب السودان في العام 2011 بداءت مشكلة انهيار سعر الصرف تفرض نفسها من جديد وبصوره واضحة عندما خرجت الايرادات النفطية من ميزانية الدولة ,ثم بداءت المشكلة تتفاقم كل عام بعد الاخر وتقاوم كل الترتيبات والسياسات التي استخدمتها الحكومة لمعالجة الوضع و تجاوزت وفضحت تنبؤات كبار الاقتصادين في الدولة . فمنذ بداية العام 2015 بداء سعر الجنيه يتدهور امام الدولار بمعدلات كبيرة ووتائر سريعة ملفتة للانتباه شغلت بال الكتاب والمحللين بشكل راتب . بينما شكل الفرق الشاسع ما بين سعر الصرف الرسمي للجنيه مقابل الدولار الامريكي الذي اصرت علي ثباتة الحكومة وسعره في السوق الموازي ظاهرة غريبة يندر ان تجد لها مثال من بين تجارب اقتصاديات العالم او تبريرها باي فرضية اقتصادية يقر بها علم الاقتصاد .
حاولت الحكومة ان تشخص وتقترح حلول لهذة الحالة بطرق غير منهجية معظمها ذات طابع دفاعي دون الاستعانة بادوات وطرق التحليل الاقتصادي المعروفة وهو الشئ الذي ادخلها في حالات احراج مستمرة امام الراي العام من جهة والمنظمات الاقتصادية العالمية والاقليمية من جهة اخري . اصرت الحكومة علي تفسير ازمة الصرف بانها ناتجة عن المضاربة مابين تجارالعملة الصعبة (الدولار الامريكي) في السوق الموازي-فلما لن يستقيم الامر اعادت تشخيص الازمة بانها ناتجة عن العقوبات الاقتصادية العالمية المفروضة علي السودان . اما الخطأ الثاني الذي وقعت فيه للحكومة بداءت تختار الترتيبات والسياسات لمعالجة الوضع بشكل عشوائي من مصفوفة الحلول الاقتصادية المتعارف عليها دون الالتفات الي اهمية تشخيص الداء الشي الذي جعلها في خاتمة المطاف عاجزة تمام عن ترتيب عملية اختيار الادوات المناسبة وتقديم الحلول لايقاف تدهور سعر الجنيه . بداءت الحكومة باعادة ترتيب الميزانية العامة ثم رفعت الدعم عن السلع الاساسية والمحروقات ثم رجعت تتحدث عن خيارات اخري مثل اعادة تنشيط تحويلات المغتربين والقروض والمنح و من ثم انتاج وتصدير الذهب واخيرا انتظار رفع العقوبات الامريكية. فبعد رفع العقوبات الامريكية حدثت هزة طفيفة في منحيات العرض والطلب للدولار الامريكي المتداول في السوق الموازي فزادت الكمية المعروضة بشكل نسبي بسسبب التوقعات الغير رشيدة من قبل المحتفظين بها ,هذه الهزة ارسلة اشارات غير حقيقة لارتفاع سعر الجنية ولكن بعد اقل من خمسة ايام زالت تلك التوقعات وبدءات عملية التوازن الحقيقي تتشكل من جديد ومن ثم استمرار انهيار الجنيه السوداني بمعدلات اكبر .
تشخيص الحالة .
ازمة سعر صرف الجنيه السوداني – ماهي الا احد و اقوي المؤشرات الاقتصادية التي لا يمكن اخفاءها لتفسير ضعف اداء الاقتصاد الكلي في البلاد . و تفسيرها بشكل منعزل وصياغة الاسباب اوالحلول لها دون اعتبار الاجابة علي الاسئلة التقليدية في علم الاقتصاد (ماذا وكم وكيف واين ننتج ) كان بمثابة اضافة جرعة مميتة في جسد الاقتصاد السوداني . في تقديري ان السبب الاساسي هو :انهيار هيكل الانتاج وتراجع معامل الانتاجية الكلية في البلاد. وذلك بسبب فشل الادارة السياسية علي خلق بنية هيكلية محفزة لعملية الاستثمار و النمو بعدم قدرتها علي بناء مؤسسات قوية وصياغة سياسات وبرامج صديقة وخادمة لهيكل الانتاج .
انهيار سعر الجنيه السوداني لم يكن فقط مؤشر قوي لتقيم الاداء بل يرسل مؤشرات نحو الخلف توحي بان الاستقرار وحركة النموالاقتصادي النسبية التي صاحبة انتاج النفط قبل انفصال الجنوب ما هي الا حالة عابرة مرت علي تاريخ الاقتصاد السوداني . بمعني انها لم تكن طفرة اقتصادية حقيقة ناتجة عن تضافر وعمل سياسات ومؤسسات متماسكة مخطط لها لانتاج الحالة .
فترة انتاج النفط منذ العام 1999 وحتي انفصال جنوب السودان في العام 2011 كانت بمثابة فرصة نادرة مرت علي تاريخ الاقتصاد السوداني دون استثمارها .كانت فرصة ممتازة لاحداث طفرة تنموية اذا ما اخذنا حجم الموارد الاخرى والميزات النسبية التي يتمتع بها السودان في الاعتبار . بداءت الشركات الصينية انتاج النفط في السودان بكميات كبيره معتمدة علي عقود لا تتضمن اهمية المخزون الاستراتيجي في باطن الارض ولا ادراج حقوق الاجيال القادمة .و تزامن انتاج تلك الكميات الكبيرة من النفط مع ارتفاع اسعار النفط في الاسواق العالمية فزاد حجم العائدات النفطية. ففي العام 1999 سجل الميزان التجاري اول فائض ادي الي الاستقرار في سعر الصرف ثم راح الانتاج النفطي يتزايد حتي اصبح في العام 2003 يساهم بنسبة 80% من عائدات الصادر . الا ان تلك الفرصة ضاعت علي السودان بسبب غياب الافق الاسترايجي لادارة الاقتصاد و سوء ادارة تلك الوفورات . فترة انتاج النفط هي فترة وئد القطاعات الانتاجية الحيوية للاقتصاد السوداني ,فبدلآ من اعادة تدوير تلك العائدات النفطية واستثمارها باتباع سياسات هيكلية وقطاعية لتغذي وترفع كفاءة القطاعات التقليدية مثل القطاع الزراعي بشقية الزراعي والرعوي الذي يستوعب ما يقارب 80% من القوه العاملة وكذلك قطاع الخدمات والقطاع الصناعي التي تعتبر قطاعات واعدة بالنجاح اذاما وضعنا الميزات النسبية والموارد التي يتمتع بها السودان ايضا في الاعتبار ,راحت كل تلك العائدات كنفقات لسداد فواتير الحروب الاهلية وتبدد ماتبقي منها بفعل الفساد و سوء الادارة المالية .
ماهي الاسباب الحقيقة لانهيار هيكل الانتاج .
لا يمكن رصد و تحليل اسباب انهيار هيكل الانتاج في السودان فقط باتباع منهج التحليل الاقتصادي البحت دون تحليل الوضع السياسي الذي يعمل فية الاقتصاد. بمعني انه لا يمكن الاجابة علي هذا السؤال الا باتباع منهج الاقتصاد السياسي .هذه هي النقطة الجوهرية التي اسقطت تنبؤات كبار الاقتصاديون عندما حاولوا تفسير ازمة صرف الجنية السوداني من زوايا اقتصادية بحتة دون التطرق للدورالذي يمكن ان تلعبة الادارة السياسية لتقويم اوتشوية الاقتصاد.هنالك اربعة اسباباساسية قادت لانهيار هيكل الانتاج و اول هذه الاسباب يكمن في فشل الادارة السياسية في خلق بيئة محفزة ومشجعة لعمل الاقتصاد :
1- غياب البيئة المحفزة والمشجعة :The reward structure
فشلت الحكومة اثناء تلك الثلاثة عقود في صياغة حزم سياسات اقتصادية تنموية متماسكة وبناء مؤسسات قوية جاذبة ومشجعة لعملية الاستثمار والانتاج في البلاد . اضف الي ذلك فشلها وعدم قدرتها علي احداث الاستقرار السياسي وتماسك وحدات المجتمع بدخولها في حروبات اهلية غير مبررة في كل من جنوب السودان, دارفور ,جبال النوبة والنيل الازرق لاتفه وابسط الاسباب الا وهو عدم التوزيع العادل للسلطة والثروة الذي يعتبر من المتتطلبات الاساسية لبداية مشروع النموالاقتصادي . وبالتالي فان غياب البيئة المحفزة والمشجعة يمثل قاعدة اسباب انهيار هيكل الانتاج في السودان .
2- عدم كفاءت وفعالية الجهاز الصرفي .
سياسة اعتماد صيغ التمويل المصرفي الاسلامي في البنوك والموسسات المالية منذ بداية حكم الانقاذ وحتي يومنا هذا شلت بنية الجهاز المصرفي في الداخل وفصلته عن المحيط العالمي وافقدتة الفعالية والمقدرة علي التحكم في الفوائض المالية وادارتها او تدويرها لصالح العملية الانتاجية . اصبح الجهاز المصرفي غير قادر علي جذب المدخرات من الجمهور ومن ثم توجيهها نحو العملية الانتاجية ثم بات الامر يزداد سوء بعد سوء بمنافسة الحكومة له علي تلك المدخرات البسيطة لتمويل عجوزات الميزانية العامة عبر عمليات السوق المفتوح .بينما نجد ان اصرار الحكومة علي الحفاظ علي الفرق الكبير ما بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي في السوق لفترة طويلة من الزمن خلق ما يعرف بعدم الثقة ما بين الجهاز المصرفي من جهة والمغتربين والمستثمرين من جهة اخر الشي الذي ادي الي عدم كفاءة وفعالية الجهازي المصرفي لجذب الاسثمارات الخارجية وتحويلات المغتربين .
3- تدهور قطاعات الانتاج .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم