ترحيل “س” .. بقلم: منصور الصويّم
26 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
أحوال السودانيين في المهجر وبلاد المغترب أحد الهموم والقضايا الوطنية التي يجب أن يلتفت إليها الناس ويتفاكروا حولها. قبل أيام تداولت الأخبار حول مجموعة من السودانيين المرحلين قسريا من بلجيكا، وما تعرضوا له من معاملة سيئة، رغم أن لهم كافة الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية في ما يخص “اللاجئ” و”المهاجر”. أيضا من القضايا التي أثيرت مؤخرا ووجدت صدى كبيرا قضية تعذيب مواطنين سودانيين في ليبيا، ورغما عن أن القضيتين الآنفيتين قد حلتا أو أوشكتا على الحل لصالح “المهاجرين السودانيين”، الأولى باعتراض المعارضة البلجيكية على عملية الترحيل غير القانونية والمخالفة لحقوق الإنسان، والثانية بتحرير السودانيين المختطفين في ليبيا والقبض على المجرمين؛ إلا أننا يمكننا أن نضعهما كنموذجين يمثلان حجم المشاكل التي تواجه اللاجي أو المهاجر والمغترب السوداني خارج بلاده، وما يتطلبه ذلك من متابعة أكثر من الجهات المسؤولة.
في ذات السياق، تأتي المشاكل التي تواجه المغتربين السودانيين في الخليج والسعودية، لاسيما بعد التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي حدثت بهذه البلدان، وكان من تأثيراتها – مثلا – فرض رسوم عالية على كافة المغتربين ومن ضمنهم السودانيين بالطبع، هذا الوضع المفاجئ أجبر آلاف الأسر السودانية على العودة “القسرية” إلى السودان وذلك دون وضع أي ترتيبات مسبقة تستوعب هذه النقلة المباغتة، ولا أعتقد أن هناك أي جهة رسمية تابعت هذا الموضوع بشكل دقيق على كافة مستوياته الاقتصادية والمجتمعية، وما قد يطرأ على هذه الأسر جراء هذا الانتقال غير المخطط له. الأمر في رأيي يستدعي إجراء معالجات عاجلة تستوعب كافة المشاكل المتوقع حدوثها جراء هذا الوضع، بداية من توفير فرص عمل تناسب إمكانيات العائدين وليس انتهاء بإجراء لقاءات “اجتماعية” تسهل من عملية تقبل المتغيرات التي ستواجه العائدين، خاصة أولئك الذين قضوا سنوات طويلة جدا في بلاد المغترب.
سأختم هذا المقال بسرد قصة حدثت قبل يومين، لأحد أصدقائي، وهي الدافع الأساسي وراء هذه الكتابة. تعرفت على الصديق “س” أثناء ترددي على إحدى البقالات التي يديرها مغترب سوداني في الرياض بالسعودية. وما لفتني إلى “س” – وهو شاب في بدايات العشرينيات – أنني لأول مرة أصادف سودانيا يعمل في مهنة توصيل الطلبات من البقالات إلى منازل الزبائن. كان يقود دباب “موتر ماركة فيسبا”، ويقضي جل نهاره متنقلا من منزل إلى آخر يوصل الطلبات الصغيرة. بعد فترة، وبالمصادفة البحتة اكتشفت أنه خريج جامعي جاء إلى أرض المغترب قبل أشهر فقط، ولم يوفق بعد في التوظف حسب شهادته الجامعية الرفيعة. ثم اكتشفت ولعه بقراءة الروايات فتمتنت الصداقة بيننا. وصرت بين كل فترة وأخرى أمده بإحدى الروايات وانتظر تعليقه عليها.
قبل يومين وأنا ألج البقالة لشراء شيء ما، نظرت تلقائيا جهة “الكرسي” الذي يجلس عليه صديقي “س” بانتظار “تلفونات التوصيل”، فقلت لنفسي لابد أنه يوصل طلب زبون ما، فالموتر أيضا لم يكن بالخارج؛ بيد أن البائع السوداني فاجأني وهو يقول متأثرا: “يا زول “س” قبضوا ناس الكشة الليلة، واحتمال يرحلوا طوالي”. اصبت بحالة من الوجوم والحزن، فأنا أعرف طموحات هذا الشاب والمسؤوليات التي تنتظره في قريته البعيدة بالسودان.
هكذا، وفي لحظات ضاعت كل آمال “س”، والسبب الرئيسي أنه رضي بمهنة أقل بكثير من مؤهلاته وقدراته فصار مخالفا للنظام يستحق الترحيل والإبعاد.