ترسانات العاصمة المسلحة !! .. بقلم: زهير السراج

مناظير الاربعاء 26 يونيو، 2013
drzoheirali@yahoo.com

* يظن كثيرون ان إنشاء مواقف المواصلات العامة فى المناطق الاستراتيجية والمركزية داخل الخرطوم مثل ميدان جاكسون ومعمل استاك وميدان شرونى، هو نوع من الغباء او سوء التخطيط الحكومى لما تخلقه هذه المواقف من ازدحام واتساخ بالاضافة الى تعقيد حركة المرور .. إلخ !!

* ولكن فى حقيقة الأمر، فان الحكومة أذكى من ذلك بكثير إذ تتعمد إنشاءها فى هذه الاماكن الحساسة لتأمين نفسها من الغضب الشعبى المحتمل واندلاع التظاهرات ..!!

* وهى فى الأصل سياسة او ( لعبة) مصرية قديمة استخدمت بنجاح كبير فى سنوات ما بعد استيلاء  الجيش على السلطة فى23 يوليو 1952، بغرض امتصاص اكبر عدد من مهاجرى الارياف فى الاعمال الهامشية التى ترتبط باماكن التجمعات الضخمة خاصة مواقف المواصلات وذلك للتأثير على البنية السكانية التحتية فى المدن الكبيرة مثل القاهرة والاسكندرية والتضييق على الطبقة الوسطى التى تشكل خطرا على اهل الحكم بنزعتها الطبيعية الى الاحتجاج والثورة،ولقد نجحت هذه اللعبة حتى ما قبل الثورة الشعبية المصرية بقليل ولكنها فشلت فى آخر الأمر بسبب تكاثف الضغوط السياسية والاقتصادية على الشعب واحساسه العميق بالدونية من سياسات نظام مبارك الاستعلائية الذى لم يعد بامكانه الاستمرار فى اللعبة القديمة لتفادى اندلاع الغضب الشعبى وسقوط النظام  ..!!   

* والفكرة هى نفسها هنا، إذ تهدف الحكومة من هذه المواقف الى استيعاب جيوش العطالة الضخمة الوافدة من الريف الى الخرطوم بسبب دمار المشاريع الزراعية وانعدام التنمية والخدمات وفرص العمل فى اعمال هامشية تدر عليها القليل من المال يكفى لسد الرمق، وتشغل وقتها، وتنأى بها عن المشاركة فى اى نوع من  الاحتجاج الشعبى المحتمل خوفا على تجارتها ووجودها، ولعل ذلك يفسر عدم مشاركة غالبية هؤلاء فى الاحتجاجات التى اندلعت فى العام الماضى ..!!

* لو لم تستوعب الحكومة هذه الجيوش الضخمة من العطالة فى ممارسة المهن الهامشية سواء فى مواقف المواصلات او على الطرقات، لتحولت هذه الجيوش الى مصدر خطر كبير على الحكومة ووقود للثورة عند حدوث الاحتجاجات واندلاع الغضب، لذا تتعمد الحكومة انشاء المواقف فى الاماكن الاستراتيجية التى تستوعب اعدادا ضخمة من القادمين الى وسط المدينة لقضاء حوائجهم اليومية والذين يمثلون هدفا اساسيا لالاف الباعة الجائلين والفرّاشة الذين عجزت عن ايجاد فرص عمل حقيقية لهم بسبب تدمير الريف وانعدام التنمية واستشراء الفساد فى اجهزة الدولة، مع السماح لآلاف مثلهم بممارسة مهنة التجارة العشوائية والبيع الجائل على الطرقات وامكان التقاطعات الرئيسية بما فى ذلك اكثر الاماكن اهمية وحساسية خاصة منطقة وسط الخرطوم !!

* غير ان هذه السياسة أو (اللعبة) قصيرة النفس ولن تنجح طويلا فى تحقيق المراد منها وذلك لتكاثف الضغوط الاقتصادية على المواطنين يوما بعد يوم وعدم استطاعتهم مواجهة ازمة الغلاء الفاحش، بالاضافة الى التطور الطبقى الطبيعى لهذه الجيوش وتنامى احتياجاتها  بحكم تواجدها وانصهارها فى المدينة .. وستكون المحصلة النهائية هى الثورة الشعبية، بالضبط كالتى حدثت فى مصر و اطاحت بالنظام، وهى ليست ببعيدة عن الحدوث هنا خاصة مع اتجاه الحكومة لزيادة اسعار المحروقات مما سيؤثر بالقطع على كل السلع الاخرى ويرفع ترمومتر الغضب الشعبى الى  اقصى درجة ليس بعدها الا الانفجار  ..!!  

صحيفة (الجريدة) السياسية اليومية
www.aljareeda-sd.net/en/day

عن د. زهير السراج

د. زهير السراج

شاهد أيضاً

المؤلفة جيوبُهم !

مناظير السبت 10 مايو، 2025 manazzeer@yahoo.com * يبدو ان الغرور بلغ بالكيزان مبلغا كبيرا من …

اترك تعليقاً