تساكن المتناقضات (عن وعي العسكر اللاواعي)

 


 

 

abdullahaliabdullah1424@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم
(حكم العسكر ما بينشكر كل درادر كل مظالم/ ما هو قدركن تحيو همالة مقصودين والقاصد فاهم) حميد
تمر علينا هذه الايام الذكري الحادية عشر لرحيل نبي الشعر محمد الحسن سالم حميد، الذي جسدت رسالته الشعرية دعوة انسانية للمحبة والسلام والمساواة، في ظل وطن خالٍ من الظلم والطغيان، واحتكار الامتيازات لدي قلة تسطو علي السلطة، ومن ثمَّ تشرع في استباحة موارد الدولة وانتهاك كرامة وحقوق المواطنين. وكالعادة لا تستنكف التلاعب بمشاعر البسطاء الفطرية، واثارة مخاوفهم الوجودية، لكي يتعايشوا مع واقعة الاستبداد والفساد والشقاء، كاقدار الهية او بسبب علة ملازمة للمجتمع الخطاء.
واذا كانت رسالة حميد مشروع حلم لتحقيق انسانية الانسان في وطن معافاة، وهي ما نذر لها عمره واستنزفت كامل طاقته. فذلك بسبب ان الحياة في هذه البلاد تمت مصادرتها عبر المؤسسة العسكرية، سواء اصالة عن نفسها او كوسيلة لاحزاب عقائدية، تشترك مع ذات المؤسسة في الرؤية الدُغمائية، المؤمنة ان هنالك طريق واحد ووسيلة واحدة ومجموعة واحدة قادرة علي تحقيق المعجزات. وهو ايمان لا يكفي كل خراب العالم لزحزحة معتنقيه بوصة واحدة عن موقعهم، طالما هنالك متسع للتحجج ان القائمين علي امر التنفيذ، تتقاصر قاماتهم عن براءة الاختراع، او ان القوي العظمي (حلفاءهم خلف الكواليس!) واعداء النجاح تتربص بهم الدوائر، رغم ان المشانق والمعتقلات والهجرة القسرية واغلاق الفضاء العام، لم تترك لمعترض هامش للتنفس او الحركة ناهيك عن فعل المعارضة الجاد!
ويبدو ان تاريخ هذه الرؤية، هي تاريخ التناقض/الصراع بين طموح حميد (تحقق حقوق الانسان ووظيفة الدولة الحديثة) وبين منطق العسكر الانقلابي (فرض الامر الواقع كوصاية)، الذي حكم مسيرة الدولة منذ الاستقلال. وما زاد الطين بلة وحكم علي الدولة بالتدهور المطرد، و علي الشعب بالبؤس والاحباط وعلي الموارد بالنهب والاهدار، ليس منطق العسكر، ولكن لان منطق العسكر غير منطقي في الاساس! اي وعي العسكر يتشكل علي اساس ان (1+1=3) او تساكن المتناقضات غير المساءل! لذلك ظل الوعي يدور حول التحاور مع الذات، ومن ثمَّ تقييمها وتقديرها يتم بذات الذات، وتاليا يجردها من التقصير ويعصمها من الاخطاء، ويمنحها ما شاء له من تقدير وامتيازات! ولغة السلاح حاضرة، ونهج العنف كافٍ لاثبات ذلك!
والحال كذلك، تصبح السلطة والدولة والشعب والمصلحة العامة، ليس كما هو متعارف عليه سواء بمصطلح علمي او رؤية محايدة! ولكنها مُعرَّفة او الاصح يعاد تعريِّفها بحيث تتطابق مع المصلحة الضيقة للعسكر. وهو ما يبيح الاستيلاء علي السلطة بحجة حماية الدولة، والاستيلاء علي موارد الدولة والتكتم عليها باسم الحفاظ علي اسرار المؤسسة العسكرية. وقتل وتشريد وابادة المواطنين باسم الحفاظ علي هيبة الدولة. اي كل ما يخدم العسكر هو شرعي ومصلحة عامة، وكل ما يتعارض مع مصالحهم فهو مُجرَّم سلفا! اي الشرعية والمشروعية تدور حيث دارت مصالح العسكر وانصارهم وحلفاءهم، وهذا بالتحديد المنطق الذي يحكم دولة العسكر ويشكل الوعي العسكري.
وهذا التشويش والانقلاب علي المفاهيم والقيم والمنطق، يبدو هو ما دفع المنظومة الانقلابية الانقاذية الحاكمة، علي اجبار الطلاب وخريجي الجامعات علي دخول معسكرات الخدمة الالزامية، كشرط لدخول الجامعات واستلام الشهادات والسماح بحق العمل والمغادرة للوطن (خلو طرف). لان ما يتم فيها محض اذلال وتشويش علي الوعي (الذي يفترض ان الجامعات ومقاعد الدرس اسهمت في تكوينه بمناهج منطقية) بحديث من شاكلة (اهم اربعة اشياء في الجيش ثلاثة الضبط والربط؟!). وهذه التربية والتعليم والتدريب المذل والمفارق للمنطق يُعني به، تقبل الواقع بظلمه وفساده واستبداده كما هو، والتعايش مع التفاوت بين الحكام والمحكومين كامر طبيعي، وإلا تم تجريدك من كافة الحقوق وبما فيها حق الحياة (معسكر العيلفون). والحال كذلك، اكاد اجزم ان كل من أُجبر علي دخول هذه المعسكرات، واختبر خواءها وتسلطها، واحساسه بالخوف والمهانة داخلها. خرج بانطباع واحد، ان هذه ليست بلاده، ويستحيل ان يكون له فيها مكان! وان مغادرتها هي الحل الوحيد لكي يحفظ حياته ويحافظ علي عقله وكرامته.
والجيش كمؤسسة قائمة علي الاستعباد والعمل بالاوامر، وتاليا ليس فيه مساحة لحرية الفرد والراي والتصرف او تعدد للخيارات. عمل علي تصدير ثقافة العبودية والتراتبية الجوهرية وما يستتبعها من امتيازات الي المجتمع، ومن ثمَّ تكريسها كفضاء عام (سلطة انقلابية) يحكم الدولة ككل. وفي هكذا وضعية تسلطية، يحوز العسكريون موقع السيادة، وتنخفض مرتبة المدنيين الي خانة الارقاء، ومن ثمَّ هم ملزمون بالطاعة. ولاكساب هذه الثقافة حالة من التابيد، تم تحصين المؤسسة العسكرية (كوجود وممارسات ومكانة) بنوع من القداسة (العجل المقدس بتعبير الاستاذ صغيرون) او التابو الذي يُحرم تناوله او المساس به، وفوق كل هذا يُجرم نقده ناهيك عن مساءلته. رغم ان ذات المؤسسة هي من استولي علي السلطة من غير وجه حق، وتحكمت في مصير الدولة ومصائر العباد. ومؤكد لا يوجد منطق في الدنيا يبرر ذلك او يقبله، إلا منطق العسكر الذي هو ليس اكثر من منطق (سلبطة وهمبتة) لا تفرضه إلا قوة السلاح.
وما يهم هنا، ان منطق اللامنطق العسكري ومصادرته مسبقا لحق الجدل، اكتسب نزعة من التزمت والتحجر وقلة الحياء، بعد ان ادخل عليه الاسلامويون عقيدتهم الفاسدة (المصلحة الخاصة تبرر كل الوسائل، وبما في ذلك بيع الروح للشيطان). والحال ان هذه المؤسسة التي تغولت علي الدولة واحتكرت مواردها وربطت مصيرها بسلطتها. انحدرت علي عهد الانقاذ الي محض آلية قمع ونهب وفقر قيمي مدقع، مختص فقط بحماية سلطة ومصالح الاسلامويين الفسدة. الشئ الذي جعل وسيلة الترقي داخلها تقوم علي المزايدة في الطاعة العمياء للمشروع الاسلاموي والتذلل لقادته علي وجه الخصوص. وهو ما اسهم بدوره في صعود جنرالات وخبراء عسكريين، يتنافسون فيما بينهم، علي الجهالة والبلادة والغرور والتعطش للدماء والثروة والسلطة.
ومما سلف نجد اننا لسنا حيال مؤسسة وطنية (تلتزم دستور متفق عليه وطنيا)، او يعنيها توفير الامان للمواطنين (تاريخ معاركها، هو حروب اهلية لصالح السلطة الانقلابية)، او المحافظة علي موارد البلاد (تجيير الاقتصاد لصالح جنرالاتها وحلفاءها المدنيين). ولكننا بالاحري حيال امبراطورية ذات سلطات وامتيازات مطلقة. وعلي راسها امبراطور يتحكم في المؤسسة العسكرية والدولة كما يشاء.
وبما انها مؤسسة غير منتجة، وتربي جنرالاتها بعد تمرغهم في السلطة علي سلوكيات السادة والملوك، فهذا ما جعل مصدر ثرواتها المال الريعي والانشطة الطفيلية، الشئ الذي انهك الاقتصاد وعمم الفقر والمعاناة في القري والحضر. والاسوأ من ذلك تحول جهاز الدولة من خدمة المواطنين الي مراعاة رفاه ومصالحهم ومصالح شركاءهم.
وعموما، من اكبر دلائل تهافت منطق اللامنطق او تساكن المتناقضات، في نهج عمل المؤسسة العسكرية ووعي جنرالاتها وعلي راسهم كبيرهم البرهان! هو محاولات التوفيق المستحيلة بين الرغبة في السلطة والعمل علي عدم تركها، وبين التظاهر بعدم الرغبة في السلطة وتركها للمدنيين! وكذلك التسلط علي الشعب والسيطرة علي موارد البلاد والتنصل فعليا عن حمايته، وذلك بالتوزي مع الجرأة علي التحدث باسم الشعب وسرقة لسانه والتفاعل الكاذب مع همومه التي هي اصلا من صنع ايديهم (والحال كذلك لسان حال الشعب يعبر بالمقولة الشهيرة من يحمينا من حماتنا؟!). وهكذا امثلة تغطي تاريخهم وممارساتهم وتصريحاتهم وليس آخرها المجاهرة بالوقف مع الثورة والمشاركة في التغيير، والتربص بها فعليا طوال فترة الشراكة، واجهاض الفترة الانتقالية بالانقلاب عليها في آخر المطاف، ومن بعدها اعتقال السياسيين والتصدي للثوار بعنف كانت حصيلته عشرات الشهداء وآلاف المصابين. وهذا ناهيك عن الاعلانات المجانية عن الوقوف ضد الاسلاميين، والعمل فعليا علي ارجاعهم وارجاع اموالهم المنهوبة، بعد نقض كل قرارات لجنة ازالة التمكين، فقط لانها اكثر القررات ثورية. والاسوأ من ذلك التنسيق معهم لقطع الطريق علي اي مشروع للعودة للفترة الانتقالية واستئناف مسيرة الثورة، بعد فشل الانقلاب بشهادة شاهد من اهلها (حميدتي).
اما اكثر مظاهر التناقض اثارة للسخرية، فهي الحديث عن احترافية ومؤسسية القوات المسلحة، في حين ان البرهان يتعاطي معها وكانها حزبه الطائفي الذي يخوض به صراع السلطة! وكم من المرات حرضها علي الثورة والثوار، واستثمر في زرع الشقاق والفتنة بينهما! وهذا غير استخدامها في التآمر علي الاتفاق الاطاري، الذي يُصور لها وكان غايته استهدافها. وفي هذا السياق ياتي بيان القوات المسلحة، بلغته المهادنة واسلوبه المحتشد بعبارات الثناء للشعب والتزام خياراته، في اطار المزايدة والمطاعن بين قائد القوات المسلحة والدعم السريع. وهو ما يجعل من وعودها وتعهداتها علي الدوام موضع شك وعدم اطمئنان. وباختصار العسكر يرغبون في اكل الكيكة والاحتفاظ بها، واعتبار ذلك من طبيعة الاشياء!
اما ما يدعو للضحك كالبكاء، ان البرهان الذي خضع مجبرا وعن عدم اقتناع للاتفاق الاطاري مؤخرا، يحاول ان يصور ذلك تفضل منه علي الشعب. بل بكل بجاحة يطالب الحكومة القادمة (في رحم الغيب بسبب تآمره) ان تفي بكل ما فشل فيه بعد الانقلاب، وهو يمتلك كامل الصلاحيات ولا يتعرض للتآمر. وهو بذلك يلمح لدور الوصاية (بعد التمويه باخذ الاذن من الشعب) والاستعداد للانقضاض عليها، بعد اكتمال فصول التآمر والتعطيل للحكومة القادمة. خاصة والبرهان يبني اهليته للقيادة واحقيته بالسلطة علي التربص بالحكم المدني والاصرار علي افشاله.
ويصعب ان نغادر محطة التناقضات التي تحكم وجود المؤسسة العسكرية وجدلية علاقتها بالدولة والمجتمع، دون التطرق لمفارقة رحلة البرهان الاخيرة لمدينة مروي. والتي تلخص حالة العزلة والانفصام التي تعيشها المؤسسة العسكرية وترفض ان تفارقها، كمخرج وحيد لتخليص ذاتها من الفرعنة والمجتمع من الاستبداد. وهي كما ورد في الاخبار، وقبل ان تطأ اقدام البرهان مطار مصر العسكري في مروي برفقة مطربة البرهان ندي القلعة، بيومين او ثلاثة! اقامت لجان المقاومة والتغيير بمنطقة مروي وقفة احتجاجية امام المحلية وقدمت مذكرة تُمهل المحلية خمسة ايام، للتدخل لكف حامية مروي عن مصادرة (تسوير) مساحة بامتداد عدة قري في المنطقة، بنية التعدين عن الذهب فيها، وما يحمله هكذا انشطة تتخذ طابع العشوائية من مخاطر بيئية وصحية علي حياتهم وحياة حيواناتهم. وقبل ذلك تمثل هذه الاراضي الامتداد الطبيعي لتوسيع انشطتهم الحياتية بما يناسب الزيادة في السكان. وهذا غير انتشار فيديوهات تتحدث عن وجود آثار في تلك المساحة التي يتربص بها المصريون! وخلاصة المسألة ان الجهة المناط بها الحماية، هي ذاتها من تتغول علي ما يفترض بها حمايته!! واهمية هذه القضية تنبع من انها تتكرر بذات الكيفية في كل بقعة تحط فيها المؤسسة العسكرية رحالها، سواء في شكل حامية او مقر يسمي (سلاح!!). ودونكم سلاح المدفعية وقائدها وما يثار حوله من شبهات فساد، والمدرعات وسرقة زيوتها، والطيران وبيع ماكنات طائراته (راجع مقالات الضابط خليل سليمان). وهذا ناهيك عن مصادرة البرهان بجرة قلم مؤسسة اقتصادية عملاقة مثل شركة زادنا، وضمها للجيش من غير مسوغ قانوني، لانها تاسست اصلا باموال الدولة (الغرض من النزع زيادة الضغط علي الحكومة المدنية حتي تفشل). وغيرها من شركات الجيش المتغلغلة في كافة المجالات والانشطة الاقتصادية (استثمار وتصدير)، ولا يعلم عنها المواطن شيئا، ولا تنعكس علي حياته التي تزداد عسرا ومشقة وتردي خدمات علي كافة الاصعدة.
وما يجعل هذه الصعوبة تدخل نفق التعقيدات مجهولة الحلول، هي دخول قوات الدعم السريع كمنافس للمؤسسة العسكرية في السيطرة علي الدولة والتطلع للسلطة! ودخول هذا العامل كان نتيجة للعسكرة الفائضة عن حاجة الدولة والمواطنين! لتفرز تاليا حركات مسلحة كبديل عن الاحزاب السياسية، قبل ان تسييس منظمات اهلية ودينية، اسهمت بدورها في تعقيدات المشهد المعقد سلفا. لتصبح كل احلام الحرية والعدالة ومشاريع الدولة المدنية الوطنية، وكانها هامش في صراع سلطوي بدأ يتخذ طابع العسكرة. وفي هذا قد يكون الفارق بين منطق الدولة المدنية التي تتاسس علي تقديم الخدمات والحماية والرعاية للمواطنين، ومنطق الدولة العسكرية التي تحول الخدمات الي اسلحة والانشطة المجتمعية الي حروب، والمواطنين الي مشاريع موت مجاني.
والحال ان المؤسسة العسكرية والدعم السريع والحركات المسلحة، تخضع بالكامل لقيادتها. وهي بدورها قيادات رغم تواضع قدراتها وعدم تاهيلها وسجلها الاجرامي، إلا انها ذات تطلعات سياسية ورغبة محمومة في السيطرة علي السلطة والمحافظة عليها باي ثمن.
ونخلص مما سلف، اننا امام مشكلة تاريخية مزمنة، تتصل بهيمنة المؤسسة العسكرية علي السلطة والدولة. اي شئ من قبيل دولنة المؤسسة العسكرية وعسكرة السلطة. والحال كذلك، يصعب فصم العلاقة بينهما بعد ان اصبح هكذا تداخل وتشابك جزء اساس من هوية المؤسسة العسكرية، لدرجة يصعب تعريفها او فهمها او التعامل معها بغير وضع ذلك في الاعتبار.
ومؤسسة بهكذا وعي ومسيرة تاريخية مهيمنة، من التبسيط المخل توقع انحيازها للثورة او التغيير الذي يتعارض مع ارتباطها بالسلطة وما وفرته لها من مصالح وسطوة تاريخية. كما انه من الرومانسية الثورية المفضية للمهالك، تصور ان هنالك امكانية التصدي لها وهزيمتها! وان ما يترتب علي ذلك حالة مستقرة تتيح استبدالها بمنظومة ديمقراطية! وهذا غير ان اقامة نظام ديمقراطي او دولة مدنية لا تسعها مجرد شعارات ثورية او مصطلحات سياسية براقة. ولكن ما تحتاجه هي تهيئة بيئة صالحة لاستنبات نظام ديمقراطي ودولة مدنية، من زيادة رقعة التعليم والوعي وتحسين الظروف الاقتصادية وتحولات اجتماعية وثقافية وحقوقية. اي هي عملية بطبعها بطيئة ومعقدة ومتكاملة تحتاج لتضافر الجهود ومعرفة الامكانيات الحقيقية، وكيفية توظيفها بمثالية لمجابهة تحديات التحول الديمقراطي ومعوقات بناء الدولة المدنية؟! وكل هذا يصعب انجازه في ظروف استقطاب حادة تحكم المشهد وتنذر بالخطر الماحق.
وبكلام آخر، في وضعنا المعقد بخلفيته المعسكرة (منطق القوة/السلاح وليس قوة الحقوق المدنية). تحتاج علاقة القوة المختلة للاعتراف بها، ودفع مستحقات التعايش معها، بالتنازل عن المطالب التعجيزية، لصالح تهيئة بيئة الانتقال المطلوب (تكريس الجهود السياسية والمدنية وخوض الصراع/التدافع السلمي من اجل صناعة مشروع التغيير المنشود). وكمثال للمطالب التعجيزية، المطالبة بمحاكمة حميدتي والبرهان، او الاصرار علي ابعادهم من المشهد! وكأن ذلك ممكن في ظل حقيقة سيطرتهم علي مؤسساتهم السالف ذكرها. بدليل ان مجرد اختلاف الرجلين وتصاعد حدة الاختلاف بينهما، اصبح العالم كله يصلي من اجل ان لا تدخل قوات الدعم السريع والجيش في صراع يحرق الاخضر واليابس.
والحال كذلك، قبول التعاطي مع الواقع كما هو من غير امنيات مضللة، من اكبر علامات النضج المؤهلة لبناء الدولة، وليس مجرد الحماسة العاطفية وتوهم القدرات السوبرية وحسن النوايا المورد للجحيم. والواقع يقول ان حميدتي والبرهان رغم كرهنا لهم والاحتقار الذي يستحقونه. إلا انهم باقون في المشهد لانهم يسيطرون علي قواتهم التي بدورها تسيطر علي البلاد. وعليه، ليس هنالك طريقة غير التعامل معهم، والتغاضي عن فتح مواضيع محاكمتهم او مطالب خروجهم من المشهد، لان ذلك غير واقعي ببساطة لانه غير ممكن. وهذا كلام مؤلم لاسر الشهداء واخوتهم الثوار وحس العدالة المثالي، ولكنه لا يعني بحال من الاحوال بيع دماء الشهداء او التخلي عن القصاص مستقبلا عندما تتاح القدرة علي محاكمتهم ومحاسبتهم. لانه في الاصل ليس هنالك عدالة او محاكمة من دن قدرة علي فرضها، وإلا تصبح المسألة مجرد مزايدات عاطفية وفش غبينة شكلاني! بقدر ما يعني منع زيادة مئات الشهداء ليصبحوا الوف وملايين وبدون معني! وبدل توافر الامني النسبي والدولة الهشة ووجود فرصة لبناء الدولة القادرة علي اجراء المحاكمات وانفاذ الاحكام، سيكون الخيار الشجاع هو الفرار بالنفس والاهل من المعارك العبثية لمكان آمن اذا صدف وتوافر. اي بصراحة سنختبر مآسي الحروب الاهلية المدمرة وما تفرزه من اهوال يستحيل احتمالها. وهذا الحديث ليس للتهويل والتخويف ومصادرة تطلعات الثوار ومطالب الجذريين، بقدر ما يعكس عدم الثقة بل وانعدامها في من يملكون السلاح داخل الدولة ويستطيعون حذفها من الخريطة. وذلك من معرف سابقة بنوعية جرائمهم (دارفور ساحة الاعتصام)، وما اظهروه منذ تصدرهم المشهد السياسي والسلطوي بعد الثورة، من قلة وعي وتجرد من المسؤولية المجتمعية والروح الوطنية.
لكل ذلك يصبح الوقوف مع الاتفاق الاطاري بكل علاته، فرض عين علي كل الثور والجذريين والراغبين في التغيير، تفرضه حساسية وخطورة اللحظة التاريخية. اي ليس بوصفه حل، في ظروف اصبحت ليس فيها حلول وساءت فيها كل الخيارات (بسبب انقلاب البرهان/حميدتي، وهو بالمناسبة عينة لما يمكن ان يقدما عليه مستقبلا، مما يؤكد حالة عدم الثقة والخوف علي البلاد من امثالهما) ولكن بوصفه حماية مؤقتة للبلاد اولا، ومساحة حرية تسمح للعمل السياسي السلمي من اجل التغيير المنشود اذا أُحسن استثمارها. وباب للعودة للعلاقات الدولة الطبيعية، مما يضيق مساحة استغلال عدم شرعية الانقلاب، التي تنفذ منها الاطماع الاقليمية والاستكراد المصري علي وجه الخصوص. وكذلك يخلصنا من حالة الجمود/الفوضي (وفرها انقلاب البرهان/حميديي الفوضوي) والتي يستغلها الانتهازيون/التافهون (قادة تحالف الموز) لتمرير مصالحهم واجندتهم الشخصية. ولو كان ثمنها تجويع الشعب وحرمانه كافة حقوقه وخيانة شعارات الثورة التي اوصلتهم لما هم فيه الآن!! اما الخبر غير السار، فهو ان فشل الاتفاق الاطاري يعني انفتاح مستقبل البلاد ومصير شعبها، علي مجهول كل احتمالاته سيئة. اي الاتفاق الاطاري بمثابة مركب متهالك يمخر في بحر لجي، من غير الركوب فيه والعمل علي اصلاحه ليكون صالح للاستخدام، تتضاءل فرص النجاة. ما اسوأ حظنا.
واخيرا
لكل ذلك قد نختلف مع قوي الحرية والتغيير في تقديراتها السياسية، ولن نكف عن انتقادها بقصد الاصلاح والتطوير في حدود الامكانات المحدودة. والاعتذار لها اذا ما اخطأنا في حقها او ظلمنا قادتها. ولكن يجب الاعتراف انها في الظرف الراهن هي الاقدر علي التصدي للمسؤولية السياسية المعقدة. وتاليا تستحق الدعم من الكل، لمواجهة ليس تعقيدات الاوضاع فقط، ولكن كذلك اعداء الاتفاق، خاصة وهم يجدون الدعم اللوجستي من البرهان! وكل المطلوب من الحرية والتغيير، عدم احتكار المهام والمسؤولية، والارتقاء لمستحقات اللحظة التاريخية. وهو ما يتطلب ابتداع كثير من الوسائل والطرق لاستقطاب اكبر قطاعات لساحة العملية السياسية، واستعدادها لمشاركة الجميع شيل الشيلة الثقيلة.
والاهم كذلك الاستمرار في التواصل مع المكون العسكري (يفضل وجوه جديدة اكثر مقبولية او الاصح اقل مكروهية)، وبناء جسو الثقة معها، من اجل الاتفاق علي استمرار اجراء الحوارات الفعَّالة للوصول لحلول جذرية (لارضاء الجذريين). تتعدي اصلاح المؤسسة العسكرية (كمصطلح مستهلك يثير حفيظة العسكر) لبناء علاقة جديدة، قوامها الاحترام المتبادل، وتبادل الآراء، للوصول لنقطة الاتفاق علي الاختصاصات والالتزام بها، بما يصب في خانة بناء دولة مواطنة تسع الجميع. وعندها فقط سيكتشف العسكر ان تقدير المؤسسة العسكرية ومنتسبيها، يمر قبل كل شئ، عبر مبادرة تبتدرها وتلتزمها المؤسسة العسكرية كعقيدة ملزمة، فحواها تقدير واحترام والدفاع عن حقوق المواطنين التي تحفظها الدولة المدنية. رمضان كريم وكل عام وانتم بخير.
////////////////////////

 

آراء