تصريحات مبارك الفاضل … الحجة ضد ذاتها أو التناقض بحثاً عن الإتساق ! .. بقلم: إبراهيم عثمان

في الحياة عموماً وفي عالم السياسة على وجه الخصوص توجد شخصيات لزجة زئبقية لا تستحي من إنتهازيتها العارية. في أحيان كثيرة تحتاج هذه الشخصيات الزئبقية إلى حجج من نوع خاص ، حجج تصلح للإستعمال لمرة واحدة ولغرض المشاغبة تحت سقف الخصم ومرجعياته ومعاييره وطريقة تفكيره ، حجج للإحراج والمكاواة فحسب . حجج تستعمل وترمى بل وتُسفه وتُمرمط من قبل ترسانة من الحجج المضادة التي يطلقها ذات الشخص . فيهزم تكتيك المكاواة استراتيجية الإفحام ، وتأتي الإستراتيجية على التكتيك . كل ذلك التناقض بحثاً عن الإتساق ، والإتساق المطلوب هنا ليس معنياً بالحجج وتماسكها الداخلي ومنطقيتها وتساوقها معاً لخدمة محاجة مركزية محددة يُراد إقناع الجمهور بها، بل معني به إتساق الحجج مع المصالح الشخصية المتغيرة ، وضبطها على مقاسها ، ومعني به الآخر المستهدف (وهو أيضاً آخر يتم تبديله من فترة لأخرى حسب المصلحة المتغيرة).
هذا الآخر ينبغي أن يكون شيطاناً موصوفاً متسقاً لا شئ فيه يخرج عن صفات وأفعال الشياطين ، ولا مجال أمامه كي يسلم من مأخذ أو يتباهى بمأثرة ، يجب استهدافه من كل المداخل والأبواب ، ولأن إرادة الشيطنة تصطدم بواقع لا يطاوعها وخصم لا يستسلم ولا يسير على صراط الشياطين المستقيم ، فهو يخطئ ويصيب وبعض ما يأخذه عليه منتقدوه يرفع رأسه به وسط الجماهير ، ولذلك لا بد من غارة خاطفة تحرمه من هذا الإمتياز بحجة أو تهمة زئبقية سريعة تحت الخدمة وجاهزة للإنتحار، حجة مغتربة عن ذاتها ومفوضة بديلها ونقيضها عند الطلب، تتدخل لا لتؤسس بل لتشاغب ، يهزأ صاحبها بها وتهزأ به بعد أن تفضح هشاشته التي لا تقل عن هشاشتها التي يتولى هو بنفسه مهمة إثباتها، تموت هي أو يقتلها ويقتل معها مصداقيته المبعثرة بين الحجج المتعاكسة . لا تعاند حين تُستدعٓى ولا تلاوي حين تُصرٓف ، فهي تحت الطلب رحالة كصاحبها . فقد أتت لا لتقنع بل لتبرر ، لا لتتضامن مع حجج سابقة أو لاحقة لتؤسس لبناء منطقي متماسك يخدم مبدأ ويسند فكرة ، بل لتؤدي مهمة محدودة مؤقتة سقفها هو أن تكون الحجة جسراً ومعبراً إلى مصلحة لا تُنال إلا بها ولا تُستدام إلا بالتخلي عنها عندما تحتّم الضرورة .
ولذلك أتت حجة مبارك الفاضل بأن حماس صنيعة إسرائيل لتحرمها من “شرف” المقاومة ، لا يهم مبارك وأمثاله من المطبعين إن كان ذلك يتناقض مع رفضهم لأصل فكرة المقاومة وحكمهم عليها بأنها سُبة وليست شرفاً ، ولا مع هجومهم الكثير على حماس وتحديداً بسبب اختيارها نهج المقاومة ، ولا حتى مع إتهاماتهم الكثيرة لحماس بأنها تبالغ في مقاومتها وتتعدى الحدود إلى الدرجة التي تصل بمقاومتها إلى مرتبة الإرهاب ضد إسرائيل ! لا يهم كل ذلك ، والأهم منه هو أن تُدان حماس من كل ناحية ، فهي المقاومة المغالية إلى درجة الإرهاب ، وهي في ذات الوقت المطبعة الخائنة إلى درجة الصنيعة ! أتت تصريحات مبارك الفاضل المسيئة للفلسطينيين لا تشبه حديث الشخصية السياسية ذات الوزن التي ينبغي أن تزن تصريحاتها بميزان الذهب ، أتت وكأنها ونسة مساطب لشخص غير مسؤول يرمي الكلام على عواهنه ويتهم شعب بكامله بأنه قد باع أراضيه وبأنه شعب (حفّار/ متإمر بطبعه) يكرهنا ولا يستحق تعاطفنا ولا أن نهتم بما تفعله به إسرائيل ، ولذلك علينا أن نطبّع معها ولا نعبأ به ،
ومبارك من قماشة أشخاص يستطيعون التماهي بسهولة مع أي وضع ، ولذلك لا ينفعلون بأصل قضية الإحتلال ولا أفعال الإحتلال ويشطبونها من المعادلة ويحكمون على إسرائيل إيجابياً ، بدونها أو برغمها ، مشطوبة أو مغفورة . لكن لا بأس من أن يستأذنوا إسرائيل في تهمة كاذبة لكنها مفيدة ، وهم الذين ينكرون أو يتجاهلون تهماً مثبتة لإسرائيل : حماس صنيعة إسرائيل !! يا ترى هل هذه بمعايير مبارك سُبة لحماس أم مأثرة وقلادة شرف ؟! هل صنعتها إسرائيل الجيدة -التي يجب أن نطبع معها- لكي تخدم مصالحها وأهدافها من أجل الأمن والإستقرار وتبادل المصالح بين الشعبين الفلسطيني والمحتل ، فتكون حماس أهلاً للإشادة كأول المطبعين منذ ميلادها أو حتى قبله ؟! أم صنعتها إسرائيل السيئة المتآمرة التي لها أساليب في المكر والتآمر تمكنها من صناعة حتى خصومها وتوظيفهم لأذية شعوبهم وأنفسهم وحتى لأذية إسرائيل نفسها ، فتكون إسرائيل عدواً شديد الخطورة يستحق المقاطعة الكاملة لا التطبيع ؟! هذا طبعاً إذا تجاهلنا أن حماس كان لها الدور الأكبر في تحرير غزة بعد أن جعلت وجود إسرائيل هناك قطعة من الجحيم ، وتجاهلنا جيوش شهداء حماس الذين اغتالتهم إسرائيل داخل وخارج فلسطين ، وتجاهلنا شهداء حماس في حروب إسرائيل المتكررة على غزة، وتجاهلنا الأسرى والحصار والتصنيف كمنظمة إرهابية … إلخ ، فكل هذا لن يجدي نفعاً مع من لا مكان للمنطق أو الحقائق لديه .
لعل آخر ما كان يحتاجه مبارك المهدي هو تصريحات جديدة صادمة تزيد في ترسيخ صورته كشخصية زئبقية لا مبدأ لها ولا فكرة ولا مشروع سوى مشروع الطموحات الشخصية ، فقد إمتلأ سجله بالكثير الذي يحتاج للمحو بأعمال معاكسة لا الإضافة ، وغسيل سمعته لا مزيد من تلطيخها . ولعل واحدة من أظهر عيوب الشخصيات الإنتهازية الزئبقية المتلونة ، هو ضعف الحجة وتلونها .وضعف الحساسية تجاه صورة الذات أمام قوة إغراء المصالح ، فالبوصلة هي المصلحة الشخصية ، والحجة عليها أن تكون خادمةً لها على الدوام . يتم استدعاءها بكل عفوية وإرتجالية بلا تنظير كثير يسندها ولا سبكة تلملم أطرافها وتعطيها شخصيتها القوية ليُحاكٓم صاحبها عليها لاحقاً ، فهي باهتة عجولة تتلون وتتبدل في سيولة تامة فقد تحررت من قيود المبدأ . فالمبدأ قيد يلجم الطموحات ويحدها بسقفه .
مبارك يعلم بأن مثل تصريحاته هذه لن تتعارض مع مصلحته الشخصية في ظل محاولات الإنقاذ لإستيعاب أكبر عدد من الشركاء في الحكم وتحمُّل إختلافاتهم وآرائهم الشخصية ، رغم أن العالم يتناقلها تحت عنوان وزير سوداني يصرِّح . ولأنه يعلم أن المناخ العام في المنطقة يجعل مثل تصريحه هذا استثماراً مضموناً ، وهو الخبير بقراءة إتجاه التيار ، ليس تيار الشعوب ، بل الأجهزة المخابراتية والدول ، لا سيما أمريكا وحلفاءها في المنطقة ، فاللحظة لحظة خفوت صوت الشعوب وعلو صوت الأنظمة والحكام بعد إفشال ثورات الربيع العربي ، فالرجل يصرّح للمستقبل ، ويقول لغرف الثورات المضادة ولصانعي صفقة القرن : أنا هنا ، براغماتي حتى النخاع ، بي وبسلوكي السياسي يتم تعريف البراغماتية لدينا في السودان ، إن إحتاج الحاكمون اليوم إلى مواءمات تتخذ طابع الحياد والصمت وتعليق المواقف والأحكام، فأنا ابن صفقة القرن ، جمعني مع دحلانها قصف مصنع الشفاء ، ووثائق الأمن الوقائي التي استولت عليها حماس بعد طرد دحلان تشهد لدحلان ، والرأي العام السوداني يشهد لي . لهذا ولغيره فأنا النسخة السودانية من دحلان ، تجمعنا البراغماتية ويوحد بيننا (الحفر/التآمر ) ، بل أنا أفوقه ، فإن كان قد رضع الحفر من ثدي أمه الفلسطينية ، فأنا قد إكتسبته بجهدي وعرقي وقناعاتي وأنا إبن شعب الطيبة والمسكنة والغشامة .
لن يبالِي مبارك المهدي بردات فعل الفلسطينيين والرأي العام السوداني وتأثيرها على صورته ، فالرياح الآن رياح التطبيع ، وأشرعة سفينة مبارك لا بد أن تنال نصيبها منها ، ولم ولن يبالي بحقيقة أن مصنع الشفاء كأحد المشروعات الإستثمارية الناجحة لا زال يقف شاهداً محرجاً على إستثمار صغير مارسه وزير الإستثمار ذات يوم ، ولكن السؤال المهم هو : ما الذي فعله مبارك الفاضل عندما أصبح مساعداً للرئيس ليتأكد إن كانت إتهاماته الخاصة بمواقع أخرى كان قد رشحها للقصف صحيحةً أم خاطئة ؟ صحيحةٌ قام بما يمليه عليه ضميره فأزال من هذه المواقع ما أخذه عليها فأستحق الإفتخار أم خاطئةٌ فوجب الإعتذار ، أم لم يهتم بالأمر أصلاً ، فقد نال المراد ونسي الوسائل التي جرّبها في طريقه إليه ؟! والمؤكد أنها الأخيرة ، وأن تصريحاته الملغومة لن تكون الأخيرة . فطموحات الرجل كبيرة والطريق إليها يحتاج إلى مواقف وزاد حجاجي كثير من نفس النوع .

salaby2013@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً