تعليق على مقال الدكتور عبد الله علي إبراهيم الذي بعنوان: منظمة الدعوة الاسلامية … ولماذا كُنّا دولة مقرها أصلا (2) .. بقلم: بروفسير عبدالله حسن زروق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثانية

تناول المعلّق في الحلقة الأولي بعض المحاور المذكورة في مقدّمتها وسيواصل بعضاً من المحاور في هذه الحلقة وننصح القارئ الكريم بالرجوع لأوّل الحلقة الأولي لقراءة المحاور وقد كرهنا إعادتها خوف الإطالة.

العلمانية
نشأت العلمانية في دول تدين بالمسيحية، وبها مواطنون يهود ومسلمين وغيرهم. وتدعي العلمانية أنها تجعل الدولة محايدة، وغير متحيزة لدين – أي الدولة لا دين لها في رأي كثير من المسيحيين، وهذا يناسب المسيحية فهي دين يهتم فقط بعلاقة الفرد بربه، وتترك شأن الحكم بيد الحاكم قيصر (ما لله لله وما لقيصر لقيصر). هذا الرأي وهذه القسمة غير مجمع عليها بين المسيحيين. من ناحية أخرى فإنها لا تصلح لدول أغلبية المواطنين فيها يدينون بدين الاسلام، الذي يوجب على أتباعه اتّباع توجيهات وأوامر معينة في الحياة العامة، وهم يريدون بذلك طاعة أوامره وتوجيهاته ومن هذه التوجيهات أوامر مثلاً في البيوع والتجارة، وفي العقوبات، وفي العلاقات الأسرية والحكم والعلاقات الدولية. وهذه التوجيهات كثيراً ما تخالف القوانين الوضعية. فليس من العدل أن يقال لهم لا تطيعوا ما يأمركم به دينكم، وهم يرغبون في طاعته.
من ناحية أخرى فنظام الحكم في الغرب يواجه مشكلات وتناقضات داخلية، ولم تعد أوروبا صادقة في تنفيذ النظام العلماني، فقد صارت تهتم أكثر بالمحافظة على ثقافتها، فمنعت بعض دولها لبس الحجاب بدعوى أنه رمز سياسي ديني. هذا المنع أحرج مفكراً علمانياً مشهوراً وهو برهان غليون فاقترح أن يلبس المسلمون مصحف صغير في سلسلة في رقابهم، شبيها بما يلبسه المسيحيون، إذ أنهم يلبسون سلسلا ً به الكتاب القدس في رقابهم. بالرغم من أنه قد يشكر برهان غليون على تعاطفه مع المسلمين لكن الحجاب ليس اختراعا واختياراً كرمز، بل إنه لبس يأمر الإسلام المسلمين بلبسه، وكونه صار رمزا ً، عند البعض، فإن ذلك حدث بالعرض (contingent). منع الحجاب في بعض الدول الأوربية، في الحقيقة دافعه، المحافظة على مظهر ثقافي. فقد قالت إحدى المعلمات الأوروبيات عندما سألها مقدم برنامج تلفزيوني: لماذا تمنعون الحجاب؟ وما هي المشكلة في لبس مثل هذا النوع من اللبس؟ فقالت: المشكلة هي أن البنات غير المسلمات، قد يقلّدن البنات المسلمات. إذن المنع لأنه يخالف الثقافة والتقاليد الأوربية.
ومن الأسباب التي ذكرها سياسي أوروبي لمنع تركيا من الانضمام للكتلة الأوربية هي أن أروبا مسيحية. من ناحية أخرى، فإن أوروبا تطبق على المسلمين قوانين لا تناسبهم ولا تناسب القوانين التي فرضها عليهم دينهم، وهم معرضون أكثر من غيرهم للتجسس عليهم. والشركات الخاصة في بعض الدول الأوروبية تميز بينهم وبين غيرهم في التوظيف وهلم جرا. ولكن هناك من المنصفين الأوروبيين من يدافعون عن حقوق المسلمين بقوة. هناك رئيس دولة أوروبية حذر المعارضين للحجاب أنه إذا استمرت هذه المعارضة فقد يضطر أن يفرض الحجاب على كل نساء بلاده. تجدر الإشارة إلى أن هناك صراعا في أمريكا بين غير المؤمنين بالعلمانية من المسيحيين والمؤمنين بالعلمانية. ومن مظاهر هذا الصراع أن بعض المسيحيين في ولاية من الولايات المتحدة طالبوا بتدريس نظرية الخلق (نظرية الانفجار العظيم ونظرية المُصمّم العظيم)، بدلاً من نظرية التطور. فلجأت الولاية لرأي المواطنين، فأقر المواطنون تدريس النظريتين معا. قال بشوب كانتربري في حديث له في السودان: إن القول بأن المسيحية ليس فيها سياسة قول غير صحيح!
يحاول المفكرون والفلاسفة أن يجدوا صيغة جديدة غير العلمانية ترضي كل مكونات المجتمع ومن هؤلاء الفلاسفة جون راولز في كتابه الليبرالية السياسية، لكنه لم ينجح في إقناع الجماعة العلمية.
يمكن مناقشة المفهوم الغربي للديمقراطية بصيغها المختلفة: المشاركة، النخبة ..إلخ وأيضاً مفهوم المواطنة وحلول (كيمليكا) للمسألة الإثنية وغيرها عند النظر في مسألة الحكم حاليا في السودان. لكن المُعلق سيوجه اهتمامه لما يعتبره المشكلة الكبرى في السودان وهي مشكلة عوائق الديمقراطية عند نقاشه مشكلة الحكم حالياً في السودان.
1- دكتور عبد الله ومشكلة الحكم في مجتمع متعدد الثقافات.
كتب دكتور عبد الله مقاله هذا قبل انفصال الجنوب، وحوى مقاله هذا مقولات إيجابية ومتوازنة، حول مشكلة تعدد الثقافات حيث قال: المطلوب من الجماعة الإسلامية أن يوازنوا بين مهمتهم كرجال دولة مسؤولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات ومهمتهم كدعاة يدعون لدعوة مخصوصة. وأُورد هنا قولاً لجون قرنق قال فيه: إن العروبة والإسلام هي بعض فعاليات السودان وليست الوحيدة. ما قاله قرنق يعالج مباشرة مشكلة التعدد ولكن قوله لا يكفي دون تفصيل. ويعيب المعلق على مقولته أنه وصف الفعالية المسلمة بأنها بعض أو جزء من فعاليات السودان وهذا يتضمن التقليل من حجمها. وهذا يقودنا عند التفصيل في محاولة الحل لتحديد الفعاليات والجماعات المختلفة وتحديد أوزانها وتحديد الاختلافات الثقافية بينها وأوزانها، خاصة بعد انفصال الجنوب.
من ناحية أخرى فإن معالجة دكتور عبد الله جعلت الحل في يد الجماعة العربية الإسلامية، وهو في رأي المعلق عيبها الأساس، بجانب إقحامه مفهوم الدعاة والرعاة الذي تسبب في غموض معالجته.
يمكن أن تكون المعالجة واضحة لو قلنا:
إن أي صاحب دعوة له قيم يود تحقيقها. وهذه القيم تنقسم إلى نوعين:
– قيم اعتقادية: له دين أو عقيدة يعتبرها ذات قيمة عالية.
– قيم سلوكية: تُعتبر أفعالاً ذات طبيعة معينة لها قيمة كبيرة بمعني أنّه لا يجوز للحاكم أن يفرض دينا أو معتقدا معينا ولكن يجوز له أن يفرض سلوكا معينا عن طريق تشريع وقانون إذا كان يمتلك الشرعية (شرعية برلمانية أو شعبية – مثلاً في الحالة الإسلامية فالأمة المسلمة تفوّضه لذلك – أو غيره).
إذا قبلنا الإطار التفسيري هذا، فإن أي حاكم حسب لغة دكتور عبد الله يمكن أن نعتبره داعية لأن حكمه مهما كان ينبغي أن يرتكز على قيم ومن ثم يخضع للمعيارين أعلاه. ولأن الشرعية البرلمانية أو الشعبية عادة لا تخول الحاكم بإجماع تبقى مسألة الأقليات تحتاج لمعالجة إضافية وسنحاول إكمال المعالجة في الأجزاء القادمة إن شاء الله.

2- مشكلة الحكم في السودان: بلد متعدد الثقافات
دعنا نبدأ محاولة الحل بأن نفترض أن في السودان فعاليات واتجاهات ثقافية متعددة.
هذا يقتضي تحديد هذه الفعاليات وأوزانها، والاختلافات الثقافية بينها وأوزانها. هذا التحديد مهم لاعتبار مصالح كل الجماعات، ولتقسيم المنافع والمضار بالعدل بحيث يُعطى كل ذو حق حقه حسب القدرة والإمكان. وفي ما يلي محاولة من المُعلق قابلة للتصحيح والتهذيب والتشذيب، وذلك بغرض تحديد تلك الفعاليات والثقافات وأوزانها وهي: جماعة مسيحية في جبال النوبة ووثنيين ومسيحيين في النيل الأزرق منطقة جبال الأنقسنا وأعلى التقديرات أنهم يمثلون%2 من سكان السودان وهناك تقديرات أقل بكثير. وجماعات عرقية: عرب وغير عرب واختلافات ثقافية بين هذه الجماعات، واختلافات في ما بين كل منها وهي: لغوية، وفي الأعراف والتقاليد والعادات، وفي الفنون والآداب، وفي أساليب الحياة عموما من أكل وشرب ولبس وغيرها ولذلك فإنه في اعتقاد المعلق ليس ثمة إشكال حقيقي حول التوافق بين هذه المجموعات بعد انفصال الجنوب. ولكن الإشكال هو بين المكونات الحديثة: من يساريين وماركسيين وليبراليين وعلمانيين وبعثيين وناصريين وإسلاميين.
المسيحيين كأقلية يمكن منحهم حقوقهم بطريقة مُرضية. ومثل هذه الأقليات ذات الأعداد القليلة تعطى حق الاعتقاد، وحق المواطنة وتُعطى الحرية في تنمية ثقافتها. أما الاختلافات العرقية بين العرب وغير العرب لا ينبغي أن تكون سبباً لتمييز عرق على عرق، لذلك يجب إزالة كل أشكال التمييز التي يسببها هذا النوع من الاختلاف. من ناحية أخرى يرى المعلق أن الاختلافات الثقافية بين المسلمين مقدور عليها. فمن المعلوم أن الإسلام يسمح بالتنوع ما لم يعارض حُكما في الدين. فلا إشكال في التنوع بين المسلمين في مجال العادات والتقاليد والأعراف والآداب والفنون وأساليب الحياة، ما داموا مسلمين ملتزمين بدينهم. ومن المعلوم أن العرف يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة ما لم يعارض حكما من أحكام الدين. أما مسالة اللغة فإن هناك اعتبارات عملية خاصة بها إذا أُريد استخدامها كلغة رسمية أو لغة تعليم. لكن اللغة العربية لها وضع خاص عند المسلمين لأنها لغة القران. والجدير بالذكر أن هناك مسلمين في كثير من بلدان المسلمين حسن إسلامهم لا يتحدثون العربية.
المشكل في السودان في رأي المُعلق كما تقدم، وجود مكون الجماعات الأيدولوجية. وهي أكبر سبب لمشكلة الحكم في السودان. ومن المثير للعجب أن كل الجماعات تنادي بالحل الديمقراطي بالرغم من ذلك الكل يود أن يقصي الآخر، أو يتحالف معه إذا اقتضت الضرورة، فإذا زالت الضرورة مارس الإقصاء.
النظام الديمقراطي عموما نظاماً إجرائياً، يفترض نتائج مرضية، هي أفضل من نتائج أي نظام منافس، ولكنه لا يضمنها. وكثير من الفاعلين لا تهمهم الديمقراطية نفسها بقدر ما يهمهم تحقيق نتائج بعينها. فالنظام الذي لا يحقق تلك النتائج لا قيمة له عندهم. ومعظم الكيانات الفاعلة تقدم المصلحة الخاصة ومصلحة الحزب على المصلحة العامة. وكثير منهم ينادي بالحرية وحكم القانون وتداول السلطة، وهم في المعارضة، ولكنهم يتنكرون ويتحايلون على هذه المبادئ وهم في السلطة. ومن ناحية أخرى ليس هناك اتفاق بين الفاعلين، حول كيفية التنافس، وليس هناك اتفاق حول ما لا يجوز الخلاف حوله، ولو وجد اتفاق تعذر الالتزام به. من ناحية أخرى فإن أفراد المجتمع لا يمارسون الشورى أو الديمقراطية في حياتهم ومؤسساتهم بما في ذلك مؤسساتهم السياسية، القرآن الكريم يقول: “وأمرهم شورى بينهم” وهو دلالة على كل شأن من شؤون الحياة ينبغي أن يتشاوروا فيه. وهذا يعزز الالتزام بالشورى في السياسة. والانتماء لجماعة أو حزب يتسم بالعصبية، وعدم قبول النقد، وعدم ممارسة نقد ذاتي حقيقي. وما زالت الجهوية والأيدولوجية الضيقة هي سيدة الموقف.
لم تعد هناك مرجعية قادرة تكون بمثابة الحكم الذي تتحاكم الآراء إليه، ولا توجد قيادات فكرية ورموز علمية وجماعة علمية على مستوى علمي رفيع يمكن أن يرجع إليها، وإن وجد شيئاً منها للأسف لا أحد يلجأ إليها. لا يعنى هذا أن الحجة حكر لكهنة وزمرة من المتنفذين، أن بابها مفتوح لمن يملك المؤهلات . ويجوز لكل أحد أن يتكلم في أمر إذا ملك العلم المطلوب فيه ( ولا تَقفُ ما ليس لك به علم ). ومما ساعد على وجود الحالة المضطربة، أن الماركسية حدثت فيها اختلافات وتعديلات جذرية، والمرجعية الإسلامية كثرت فيها التأويلات، والليبرالية أصابها التشتت. والجدير بالذكر، وللأسف الشديد أن الشهادات والدرجات العلمية الجامعية وما فوق الجامعية صارت لا تؤهل صاحبها التأهيل المطلوب. وهذا من أسباب التشظي بين الجماعات والأحزاب الذي أشرنا إليه، بجانب آفة المصالح الضيقة. وصار عامة الناس والشباب للأسف يُساقون بالشعارات (العدالة والحرية) التي تحتاج الى تكثيف معناها الرقيق حتى لا يتلاعب بها المتلاعبون.
ومن عوائق الإصلاح، أن الذين يتسمون بالنزاهة والمعرفة والحكمة والكفاءة ، صاروا لا يرغبون في ولوج مستنقع السياسة، لو سُمح لي بهذا بالتعبير، و لو رغبوا في ولوجه فإنهم غير مرحب بهم فيه. فقد صار أغلب السياسيون لا يتورعون عن الكذب والغش وتلفيق الأكاذيب حول المعارضين الشرفاء، وإشانة سمعتهم ومحاربتهم ومحاربة أسرهم. إن الذي يود حماية نفسه بأن لا يتعرض لهذا الأذى سيبتعد عن هذه الساحة التي صار البعض يصفها بالقذرة ويصف أهلها بالأوغاد (إلا من رحم ربي من السياسيين الذين قرروا أن يتحملوا الابتلاء في صبر عظيم).
ومن عوائق الإصلاح والعمل السياسي أن نجاح العمل السياسي يعتمد على المال، وتحكّم أهله فيه بجانب ظاهرة آفة التضليل الإعلامي. وينبغي الإشارة إلى ظاهرة تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة واستيلائها على السلطة. وللأسف فإن الحالة السياسية المتردية تعطي مبرراً ما لتدخلها وقد تجد تأييداً شعبياً. فمثلاً عندما قامت ثورة أكتوبر وأزاحت حكم عبود العسكري، يقال ذهب عبود للسوق لشراء بعض ما يحتاجه، فرحب به البائعون ولم يأخذوا منه أثمان السلع التي اشتراها. وقيل إن البعض هتف: ضيعناك يا عبود وضعنا معاك. وأيد السيدان انقلاب نميري ولهما أكبر عدد من الأتباع في ذلك الوقت في السودان.
يرى البعض أنه مهما ساءت الأحوال في الحكم الديمقراطي لا يجب أن يكون هذا مبرراً للمؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة لأنه مهما كان الوضع في الحكم الديمقراطي فإنه لا يعطي مبرراً للمؤسسة العسكرية أن تستولى على الحكم لأن النظام الديمقراطي يصحح نفسه، فلا ينبغي أن تتدخل تحت أي ظرف من الظروف. قد تكون هناك حالة استثنائية وهى خطر وصول البلد لحرب أهلية وفوضى مع عدم قدرة السياسيين على احتواء الموقف. من ناحية أخري التجربة تحدثنا أن عامة الشعب يهتم بنتائج الحكم ولا يهتم كثيراً بالمشاركة السياسية. لذا إذا ساءت ممارسة الحكم الديمقراطي فالاحتمال كبير أن يحدث انقلاب ويجد سنداً شعبياً رغم ثورة الشعب على الحكومات العسكرية والتضحية في سبيل ذلك. ومنع حدوث هذا يكون باتخاذ المصلحين الحل بعيد المدى بتثقيف المواطن لكي يكون دائما سنداً للحكم الرشيد.
إذا صح وصف الحالة السودانية بهذه الطريقة فهل من مخرج وحل وإمكانية إصلاح؟ الحل في اعتقاد المعلق صعب، لأنه يعتمد على استجابة المستهدفين. ولقد سبق ذكر موانع كثيرة، تجعل الاستجابة صعبة. ولكن مهما كانت الصعوبة، فواجبنا الاجتهاد والتفكير والسعي في أن نجد حلاً.
في ما يلي محاولة لوضع مخطط للحل قابل للتعديل:
1- تحديد أسباب المشكلة، وقد سبق الحديث فيها.
2- تحديد مهمة الإصلاح.
3- من يقوم بالمهمة؟
4- تقديم موجهات قد تساعد في الحل.
أسباب المشكلة كما سبق باختصار: أخلاقية سلوكية وفكرية علمية. تتمثل في اتصاف معظم الفاعلين بكونهم يهتمون فقط بمصالحهم الضيقة ولا يهتمون بمصالح الآخرين. والفكرية تتمثل في عدم إعمال الفكر والعلم في مواجهة قضايا ومشكلات الحياة والتمسك والتعصب بأفكار خاطئة واعتبارها الصحيحة ولا صحيح غيرها. ومهمة الإصلاح هي إصلاح هذين الجانبين.
هذه المهمة تقوم بها فئة مؤمنة بالإصلاح ذات كفاءة علمية وأخلاقية، مخلصة ونزيهة وصابرة. تتشاور فيما بينها في كيف يمكن تحقيق الإصلاح. ومن الموجهات التي قد تفيدها: تقسيم العمل إلى نوعين: عمل ترجى نتائجه في المدى البعيد، وعمل ترجى نتائجه في المدى القريب. العمل في المدى البعيد يتمثل في إصلاح فكري تثقيفي وإصلاح تربوي، أي اصلاح الفكر والنفس بأن يتحلى المواطن بالأمانة والنزاهة والعفة والشجاعة والعدالة والانصاف، والوفاء بالعهد، والإخاء والمحبة، والتعاون والتسامح، وأن يهتم بالشأن العام، ويشارك في بناء وطن قوي عسكريا واقتصاديا وإعلاميا واجتماعيا وعلميا. وخلق مؤسسات ونظم فاعلة تحقق هذه المقاصد لخلق مواطن يشعر بالعزة لانتمائه لوطنه، وأن الوطن له وهو للوطن. مواطن منفتح على الآخرين، يصبو أن تكون علاقات وطنه بالدول الأخرى علاقات احترام وتبادل للمنافع، خالية من التبعية والارتزاق. ويختار ويراقب قادة صالحين. وطن مكونه مواطن صالح وحاكم صالح ومؤسسات صالحة.
إذا لم تكن الجماعة المنوط بها مهمة الإصلاح ذات كفاءة للقيام به، حسب سنن الكون الربانية سيستبدلهم الله ويأتي بقوم آخرين لا يكونوا مثلهم ويجعل الإصلاح على أيديهم.
قد تكون هناك جماعة تمتثل لأوامر الدين في مجتمع بعيد عن الامتثال بها، وهؤلاء قد يكونوا الذين أشار اليهم حديث الغرباء، وقد يكونوا الذين أشار إليهم حديث الاخوان. قال صلى الله عليه وسلم “ودِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا قَالُوا: أَولَسْنَا إِخْوانَكَ يَا رسُول اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابي، وَإخْوَانُنَا الّذينَ لَم يَأْتُوا بعد”. وقد تكون هذه الجماعة شبيهة بأصحاب الاخدود. على أية حال فواجب هذه الجماعة الاجتهاد في الاصلاح. لكن ليس هناك ضمان أن يؤثر شخص في سلوك شخص آخر سلبا أو ايجابا، بالرغم من إمكانية ذلك. فليس هناك حجة مهما بلغت قوة إقناعها وليس هناك عقابا مهما بلغت شدته، وليس هناك وعظا مهما بلغت قوة تأثيره، يضمن التأثير على سلوك الآخر. فما على الداعية إلا أن يجتهد ويتحلى بالحكمة ويكون قدوة صالحة فليس هناك ما هو أكثر فعالية لاستجابة الآخرين للدعوة أفضل من القدوة الصالحة، الفاعلة للخير.
لقد سبق أن ذكر المُعلق، أن الحل نوعان: حل في المدى البعيد، وحل في المدى القريب.
أما الحل في المدى القريب فنقترح إقناع الفاعلين بالمشاركة في بناء نظام ديمقراطي، قد يحوي سلبيات ثم العمل لكي يكون أكثر كمالاً. اخترنا أن تكون البداية بإقناع الفعاليات بالقبول الفعلي لبناء نظام ديمقراطي لأن كل الفعاليات تصرح بأنها تقبل بنظام ديمقراطي، فيكون هدف الإقناع الإقرار والالتزام الفعلي بالديمقراطية.

وسنواصل إن شاء الله

musaabh@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً