1-
يصور القرآن الكريم شخصية سيدنا موسي تصويرا شديد الدقة حتي ليكاد يكون تتشريحا سايكلوجيا له . تصوره الآيات في انسانيته و ضعفه البشري , كشخص سريع الغضب و قلق (قتله للمصري, رميه للألواح , أخذه بلحية أخيه هارون , عدم صبره مع الخضر) .
ثم تصوره آيات القرآن كانسان ذكي و مرتب التفكير , فحال تكليفه بمهمة الذهاب لفرعون عرف ماسيحتاجه لاداء المهمة الربانية وقدم طلباته :أشرح لي صدري , يسر لي أمري و أحلل عقدة من لساني و أجعل لي وزيرا من أهلي . لو لاحظنا فكل طلبات موسي لربه تختص بكيفية أداءه لمهمته مع فرعون علي الوجه ألاكمل .
عرف موسي نقطة ضعفه الرئيسية التي ستعيق أداء مهمته , وحدد كيفية حلها : (…. وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا , فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي اني أخاف أن يكذبون)
رغم غضبه الحاد عندما وجد قومه يعبدون العجل فهو عندما يخاطب المجرم الذي أضل بني أسرائيل في غيابه , يخاطبه بهدوء و يوجه له سؤالا محايدا و ذكي – ليس فيه أي اتهام , “ماخطبك ياسامري نوع هذا السؤال يسمي ( سؤال مفتوح علي كل الاحتمالات open- ended question ) , الغرض منه اعطاء الفرصة لمن يوجه له ليقول كل مايود قوله دون حصره في زاوية معينة. و غالبا ماينتج عن السؤال المفتوح الحصول علي معلومات كثيرة عن الموضوع المراد معرفته. وهذا بالضبط ماتحصل عليه نبي الله موسي من السامرئ :
عند مخاطبته للسامري لم ينعته موسي باي وصف قبيح (لم يقل له ياكافر , يافاسق ..الخ) بل خاطبه بإسمه “ياسامري” . المخاطبة بالاسم و توجيه سؤال مفتوح بدلا من إلاتهام أتت أكلها فقد أوضح السامري بالتفصيل لماذا صنع العجل(“بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ)” كيف صنع العجل ؟(“فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا”)ماهي المادة التي إستخدمها لصناعة العجل ؟ ( قبضة من أثر الرسول ) ولماذا فعل ذلك ؟ (وكذلك سولت لي نفسي)
(قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
-2-
(وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ )
(فَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)
رغم أنه هو الرسول الوحيد الذي كلمه الله سبحانه وتعالي مباشرة, إلا أن سيدنا موسي عليه السلام خاف و جري من عصاه عندما اهتزت كأنها ثعبان رغم أنه في تلك اللحظة كان يكلمه الله . كان موسي خائفا من بطش فرعون , وخائفا من أن يغلبه السحرة وفي كل مرة كان يحصل علي تطمينات من رب العزة .
هذا الخوف من العصا عندما اهتزت أنها ثعبان , ومن بطش فرعون والخوف من أن يغلبه السحرة ربما حصل لأن سيدنا موسي كان آنذاك في بداية نبوته ولم تتغلغل المعية الآلهية في كل فؤاده بعد , هذه المعية ألآلهية التي لو دخلت قلوبنا لما خفنا من أي شيئ في هذه الفانية (وهو معكم أينما كنتم).
فيما بعد , وفي واحدة من أصعب لحظات حياته وهو محاصر بين البحر و بين فرعون و جنده, , أستوعب سيدنا موسي المعية الآلهية تماما , (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إن معي ربي سيهدين) .
وهذا يذكرني بموقف المصطفي عليه أفضل والسلام المصطحب للمعية الإلهية وهو يواجه خطر الاغتيال من كفار مكة . عندما كان الرسول و صاحبه في غار ثور , أسفل جبل ثور وكان كفار قريش في أعلي الجبل المشرف علي الغار يبحثون عنه , حينها وقال ابوبكر للمصطفي – حسب منطق الاشياء , كما يراها الصديق رضي الله عنه : (يارسول الله لو أبصر أحدهم تحت قدميه لابصرنا) فسجل القرآن رد الرسول المتستصحب للمعية الآلهية , في كل سكناته ” اذ يقول لصاحبه لاتحزن ان الله معنا “
3-
القرآن الكريم أعطانا ومضة صغيرة حول شخصية صهر سيدنا موسي (والذي اختلف المفسرون في شحصيته , بعضهم قال بأنه هو نبي الله شعيب و بعضهم قال غير ذلك ) . نعرف عنه – قول احدي بناته ( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) هذا يدل علي أمانة ذلك الرجل الصالح وحرصه علي دفع مقابل لكل خدمة يتلقاها حتي لو لم يطلب صاحب الخدمة أجرا (زول حقاني كما نقول بلهجتنا السودانية) فموسي عليه السلام لم يكن يتوقع أجرا .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم