بحصافة
أولت الصّحافة السودانية اهتماماً متزايداً خلال الفترة الأخيرة لقضايا الفساد والمفسدين، مستغلةً في ذلك أجواء الحريات التي انداحت في كثيرٍ من الأُطر والأجهزة والمنتديات، لا سيما حرية التعبير وحرية الصّحافة. ويُحمد لها هذا التوجه في كشف غياهب الفساد، وسبر غور المفسدين بالمستندات والوثائق، بعيداً عن تصفية الحسابات الشخصية، أو السعي إلى تجريم الأبرياء دون حقٍ أو سندٍ. إذ أنّ ما تتناوله بعضُ الوسائط الصّحافية، في إطار انفراجات مساحات الحُرية الصحافية، أثار اهتمام القُراء، وانداحت أخبار قضايا الفساد في مجالس المؤانسة المنتشرة في العاصمة المثلثة بولاية الخرطوم، ومدن الولايات الأخرى، بل أنّ مبيعات بعض الصّحف ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً، رغم الكساد الاقتصادي والرّهق المالي، الذي يعاني منه المواطن، وتشتكي منه الصحف إلى درجة البحث عن أساليب استغاثة عبر التطرق إلى مشكلات اقتصاديات الصحافة، ومعضلات مدخلاتها الطباعية والتوزيعية، ناهيك عن جوانب الرّهق المالي في ما يتعلق بالشأن التحريري والإداري لهذه الصحف. لا ينكر أحدٌ الدور المتعاظم للوسائط الصحافية في كشفها للفساد والمفسدين، ما أن أُتيح لها قدرٌ من الحرية، وتُرك لها تقديرُ المسؤولية المجتمعية.
وفي رأيي الخاص، أنّ ظاهرة تناول الوسائط الصّحافية لقضايا الفساد والمفسدين، إلى جانب آثاره الموجبة في محاربة الفساد، وملاحقة المفسدين قضائياً وسياسياً واجتماعياً، هناك الآثار السالبة لقضايا الفساد، ومن بينها تعطيل دولاب عمل الدولة. ومن الآثار السالبة – أيضاً لقضايا الفساد في ما يتعلق بما ينشر هذه الأيام عن قضية فساد مكتب والي ولاية الخرطوم- أن دولاب عمل ولاية الخرطوم كاد أن يتعطل جراء هذه القضية، وهو ما بدأ يظهر للعيان. ومن حق المعارضة والمعارضين أن يستغلوا مثل هذه الكوارث الأخلاقية؛ لهزّ ثقة المواطن وزعزعتها في النّظام السياسي وعمل الولاية، ولكن من واجب الوُلاة والوزراء على المواطن، أن يستمروا في تقديم خدماتهم له، رغم الأعاصير والزلازل والكوارث التي أحدثها نشر أخبار قضايا الفساد. إذ أنّ معظم المواطنين، يهمهم استمرار حياتهم المعيشية، ذلك لا يعني بالضرورة أنّهم يتغافلون عن متابعة هذه القضايا. وفي ما يتعلق بأمر قضية فساد مكتب والي ولاية الخرطوم، فإنه بالضرورة أن ينشغل الأخ الدكتور عبد الرحمن أحمد الخضر والي ولاية الخرطوم، بما جرى ويجري حول هذه القضية، التي أرهقته رهقاً كبيراً، وعنتاً عظيماً جرائها، بل شغلته عن التّركيز في أداء مهامه الولائية والقيام بواجباته تجاه مواطن الولاية، تفكيراً وتدبراً ومراجعةً. وأحسبُ أنّ الرجلَ معروفٌ باحترامه لما يُعكس من أدائه في الوسائط الصّحافية والإعلامية التقليدية، حتى الوسائط الإعلامية الإلكترونية الحديثة. ولو أمعنا النّظر في ما يجري حول الوالي هذه الأيام، وحسبنا عدد الساعات فقط التي قضاها الوالي في جلسات استماع أو إسماعٍ ونقاشٍ أو ترتيبات لما حدث، فنجد أن معظم وقته ضاع حرفياً في معالجة هذه الأزمة. وحجاجي في ذلك، أنّ ما جاء في اللقاء التّنويري الذي نظمته إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني يوم الأربعاء الماضي في النادي الوطني بالخرطوم، حرص الأخ الدكتور عبد الرحمن أحمد الخضر والي ولاية الخرطوم، على كشف المزيد من تطورات قضية مكتبه، وذهب يسرد تفاصيلَ التّفاصيلِ عن الواقعة – والشيطان في التّفاصيل – وكذلك ما أُثير حول هذه القضية في الوسائط الإعلامية والصّحافية التقليدية والإلكترونية، بشيءٍ فيه كثيرُ إسهاب، مما يعني أنّه أمضى وقتاً طويلاً في متابعة هذه الوسائط التي شغلته أيّما انشغال، واضطرته هذه المتابعة اللصيقة لما يُنشر في الوسائط الصحافية التقليدية والإلكترونية، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتوتير والواتساب)، التي ينتفي في ما تنشر أبسط معايير المهنية والصدقية والمسؤولية، إلى نفي كثير ممّا أوردته، ولم يستطع كظم غيظه، بل انتقدها انتقاداً لاذعاً، واتهم الصحف المحلية بنشر الكثير من الشّائعات حول القضية دون تحرٍّ وموضوعيّةٍ. وبلا أدنى ريب، أن ظلالاً كثيفةً ألقتها هذه القضية على نظام الولايةِ سلباً. على الرغم من أن أحداث مهمة قد مرت بالولاية، ولكن لم تجد كثيرَ اهتمامٍ، مثل نتائج شهادة مدارس الأساس التي لم تجد نقاشاً مستفيضاً، خاصةً إعلان ارتفاع نسبة نجاح المدارس الخاصة على حساب المدارس الحكومية، إضافةً إلى توقف بعض افتتاحات المُنشآت والمراكز الصّحية التابعة لوزارة الصّحة بولاية الخرطوم، والتي لم تقف على مدار العام الماضي. وقُلْ الكلام نفسه، عن المواصلات والقطارات، وإهمال مشكلات المياه التي تزداد فترة الصيف في بعض مناطق الولاية، وإهمال قضية النفايات، ولم نسمع شيئاً عن النفايات الطّبية والتي كانت مسار نقاش قبل هذه القضية، والتّغافل عن شراكات الولاية مع بعض الأحياء التي وجدت صدىً طيباً من مواطنيها.
أخلصُ إلى أنّ المعارضة استفادت من قضايا الفساد أيّما فائدة، واستغلتها استغلالاً بارعاً، في هزِّ الثقة في الحكومة ورُموزها. وأحسبُ أن دُعاة تفكيك النظام، وجدوا ضالتهم بغير كثيرِ عناءٍ في تحقيق مآربهم، من خلال ملفات الفساد المُثارة في الوسائط الصّحافية حالياً. وفي المقابل انصرف النظر عن القصور الملازم للأداء، وحتى الحِراك الذي أحدثته دعوة الأخ الرئيس عمر البشير لكافة الأحزاب والقوى السياسية إلى الحوار الوطني، خفت صوتها، وخفّ ضجيجها، بسبب انشغال الجميع بقضايا الفساد. ويعتقد بعض خبثاء المدينة أن ما أُثير من خلاف بين وزير الصّحة الولائي ورئيس المجلس التّشريعي بالخرطوم حول التبغ، قُصد به صرف النّظر عن قضية مكتب الوالي، وقضايا الفساد الأخرى. عليه المأمول أن تعود الولاية إلى ممارسة واجباتها الطبيعية، خاصة وأنّنا مقبلون على فصل الخريف، والعام الدّراسي الجديد، وشهر رمضان المعظم، ومتطلباتهم المختلفة. أودُّ أن أؤكد أنني لستُ من دُعاة صرف الوسائط الصّحافية عن أداء مهامها المهنية في الكشف عن الفساد والمفسدين، ولكن أردتُ أن أشير إلى أن الدولة يجب أن تعي أن مثل هذه القضايا دون حسمها في إطار العدل المنشود، ستؤدي إلى زعزعة ثقة المواطنين فيها، وستُشكل سبيلاً ممهداً لتفكيك النّظام، دون جُهدٍ مبذولٍ من قبل المطالبين بتفكيكه.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”.
وقول الشاعر العربي طرفة بن العبد في معلقته الشهيرة:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ
فَذَرْنِي وخُلْقِي إِنَّنِي لَكَ شَاكِـرٌ وَلَـوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَـدِ
وقوله أيضاً في المعلقة نفسها:
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِـلاً ويَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَـارِ مَنْ لَمْ تُـزَوِّدِ
وَيَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَـهُ بَتَـاتاً وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِـدِ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم