تقديم (الطيب صالح) لرسائل وأوراق (جمال محمد أحمد): بين جمال محمد أحمد(1915-1986) والطيب صالح ( 1929-2009) .. بقلم: عبد الله الشقليني
هو لقاء النجوم، بين عملاقيّن مفكريّن وأديبيّن سودانييّن، قد حلقا في سمائنا. التقيا في الخرطوم ولندن. وكأن مرورهما لحظة مرور شهابين في السماء. لكل منهما لونه في الأدب والفكر، التقيا على هضاب عالية، حيث البَرَّد الدافئ ساعة نزوله من السماء. بينهما قامت وشائج الألفة والحبور واللطف والمرح. صنع لنا التاريخ هذه المقدمة التي كتبها ” الطيب صالح ” لأوراق ورسائل ما خطه “جمال”، في بلد كالسودان لا يحتفظ بتراث مفكريه و أدباءه وأشعارهم، كأن الأرض ابتلعت كل شيء، وها هي السماء قد أقلعت وغيض الماء، حين استوت بقناديلها. بقيت الأوراق قبل أن يبتلعها الجهل الفاغر فاه، لا يدري أي كنز سوف يحمي، وبأي شواطئ سوف تلفظ ذلك النثير الحي من جديد.
( ما أبعد الشقة بين ” سُرّة شرق” وجامعة أكسفورد. وما أطول الطريق بين صبي يرتدف أخاه على حمار إلى المدرسة، وبين وزير الخارجية. وما أشق الصعود من ” بخت الرضا” إلى جامعة هارفارد.)
كان ” جمال” إنسانا بشوشا على الدوام منطلق أسارير الوجه، رغم الأحاسيس التي كانت تمور في أعماق ذاته ولا بد. كان إنسانا ” أبلج” كما وصفه أحد أصدقائه الخلصاء، الأستاذ” بشير محمد سعيد”. لكنه في السنوات الأخيرة كان يستسلم لليأس لكثرة أرى من محنٍ تحيق بالسودان، أغلبها من صنع أبنائه. وكنت أحس في لقاءاتي معه تلك الأيام، في زياراتي المتباعدة للخرطوم، كأنه فقد الرغبة في الحياة، لا بد أنه رأى بلداً أبعد ما يكون عن البلد الذي حلم به
لا غرو أن ” جمال محمد أحمد” اختاره لهذه المهمة وقد نهض بها على خير وجه. وحقا أنها لم تكن مهمة سهلة، ففي بلد كالسودان، لم يحفل بعد بالتسجيل والتدوين، ولم يدرك تمام الإدراك الأهمية التاريخية لأوراق قد تبدو عادية في وقتها، في بلد مثل هذا لا يكون عملا كهذا سهلا. كان” جمال” نفسه يدرك أهمية التدوين والتوثيق.
هذا عمل لم يكن ليتم لولا المحبة، والحب أو المحبة، عاطفة تغلب على محتوى الكتاب أيضا. كان ” جمال محمد أحمد”، رحمه الله، رجلا محظوظا إلى حد كبير، فقد أنعم الله عليه بهبات جمة. كان حسن السمت، عذب الحديث، ذكي الفؤاد.
كان ” جمال” محظوظا أيضا في أن الله سبحانه وتعالى وهبه زوجة صالحة من أهله، ظلت ترعاه وتسهر على راحته إلى أن توفاه الله، وكان يحلّق في آفاق بعيدة، ويعود إليها كما يعود الغريب إلى وطنه، والمُهاجر إلى جذوره. وهو يذكرها بسعادة وطيب خاطر في رسائله إلى أبائه وبناته.
الله أعلم، كم كان عمر” عادل” حينئذ، لكن ” جمال” يكتب إلى أبنائه وبناته كأنهم ناضجون، مهما كانت أعمارهم، يخاطبهم مخاطبة النّد للنّد. وفي الرسالة روح” جمال” الذي تميّز به، وإن بدت لأول وهلة رسالة عادية، يكتبها أي أب لأبنه، كان ” جمال” هكذا دائما، مع أسرته وأهله وأصدقائه وتلاميذه ومحبيه، ينسج ثوبا واسعا من الود والتسامح والحكمة. يدفع بالتي هي أحسن ويفترض وجود العقل في كل الناس. حين نكون معه يدخلك برفق في هذا العالم الودود. يستحضر أفراد أسرته فكأنهم أسرتك، وأسماء أصدقائه وكأنهم أصدقاؤك. وبرفق يتسرب هو أيضا إلى حياتك وأسرتك وأصدقائك، فإذا بعالمه وعالمك يمتزجان. كل ذلك بطريقته العجيبة، التي تتخللها لحظات صمت مرهفة، وضحكات وإيماءات لطيفة.
نتابع رسائل ” جمال” إلى أفراد أسرته، فنتابع قصة عائلة تتفرق وتجتمع، في الخرطوم وبغداد وأديس ابابا ولندن. نحس بين السطور، بروح من الفهم العميق والود الذي يجمع أفراد الأسرة بعضهم ببعض، وبينهم وبين رب الأسرة. تحس به حتى وهو على البعد، كأنه جالس بينهم، يمازح هذا، ويلاطف هذه، ويشجع ذلك، وهو على الدوام يقوم بدور” المربّي”، وكان ذلك دورا أساسيا في حياته، سواء في نطاق أسرته، أو في نطاق القطر بأكمله. ويدرك القارئ دون جهد، أن هذا أسلوب خلاق في التربية، يعتمد على احترام شخصية المتلقي وحسن الظن بقدرته على الفهم. أسلوب يتلط فيه الجد بالهزل، ويعطي الأفكار و المعلومات بخفة وعفوية.
لم يكن هذا موضوعا تافها، ولا بد أنه كان يتصل بعلاقة ابنته بأناس يهمه أمرهم، وربما كانوا من أقربائه الأقربين. ورغم ذلك فإنه يترك القرار لابنته، ولعله كان يعلم أنها تتخذ القرار الصحيح في نهاية الأمر.
( ولكني يا صديقي … دعني أضع أمامك استجابتي أنا أيضا، فأنا أيضا بأسلوبي، كما أنتم بأساليبكم، ولن أفتر من ترديد هذا ، لأنها نسمة تنعش، أن يكون كل واحد منا دنيا بذاته. بيتنا دنياوات ملآى. أنا غاضب مثلك مجروح لأني أستحق أكثر من هذا. كنت واحدا فردا ممن احتضنوا التغيير ودعوا له، وغيري يرقب يريد ليعرف….
نعم، كان” جمال” محظوظا في عائلته، وكان أيضا محظوظا في أصدقائه. كان إنسانا ودودا تحيط به دوائر واسعة من الحب والصداقة. وكما قلت فإنه كان يحب كتابة الرسائل، ويقبل عليها ، فلا بد أن ما في أيدي أصدقائه منها عدد كبير. بعضها ليس موجودا هنا لسوء الحظ. لا تجد رسائل إلى ” داوود عبداللطيف” ولا ” محمد توفيق” ولا ” بشير محمد سعيد” ولا ” محمد عمر بشير” ولا “الشيخ المرضي”، ولا كثيرون آخرين. ليس الذنب ذنب ” عثمان محمد الحسن” ، فقد بذل جهدا كبيرا، وجمع ما تيسر له جمعه. وأرجو أن يجد المزيد منها ، ويخرجه في كتاب ثان، فإن في قراءة رسائل” جمال محمد أحمد” متعة نادرة.
كان من أصدقائه المقربين كذلك، الدكتور” أحمد الطيب”. كان ” أحمد الطيب” من نوابغ السودانيين، وكان من الأوائل الذين حصلوا على شهادة الدكتوراه، من جامعة لندن، وقد عاش حياة معذبة، ومات موتا مأساويا. كان” جمال” يحبه أعظم الحب، ويقدره أعظم التقدير. ولا بد أنه كان يعرف قصة حب ” جمال” لـ ” كاترين”. ففي هذه الرسالة التي بعث بها إليه بتاريخ 14/3/ 1960 و”جمال” يومئذ سفيرا في أديس أبابا، كأنه يشير إلى هذا الحب:
هذه رسالة كاشفة حقا، خاصة إذا قرأها الإنسان، في سياق واحد، مع رسالته للشيخ ” عبد الإله أبي سن، وهو يكتب إلى ” أحمد الطيب” بهذه الطريقة، لأنه يعلم أن ” أحمد الطيب” يعي تمما مرامي كلامه، وقد كان هو يعيش قصة حب مأساوي. وفي هذه الرسالة، يعبر ” جمال” عن الصراع القديم بين الفن والحياة ويقول، إما أن تختار الفن وإما أن تختار الحياة. وهي الفكرة نفسها التي عبّر عنها ” نزار قباني ” شعرا في قوله:
ولكن” جمال” ما يلبث أن يقول في رسالته، أن لا خلاص حتى في الكتابة:
كان ” محجوب أصغر منه سنا، لكن جمالا قام منه مكان الأب، فكفله ورعاه ، ورآه يصعد من الإملاق، إلى أن أثرى وصار من رجال الاقتصاد المرموقين. وقصة هذه الكلمة هي في حد ذاتها قصة محزنة، فقد توفى “جمال” فجأة في ذات اليوم الذي كان مزمعا أن يلقي فيه الكلمة في حفل تأبين ” محجوب”. ثم لم يلبث أن توفى أخوه الأصغر ” سيد” في حادث حركة مؤلم، ثم توفيت أمهم. كل ذلك حدث في نحو شهرين أو ثلاثة.
إلا أن القارئ سرعان ما يكتشف أن هذا المدخل الخافت، لم يكن إلا حيلة فنية طريفة، وكأنه يستعين على السيطرة على عاطفته، بالتظاهر بالحياد. يمضي جمال يتحدث عن ” محجوب”، وهو في الوقت نفسه يبوح بذكرى مراحل مهمة في حياته هو، بأسلوب من أجمل ما عرف عنه . يحلق في آفاق الفصحى، وأحيانا ينزل إلى لغة قريبة من العامية. تتلاحق أسماء الناس والمشاهد والأحداث والذكريات، فتثير في نفسك الشجى والحزن، والكاتب لا يستدر عطفك، ولا يبذل جهدا في إثارتك… ثم تراه يغضب فجأة في لحظة نادرة، تخبرك أشياء كثيرة عن “جمال “نفسه:
” مايو” التي يتحدث “جمال” عنها، هي ثورة “النميري”، التي تحمَّس لها أول الأمر ودعا لنصرتها، ثم خرج منها بغصة عظيمة. إلى جانب ذلك فقد اعتقلت أخاه محجوبا وصادرت أمواله، وقدّمته للمحاكمة. وسوف يجد القارئ في الرسائل ما يوحي بأن جمالا كان يحب ” النميري” ويعتقد أنه صديقه، ويشير إليه باسمه- المجّرد “جعفر”. ولا بد أنه كرجل فكر وقلم، توسم فيه ما توسم المتنبي في ” سيف الدولة”. لذلك هذا الغضب، وهذا الإحساس المرير بخيبة الأمل.
انتهى التقديم
لا توجد تعليقات
