تكوين تجمع مستشاري وزارة العدل: خطوة في مسيرة تغيير مفاهيم العدالة .. بقلم: د. سامي عبد الحليم سعيد
24 سبتمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
71 زيارة
advosami@hotmail.com
اصدر تجمع مستشاري وزارة العدل، في يوم 20 سبتمبر 2019 بياناً تأسيسياً اعلن فيه عن تكوين اللجنة التمهيدية للتجمع، و وفق ما اعلنه البيان، فان التجمع يهدف الى ان التجمع جسما مهنيا و خدميا لقضايا المرحلة ، و مراقبا و موجها لاداء أجهزة الدولة وفقا لاحكام القوانين، و منبرا للعمل القانوني و العدل المتجرد من الثوب الحزبي و السياسي، و مستقلا بذاته، يقبل الراي و الرأي الآخر ، مكرساً جهود منسوبيه نحو خدمة البلاد و العباد على كل القضايا الوطنية، متصدياً لاي محاولة للنيل من مبادئ العدالة و حكم القانون. و على صعيد مماثل، رشحت العديد من الاخبار و البيانات التي تطرح أفكار بخصوص تكوين أندية مهنية للعاملين في القضاء و النيابة العامة في السودان.
و من خلال فعاليات الثورة، كانت قد ظهرت العديد من التكوينات المجتمعية، التي عبرت عن نفسها من خلال فعاليات مناهضة للسياسات الدكتاتورية و مناصرة للحراك من أجل التغيير، فتكونت العديد من الجمعيات و النقابات و المنظمات الغير مسجلة رسمياً لدى السلطات الرسمية، و لكنها ظلت تمارس حقها في التنظيم و التجمع السلمي و كذلك حقها في حرية التعبير، رغم أن السلطات و بموجب قوانينها، ظلت تضع قيود و محددات في وجه تكوين تلك التكوينات الاجتماعية، من بينها اشتراط التسجيل.
إلا ان تكوينات جمعيات و مكونات مهنية للعاملين في القضاء و النيابة العامة و وزارة العدل، يعد من الامور المستجدة في تاريخ التكوينات المهنية في السودان. و بحسب ما اشار اليه البيان التاسيسي، يتضح ان تلك المحاولة الجديدة جاءت بدواعي الحرص على العدالة و المشاركة في خدمة الوطن بتجرد. و قد كفلت مواثيق حقوق الانسان حرية التنظيم و التجمع السلمي، بصورة لم تتضمن الاستثناء، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في المادة 20 انه (لكل شخص) الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما. كذلك نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في المــادتين 21 و 22 على ان يكون الحق في التجمع السلمي و حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق انشاء النقابات والانضمام اليها من اجل حماية مصالحه.
و قد يثير أمر تكوين هيئآت مهنية للعاملين في القطاع العدلي – بإستثناء قطاع المحاماة – الكثير من الاسئلة الخاصة بحرية التعبير و الاعتقاد و التنظيم بالنسبة للعاملين في تلك المؤسسات العدلية من جهة، و ضمان نزاهة و استقلالية القضاء من جهة أخرى. إن العاملين في أجهزة العدالة، هم في الأصل مواطنون في دولتهم، و يتمتعون بالحقوق و الحريات الدستورية، و لا يتم تمييزهم بصورة ضارة تمنعهم من التمتع بحقوقهم بالتساوي مع بقية المواطنين، لذا نحت العديد من التجارب الديمقراطية الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية، الى القول أن (مبدأ استقلال القضاء) لا يتعارض مع حق القاضي في الإنضمام إلى الأحزاب السياسية طالما أن ذلك لا يؤثر على عدله ونزاهته في عمله، و للقاضي كذلك – ضمن جملة حقوق أخرى – الحق في التصويت في الانتخابات و أن يحدد خياراته السياسية.
و التجربة في الدول الغير ديمقراطية، أثبتت أن الوضع السياسي يدفع القاضي الراغب في التحزّب لأن ينتمي إلى الحزب الحاكم النافذ القوي طلبا للحماية وتحقيق المصلحة الشخصية في التنفذ داخل الوسط القضائي، بينما يقوم القاضي الآخر بأخفاء عقيدته السياسية المعارضة للحزب الحاكم خوفاً من العزل، و هذه تجربة شهدها السودان بصورة واضحة إبان الثلاثين سنة الماضية. إلا ان حرمان العاملين من ممارسة حقوقهم، أو تنازلهم عن حقوقهم في التنظيم و التجمع و الاعتقاد، لم يفضي في السودان إلى إشاعة قيم دولة سيادة حكم القانون، بقدرما شهدت مؤسسات العدالة في ظل تلك السياسات مظاهر غير محصورة للفساد و الانحراف بالعدالة، و بالتالي لم يسهم حرمان القضاة ، مثلا، من تكوين مؤسساتهم النقابية، في ضمان استقلال القضاء .
و في واقع الامر أن موظف الخدمة العامة في أي ديوان حكومي، عليه إلتزام بأن يقدم الخدمة الحكومية لكل المواطنين، بالمساواة و دون تمييز لأي سبب، و برغم ذلك لم تشترط القوانين أن يكون العاملين في الخدمة العامة من غير المنتمين للاحزاب السياسية. و إذا كان الهدف هو ممارسة العدالة بنزاهة و استقلالية، و ليس الهدف هو حرمان العاملين في سلك العدالة من حقوقهم و حرياتهم؟ اذن من الممكن القول أن القضاة و وكلاء النيابة و المستشارين بوزارة العدل لهم، مثل غيرهم من المواطنين، الحق في التمتع بالحقوق الاساسية التي تكفلها المواثيق و الدستور الوطني، بما في ذلك الحق في تكوين جمعيات و أندية مهنية، على أن يمارسوا حقهم في التنظيم و التجمع و الاعتقاد، على نحو يختلف عن سائر المواطنين، عملاً بواجب الحياد الذي يقيده.
إن واقع التحولات المفاهيمية في السودان، آخذ في تأسيس العديد من المفاهيم و القيم الجديدة للمجتمع، و من بين ذلك مفهوم الحق في العدالة ووسائل تقديمها. ربما إن عملية الاصلاح التشريعي و المؤسسي، و التي من المتوقع أن تبدأ خلال الفترة الانتقالية، قد تسعى الى تغيير بنية المفاهيم المتصلة بالحقوق و طريقة كفالتها، و أيضاً تسعى لتغيير طريقة الحكم من خلال تغيير قوانين و مؤسسات الحكم. و في سياق تلك التحولات، أجد ان مفاهيم العدالة ووسائل تقديمها، يجب ان تتبدل بالقدر الذي يجعل مفهوم العدالة أكثر شمولاً و أن يكون له تأثير واضح على صعيد صيانة كرامة السودانيين.