تنقيب الظلام: طَبَقات الثّورة: حول التصعيد وتشكُّلات لغة المقاومة

 


 

 

 

[إنني لا أتحدّث هنا عن مجموعة صغيرة من الكتاب والفنانين، إنني أتحدث عن طَبَقةٍ شاسعةٍ من المتمرّدين تشكّلت في السودان، وبطرقٍ سحريّة سحرَ الفن، لمقاومة الخسف الذهني الذي مُورِسَ على شعب السودان، والذي يصل اليوم إلى أبشع أشكاله: الحرب. كانت فعليَّاً حقبة حربٍ وإبادةٍ للأجساد [مازن مصطفى]، أعني جميع أشكال القَتل؛ بدايةً باستهداف المرأة ـ الكائن الأقوى إنسانيَّةً ـ مروراً بقَتل الغرائز وتحجيب الجمال وإغلاق أبواب المعرفة، نهايةً بالقَتل الجسدي؛ الحرب التي لم تتوقّف منذ بداية هذه الحقبة إلا لآمادٍ قصيرةٍ جدَّاً. ها هي الآن تستَعر.

لن أتحدَّث عن المشرّدين في الشوارع، ولغتهم المُعبِّرة تعبيراً عظيماً عن هذه الحرب العظيمة ضدَّ الحياة، ولن أتحدَّث عن النازحين من أنحاء السودان كلّه إلى مدينةٍ فقيرةٍ، قُبِّحت تقبيحاً مُبالغاً فيه بأيدي ثلّة من أبنائها "المتعلّمين"، ولا عن شبابٍ عاركَ هذا النظام الذهني بقوَّة إدراكه لسخافة تصديق أن الحياة التي يقدّمونها حياةً، فخَرَج إلى الهواء الطَّلق [جورج أورويل] ليكتشف الحياة الغامضة والمجهولة، تلك التي نَسِي السودانيّون معناها نسياناً بليغاً]*.
2012م

(1)
في هذا التنقيب أحبّ أن أتناول الشق الشعبي، غير الصفوي، للخطاب الثوري المتصاعد في الشعر والفنون والغناء والموسيقى، منذ بداية الحراك الشعبي في ديسمبر وإلى يومنا الحالي، والتفصيل الواعي للمطالب داخل هذه الخطابات من واقع مشاهداتي الأخيرة في ميدان الاعتصام، وما خرجَ منه –الخطاب- تلقائيّاً في المواكب التي استمرت لأكثر من أربعة أشهر.

(2)
قبل ثورة ديسمبر، وأثناء وما بعد ثورة سبتمبر المجيدة المَقموعة بالرصاص؛ لاحظت أن الخطاب السياسي المنسوج عبر الشعارات والهتافات كان هو ذات الخطاب الغاضب فقط، الخطاب السياسي القديم الذي عهدناه نحن خلال التسعينيات وإلى لحظة ديسمبر العجيبة هذه؛ فهو خطاب يشابه ما أفرزته الثورات الماضيات في أكتوبر وأبريل، فإن لم يطابقه في الكلمات، فإن المضمون هو ذاته: شحنة الغضب من انعدام العدل وتشري الفساد وقمع الحريات، إضافةً إلى شجب الواقع الاقتصادي والسياسي، دون المساس بما هو اجتماعي البتّة؛ إذ كان العمل وسط المجتمع لا يتمّ من خلال الثورات، وإنما من خلال ما أنتجه السودانيّون من خطابات في الصحف والمجلات والأعمال الإذاعية وغير ذلك.
أما الاختلاف الجذري في خطاب ثورة ديسمبر الثقافي –وأجمل في الثقافي الفنون والأشعار والإيقاعات والغناء والموسيقى- أنه استمدَّ تمرَّده –حسب ما أرى- من طبقاتٍ متمرِّدةٍ منذ أزمنةٍ بعيدة، قبل الإنقاذ وأثناءها وما بعدها، وهو خطاب يتميّز بعدميَّةٍ مُحبَّبة، تزاوج ما بين الغضب والتحدي والسخرية الحادّة من مرارة الواقع، وهي طبقة المتشرّدين في الشوارع والنازحين -دونَ أهلٍ- من جحيم الحروب والمجاعات في أطراف السودان، أو أطراف العاصمة، كلّو هامش. نبّهني الشاعر إبراهيم جعفر لهذه المفارقة العجيبة حول أحد الشعارات المنتشر بكثافة، حيث كتب: (شعار "الحل في البل" استخدمه، لأول مرة، لو تعلم يا مأمون، شباب حركة "العدل والمساواة" السودانية الغبشاء، بقيادة الشهيد خليل إبراهيم محمد، وأصحابنا من قياداتهم في الخارج، عند تهيؤهم قبل العاشر من مايو من العام 2008م لدخول أمدرمان. وبعد داك استلفته بقية حركات الكفاح المسلح السودانية في دارفور وكردفان، ثم أُلبس ثياباً مدنية مبتدعة في الثورة السودانية السلمية الحالية، فتأمل!). نعم، فتأمل، هذا الانتقال السلس لشعارٍ من الحرب إلى المقاومة السلميَّة الشاملة والمنتصرة يذهب بنا إلى تحليلات أكثر، فالشعار يحمل بداخله الطرافة والسخريَّة، ممزوجٌ بالغضب والتحدّي، ومسنودٌ بالسلميَّة البحتة.
عندما شبّهت هذا خطاب اليوم بخطاب طبقةٍ سُمِّيت بالشمَّاسة، فلأن ذات اللقب أُطلق على هؤلاء الشباب البواسل قبل تفرّغهم للثورة الكاسحة هذه، أي قبل سنواتٍ منها، كذلك أطلق عليهم بعد أن انتصروا في محيط القيادة من بعد المواطنين من أجيالنا البائدة؛ حيث اصطدموا بتعريفاتٍ جديدةٍ للحياة لم يُعايشوها، بل ورؤوا أبناءَهم وبناتهم وقد كشفوا عن وجوهٍ كانت مخفيَّةً في البيوت، وكأنهم يرتدون قناع ثورةٍ واحدةٍ تمثّلهم، ولكن، مع مرور الوقت، وتصاعد حالة الوعي في الخطاب والانتقال إلى مراحل الحقوق والحوار الثقافي والفكري والمجتمعي من داخل خطاباتهم الثقافيَّة، تحوّلت الصدمة إلى ارتياحٍ عند أغلبهم، بل ومحبّة، إذ أن ما أقدموا عليه وأنجزوه لم يكن في حلمِ الكثيرين من تلك الأجيال، بل إنهم قد فقدوا كل أملٍ خلال السنوات القليلة ما قبل الثورة.
ففي يومٍ من أوائل أيام الاعتصام المُزركشة، كنتُ عائداً فيه من "هناك"، وركبتُ حافلةً صغيرة من المحطة الوسطى بحري ليلاً، فإذا بأطفالٍ لطيفين يحملون تلك الحمامات اليدويَّة التي اخترعتها (جمهوريَّة أعلى الجسر) إبّان القيظ والحر الشديد؛ حيث يقومون برشّ الناس رذاذاً من الأمطار الرحيمة من أعلى الجسر، وقد انتشرت هذه الحمامات التي خَلَقت في ما بعد ما سُمِّي بـ(التهاب القيادة) المَحبوب، وكان الناس قد أحبوا الفكرة التي ترطّب عليهم القليل من شمس الصيف الملتهبة؛ رأيت الأطفال من شبّاك الحافلة بابتساماتهم الواعدة وهم يرشّون الحافلات والسيارات المارة مع هتافاتهم المعروفة، فابتسمنا لهم جميعاً ورفعنا علامة النصر، ما عدا راكب واحد بجانبي بدا متنرفزاً وصرَّح، بلا حذر، بأن: (ديل شمّاسة وصعاليك كلهم ساكت، حتّى القاعدين في القيادة ديل، ياخي ديل...) ولم يتم جملته. فبينما كنتُ قد انخلعتُ من حديثه وهممت بالرد عليه، ضاعت جملتي (يا زول صعاليك كيف يعني؟) وسط صرخةٍ جماعيَّةٍ هادرة من جميع ركّاب الحافلة، حيث عاجله السائق كبير السن: (الصعاليك ديل طلّعوك من حكم وظلم 30 سنة انت ما قدرت تقتلعو)، وتوالت الرجمات وانهالت عليه حتّى أشفقت على حاله. في النهاية كان يبرر ويقول: (أنا حسع جاي من "هناك") ولكن لم يغفر له أحد حتّى ترك الحافلة وانزوى.

(3)

لقد تصاعد الخطاب إذاً ما بعد اعتصام القيادة، وإن لم يفقد جوهره المتمثّل في السخريّة اللاذعة، وإعلان تمسّكهم بعدميّتهم في مقابل الحياة لإخوانهم وأخواتهم وللأجيال المقبلة –نتحدث عن الأطفال لاحقاً- وفي التحدّي، ولكن عنصر الغضب قد بدأ يتلاشى رويداً رويداً مع اطمئنانهم لنجاح ثورتهم في المستقبل القريب، وشعورهم بوجودهم في المنزل الأصلي، دولة السودان المُوحَّدة، التي تشكَّلت في ميدان الاعتصام بحدودها المعروفة اليوم.
فمن السخريَّة من رموز النظام إلى المطالبة بمحاسبتهم، ومن (الثورة خيار الشعب)، إلى (مدنيَّة خيار الشعب)، مع التمسّك بشعار الثورة السلميّة الخالد: (حريّة، سلام، وعدالة)، وهي المطالب الطبيعيّة والتي لا يجب أن يُطالب بها، أصلاً، الإنسان، إذ هي من طبيعة تكوينه، وحلمه المستمر بالرخاء والحياة البسيطة في حدّها الأدنى. فمطالب (الحريّة) رأيناها تُصعَّدُ ثوريَّاً في الأنسجة الشعريَّة الحساسّة، والتجمّع الراستات محبّي بوب مارلي عاشق ومغني الحريّة، وفي اللوحات المنثورة على فضاء الجدران الداخلي، مُتجذِّراً بالأوان على أرض الميدان، وفي اللوحة التي شارك في رسمها المئات لتُعرض في الساحة بقماشةٍ طولها 4 كيلو ميترات.
في كلّ يومٍ يمر تتجدد الشعارات والهتافات والأغنيات والإيقاعات، حتَّى أن التشكيلي عبد الله محمد الطيب (أبسفة) قال لي في حيرةٍ من أمره: "والله ياخي قصة الشعارات دي تحيِّر، أصلاً في مكنة بتنتج الشعارات يوميَّاً، لكن هي وين؟ مافي زول عارف".

(4)
الملاحظة المهمّة أن الخطاب الثقافي الاعتصامي الحالي لم يكن ملكاً للصفوة كما هو الحال دائماً، بل رأينا المشاركات العفويّة من جمهور الثورة في كلّ شيء، ابتداءً بتأليف الأشعار والأغنيات، مروراً بالرسومات البسيطة المعبّرة على الجدران، وليس نهايةً بتثبيت مطالب الثورة المشروعة عبر كلّ ذلك، وفي الهتاف. هذه المشاركة تعكس، بصدق، ارتفاع الوعي الشعبي الذي أحدثته تجربة حكم الإنقاذ الثلاثينيَّة، فقد كانت مفيدةً جداً لقطاعات واسعة من الجماهير. فعندما هبَّت جماعات الشيخ عبد الحي يوسف تطالب بالشريعة الإسلامية، سخر منهم المواطنون، بل شجبوهم في ساحة الاعتصام وهم يكشفون في خطابه عن أزمة الثقة في وعي الجماهير؛ إذ يعتقد أهل هذه الجماعات أن الجماهير قد خدعهم (العلمانيون والشيوعيّون..إلخ) بشعارات الديموقراطية والحرية التي يشجبونها حتَّى في قماشاتهم التي يحملونها في موكبهم. إذ شعر المواطنون بإهانةٍ كبيرة: لقد كانت ساحة الاعتصام، وظلَّت، تتميّز بغلبة المسلمين بصورة كاسحة، وبإسلامٍ متسامحٍ وعباداتٍ متواصلة ودعواتٍ لرب العالمين، مع تنوعٍ ووحدة صفٍّ من بقية مكونات الشعب السوداني المتنوّع ثقافيَّاً ودينياً وعرقياً وإثنياً..إلخ. مدى وعي الجماهير بهذا التنوع رأيناه أيضاً على الجدران في لوحاتهم التي يتماسك فيها النسيج السوداني، وربما لأول مرةٍ في تاريخه منذ الاستقلال، بالأيدي المتنوّعة والألوان والأزياء والسحنات المتنوّعات. ذات الوعي عبَّر عنه الناس في مقابلاتهم التلفزيونيَّة، وعبر شعاراتهم وهتافاتهم. لم يعد أحدٌ يخاف من أحد، بل إن خوف الناس الأوحد أن يعود بنا الحال إلى منطقة التشرزم والحروب والفتن العرقيّة والدينية والثقافيَّة التي اجتاحت مجتمعاتنا منذ القرن الماضي وإلى هذه اللحظة.
لقد ناقشت الجماهير عبر هذه الأعمال قضايا لم تكن مطروقة وسط عامّة الشعب السوداني؛ كالنوّع الثقافي، أو، سياسيَّاً، المطالبة بالخروج من جامعة الدول العربية والعودة إلى جذورنا كأفارقة من هذه القارة، المساواة ما بين الرجال والنساء وغيرها من القضايا. وبالرغم من أن إنزال هذه الحوارات إلى أرض الواقع وتطبيق هذه الحقوق يحتاج لمزيدٍ من الوقت والجهد والتصعيد الثوري بعد نهاية الاعتصام، ورغم أنه قد ييحتاج لسنواتٍ ربّما، إلا أن وجود هذه الأرضيّة التي أسستها الثورة ورواها الثوّار بدمائهم ستكون اللبنة الصلبة التي من الممكن أن نبني انطلاقاً منها.

(5)
أقول، أرى أن "التصعيد الثوري"، بهذه القراءة، سيتّخذ منحىً مُختلفاً حالما يعود الناس لحياتهم الطبيعية. وما هي طبيعتها بعد اليوم؟ ستكون ذات طبيعة ثوريَّة مستمرَّة، إلا أن أشكال هذه الثورة سيتجلَّى في صورٍ لا نستطيع توقّعها، فإن كل ثورةٍ سلميَّةٍ لا بدَّ أن تُنجزَ ما هو مبدع ومُبتكر وغير مُتصوَّر في المستقبل. ومع شعور الثوَّار والأجيال الجديدة بفرديّتهم المتجلية في استخداماتهم الفرديَّة لأساليب التواصل المختلفة، فإن المبادرة لن تتوقَّف عن الإدهاش. يقول الدكتور عبد الله الفكي البشير عن كتاب (الثورة الثقافية) للأستاذ محمود محمد طه –أدعو لإعادة إنتاجه اليوم- يقول: [دعا الأستاذ محمود إلى الثورة والتحرير وإحداث التغيير. ورفضَ الثورة العنيفة، وقدَّم بشأنها تنظيراً واسعاً ومفصلاً تضمنه كتابه: (الثورة الثقافيَّة)، الذي صدرَ عام 1972م. كتبَ الأستاذ محمود قائلاً: [إن الثورة حينَ تكونُ عنيفة، إنما تحملُ عناصر فنائها في عُنفها لأنها لا تملك، مع العنف، أن تعتدل. إنّ التحوّل، والتغيير، والثورة، التي تتم عن طريق الإقناع، والفكر، هي التغيير المأمون العواقب، الثابت، الذي يطرد كلّ حينٍ ولا يَنتكس. ولكن محاولة مثل هذه الثورة الفكريّة السلمية، إنما هي محاولة مكتوبٌ عليها الفشل، إذا جاءت في غير أوانها]. وعندما طَرَح الثورة الثقافيَّة، بيّن المقصود منها بتفصيلٍ وافٍ، فهو إلتقاء الفكر بالواقع. والمقصود هنا بالطبع هو الفكر "الثائر". فإذا التقى الفكر الثائر بالواقع فإن التغيير هو دائماً النتيجة. ولا يمكن إلا أن يكونَ تغييراً سريعاً بغير عنف. فـ"الثورة الثقافيّة"، على هذا هي التغيير السريع للأحسن، من غير عنف. هي تملك "سرعة" الثورة، وتبرأ من "عنف" الثورة. [فالثورة الثقافيّة بإيجاز هي علم، وعَمل بمقتضى العلم. وهذا ما به يحصل التغيير]. وعن الفكر الثائر وتغيير الواقع ومن أينَ يبدأ؟ كَتَب الأستاذ محمود قائلاً: [ولما كان الفكر الثائر هو الذي يُحدِث الثورة الثقافيَّة. يُحدث تغيير الواقع بصورة سلميّة، وثوريّة في آنٍ معاً. ولما كان الفكر الثوري فكراً دقيقاً، وأصيلاً، ونفّاذاً وسليماً، فإن تغييره للواقع لا بدَّ أن يبدأ من داخل النفس البشريَّة]. ثم ينتقل الأفراد المدعوين وتتسع الدائرة حتى تبعث القاعدة (قاعدة الشعب، أي شعب) لتتحرك لتُحدث هذا التغيير. ثمَّ علل لماذا تكون بداية التغيير من الداخل؟ قائلاً: [ذلك بأن أيّ تغيير يقتصر على الخارج. على البيئة البشريَّة، والبيئة الطبيعيّة ـ أعني: المجتمع، الطبيعة، لا يكون تغييراً سليماً، ولا مستقيماً، ذلك بأن التغيير الخارجي إنما هو صورة الداخل، أعني النفس البشريَّة، فإذا كانت النفس خَرِبَة بالأحقاد، والضغائن، والعداوات الرعناء، في كلمة واحدة: بالجهل، فإن الخراب يطبع بطابعه التغيير الذي يجري في المجتمع وفي البيئة]**.

(6)
أما الطبقة التي تتمتع بما يحدث من حولها متعةً كاملةً بلا أي مُعكِّر، فهي طبقة الأطفال. إن الذي حدث لهم هو ثورةٌ في الصِغر كنحتٍ على حَجَر. من هؤلاء ننتظر المستقبل، ونترحّم على من مات منهم أثناء الحراك، ونستمتع باحتفاليّاتهم الليليّة اليوميّة في الأحياء والأزقة والأسواق في مدن السودان المختلفة. لقد ظلّوا دافعاً مُلهما لثراء هذه الثورة، وملمحاً ميّزها بذكائهم الباهر والظاهر للعيان، وحفظهم لأشعار وشعاراتٍ وأغانٍ طويلة بلا أساتذة ولا مقررات تُجبرهم على ذلك، بل بكل محبَّةٍ وإتقانٍ وتفانٍ كما رأينا في أيقونات كالسيّد الشبلي، أو مثلما بهرهم (ماو) بأغنياته المُلهمة.

(8)
الثورة السودانيَّة ثورة قد انتصرت منذ شهور، وأراها في خانة الثورة الفكريّة التي تحدث عنها الأستاذ، وهي الآن تزيل المتاريس الفكريَّة وتعرّي الأفكار العقيمة، بهدوءٍ ورويَّة واقتناعٍ يتعمّق يوماً بعد يوم، وفي رأيي أن تأخّرها في صالح التغيير الاجتماعي الجذري النابع من حريَّة الاختيار والاعتقاد، والحوار اليومي بين الثوار وما يحدث من حولهم في العالم؛ فمع هذه الطريقة الجديدة كليَّاً في إنتاج الثورة وصيرورتها، لا فكاك للثورة السودانية من الانتصار في النهاية، وأن تبلغ غاياتها.
عندما أراقب حوارات الصفوة وهم ينتقدون، محقّين، بعد المظاهر السياسيّة والفكريّة لجماهير الشعب، وخوفهم المستمر من اختطاف الثورة، أجدُ أنني أجلسُ مطمئناً غير هيّابٍ من ما يحمله المستقبل، مهما كان، فإن الذي أُنجز حتّى الآن يعدّ مستحيلاً، بل مختلفاً عن ما دار ويدور في العالم من ثورات. إنني، منذ أزل وجودي في هذه البلاد، لم أشك لحظةً واحدةً في أصالة السودانيين، ومع اختلافي الجذري أحياناً مع الأفكار المنتشرة في العقول الجمعيَّة لمجتمعاتنا وشعوبنا المختلفة، فإن الأصالة التي تميّز معدنهم تتجلَّى اليوم في الاعتصام، والثورة التي أنجزته، هذا ما أراه في التصعيد الثوري، والذي، بلا شك، سينتقل من خانة الخطاب السياسي، بعد التفاوض وإنجاز الحكومة المدنيَّة، إلى حيّز الحوار الثقافي الخلاَّق. إذ أن احترام الآخر بدأ يسود، والتعارف بين مكوّنات الشعب السوداني التي تداعت إلى جسد البلد في الشهور الماضية لم يحدث من قبل؛ إنَّ المرور عبر هذه التجربة وتذوّقها دون هواجس، احترامها، والثقة في وعي الجماهير، هو ما سيؤدي بنا إلى الهدوء والمقاومة السياسيَّة الحالية، وينقلنا، بلا شكّ، إلى أشكال مقاومةٍ أخرى، ستكون هي التصعيد الثوري الحقيقي.
ـــــ
هوامش:


* من مداخلة تقدمت بها في الملتقى التفاكري الثاني حول الأزمة الوطنية في السودان - الدوحة، قطر، من السبت 22 إلى الاثنين 24 سبتمبر 2012
** د.عبد الله الفكي البشير - عن كتاب (محمود محمد طه والمثقفون، قراءة في المواقف وتزوير التاريخ). دار (رؤية) للنشر.


eltlib@gmail.com

 

آراء