تيس الحاجة زهرة .. بقلم: عادل سيداحمد

 

كان تيس الحاجة زهرة هجيناً من سُلالاتٍ محليّة وعالميّة موزُوناً بمقدارٍ صحيح، بحيث كان التيس تبديّا صارخاً للفحولة والخصوبة والنشاط، كانت خصيتيه الكبيرتين، المعروقتين، دليل على كفائته في عُشار الغنم وسبباً رئيسياًّ لها…

وكان إذا لم يَجِد أغناماً للعُشار، فاض به الكيل وضاق ذرعاً بفتُوته وفحُولته، فيُحولها إلى النشاط الهدام: ينطح الأطفال في البيت، و يكسر الأزيار، ويقطع الحبال التي يربط بها، ويأكل كرَّاب العناقريب، ويشيعُ، على العموم، جوَّاً من الفوضَى العارِمة في أرجاء البيت… ولا يقبل الإستكانة في الزريبة إلا بعد تعب!
ورغم أن تلك الفوضى المُتكررة، بالإضافة إلى الرائحة الكريهة والصُّنان التي كانت تفوح منه وتلتصق بالأمكنة والأشياء التي يصلها، بالرغم من أن ذلك كان يستوجِب التخلُّص من التيس، إلا أن اقبال الناس و الجيران عليه فحلاً لأغنامِهم، لا يشقُّ له غبار، قد غفر له، وجعل مسألة وجوده ضمن المراح في البيت مسألة حياة أو موت بالنسبة للحاجة زهرة وجيرانها المستفيدين من خدمات التيس الأشعث!
قبل مجيء حاجة زهرة وأسرتها إلى العاصمة، كانت خدمات التيس مجانيّة تماماً، ولكنها صارت بمقابل عندما بدأ أصحاب مزارع الأغنام يطلبون وده لأغنامهم، ويسترجُون خدماته لقطعانهم، في العاصمة، ثم تطوَّر الأمرُ ليشمل خدمات التيس المقدمة لغنيمات الجيران…
وكانَ زُوارها، من أهلِ قريتها الأم، لا يخفُون استغرابهم من ذلك، بل ويبدونهُ بهزِّ الرأسِ تعجُباً والهمهمة:
– كمان في تيس بيأجرُوا؟
ثم صممت سناء بنت الحاجة زهرة الكبيرة، بعد الإقبال الكبير على التيس، صيغة تعاقد بين أمها (المالك) وأصحاب المزارع (المستفيد)، كان يوصِّف شروط الخدمة وما للتيس وما عليه أثناء تواجُده بهذه المزرعة أو تلك فحلاً غازياً لقطعان أغنامِها الحائلةْ.
وصار التيس أهم الموجودين في البيت، وتفوق ريعه على مجموع دخول أفراد الأسرة من بني البشر، وسطت حاجة زهرة على السلطة في البيت بموجب هذا الدخل العالي، وفرّت أجنحتَها فَوق كلِّ صغيرةٍ وكبيرة من شُئون إدارة المنزل وتصريف الأمور فيه… وبلغ الأمر أن تضايق العم إبراهيم، رب الأسرة، يوماً من وجود التيس، فقال منفعلاً:
يا أنا يا التيس في البيت دة…
– التيس… على الأقل فيهُو الفايدة و منُّو الرجا!
وذهل عم إبراهيم، إذ لم يتوقع أن يخسر، يوماً ما، المنافسة مع التيس الأبله في أي مضمار من مضامير الحياة، ناهيك عن وجودهِ في البيت الذي ابتناه، ووسط أسرته التي شيد أعمدتها في مسيرة عمر، بالذات!
وكان نفوذ التيس وصيتُه يذيع، بحيثُ صار جُلَّ من يطرقُون باب بيت الحاج ابراهيم إنما يقصدون التيس دون باقي السكان و يسألون عنه، وكانت العفاريت تركب العم إبراهيم كل ما سأله طارقٌ على الباب:
– يا عمُّو!… أبوي قال ليك التيس موجود؟
ويجيءُ في المساءآت إسماعيل سيد الدُّكَّان يحملُ وعاءً به موية الفول، للتيس الذي يعشقه بسبب أنّه يذكرهُ بمراحه الكبير من الأغنام في دياره بغرب السودان، ويمد الوعاء للعم ابراهيم المُغتاظ، بل المتميزُ غيظاً، وهو يقول له مُبتسماً:
– الموية دي، أدوها للتيس يشربا الصباح…
ويُضيف:
– ما شاء الله تيس حُر!
وتتقافز العفاريت في رأس العم ابراهيم فيفكر إنه ما دام من المستحيل أن يتخلص من التيس بالذبحِ أو البيع، فكَّر في أن يخصيه، ويحوله إلى عاطلٍ عن العمل شأنه شأن الكثيرين من أبناء الحي البشريين.
ولكنه لم يجروء على الإستغراق ومجرّد التفكُّر في هذه الجريمة التي لا تشبهه و لا تتسق مع طبعه السمح وروحه الودودة.
والتيس يُواصل أداء مهامهِ بكفاءة، مستمريءً إلتهامه للأعلاف الجيدة وبرسيم وأبا سبعين المزارع، ويشرب مويه فول دكان عم اسماعيل في الصباحات،غير عابيء بغيظ وغضب عم ابراهيم اللذين بلغا شأواً بعيداً و أقلقا أمانه الأسري، وضعضعا وضعه المستقر.
وهكذا رفلَ التيسُ في النعيم، لفترة، يسرح ويمرح في المزارع وسط إناث القطعان، أو في الزرائب الملحقة بالبيوت في الحي، و ملأ نسله الدُّنيا، ولكنه صار يتطاول بأن باتَ يرضع الغنم بعد أن يعشرهن، ويتعدى على الحليب الذي يعول أصحابُ المزارع على تسويقهِ وبيعهِ في الحُصُول على المال.
وفي البداية ربطوا فمه بخرقة، ولكنها لم تُجدِ فتيلاً، فربطوا على فمه بلجامٍ من الجلد كان كفيلاً، بالإضافة إلى الخَراطِي على ضروع الأغنام، كان كفيلاً بمنعه من الرضاعة المُتطفلة من أغنام الحي وقطعان المزارع.
وصارت لبلبته، بسبب اللجام، صارت خفيضة أثناء وفي مُقدمات العُشار مدفُوع القيمة، عيناً أو نقداً في أغلب الأحــــوال!
ولكن، دارت عليه الأيّام، ولم تدُم له النِّعمة بعد ذلك طويلاً، إذ سرعان ما حلَّ صفُّور، ابنه من أغنام زريبة فطُّومة، حلَّ مكانه من حيثُ الصيت والسُّمعة الحسنة والكفاءَةِ في العُشار… ونفاهُ.
ورُويداً رُويدا، أفلَ نجمُهُ، ثم نسى الناسُ أمرَ التيس الأب بعد عزٍ و مجد: تيس الحاجَّة زهرة!

amsidahmed@outlook.com
//////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً