تَحْسِين البِيئَة السِيَّاسِية والامْنِية شَرط إستِباقي لإنْعِقَاد الإنْتِخَابَات (3/5)  .. بقلم: د. سَامِي عَبد الحليم سَعيد 

ثالثا: خَلق البِيئَة المُواتية
في الحلقة الثالثة هذه، نتناول مَوضوع جديد، و هو مَوضُوع تَحسين البِيئَة السِيَّاسِية و الأمنية كَمدخَل للأعلان عَن إنعقاد الإنْتِخَابَات العَامة في السُودان. هذا الجَانب مُهم لكونِه يِتصل بِعملية استدامة الدِيمُقْراطِيَّة، و يتصل بالأمن الاجتماعي و كذلك بوحدة النسيج الاجتماعي. إن الكثير من الإنْتِخَابَات التي شهدتها القاَرة الافريقية، و إنتهت الى نتائج كارثية و ذلك بِسبب ضُعف التَحليل المَنطِقي للظُروف السِيَّاسِية و الامنية و المَخاطر المُتصلة بِعملية إدارة الإنْتِخَابَات في ظروف الإنْتِقَال من الحُروب و النزاعات و الكَراهِية السِيَّاسِية.
خَلق البِيئَة المُواتِية:
في إطار التَفكير الاستراتيجي لِبناء نَظَامْ سياسي مستقر، يسهم بدوره في بِناء الوحدة الوطنية و السَلامْ و التَنمية المُستدامة، يَتطلب إتخاذ مَسألة تَنظِيم الإنْتِخَابَات العَامَة في السُودَانْ، في إطار تنفيذ ذلك التَفكِير الإستراتِيجي. تَمر المُجتمعات الإنْتِقَالِيّة، كما هُو الحَال في السُودَانْ، بظروف مُعقدة و مُتشابكة، سِياسياً و إجتماعياً و إقتصادياً، و لِتجاوز تلك العَقبات، لا يَستقيم إلا وضع تَصورات لِمُستقبل البِلاد، في إطَار تَفكير شَامِل يُساعد السُودَانْ و شعبه في بناء مستقبلهم بالطريقة المثلى، و يضمن وجودهم الفعال في إطار بناء السَلامْ الشَامل و الاستِقرار السِيَّاسِي و التعافي الاقتصادي .  يَتطلب إجْراء إنتِخَابَات ذات مِصداقِية ، بِيئة مُواتية توفر المُمارسة الكَاملة لحُريات تَكوين الجَمعيات  و الاحزاب والتجمع والتَعبير. منذ سُقُوط نَظَامْ عُمر حَسن البَشير، ظلت تَتصاعَد الاصوات مُطالبةً بعمل مَجموعة مِن الاصلاحات التَشرِيعِية، و التي بِمقدورها ان تَساهم في تَحْسِين فَضاء الحُريات، و تُيَسِر الإنْتِقَال الديمُقراطِي في السُودَانْ.  إن تَرسانة القَوانِين التي تُحِد من الحُريات، المَوروثة مِن النَظَامْ السَابِق، و التي كانت كلها مُخالفة لمَعايير اتفاقيات حقوق الانْسان، حَسب تقارير مَكتب المَفوض السّامي لِحُقُوق الانْسَان.  إن مِثل هذه الإصْلاحات ، بِمَا في ذلك البِيئَة الإعْلامِيّة وإزالة القِيود المَفروضة على عمل المُجتمع المَدني في جَميع أنْحَاء البِلاد ، سَتكون ضرورية حتى يتم خلق البِيئَة المُواتية و التي تَساعِد كل الاطراف على المُشاركة في هَذه الإنْتِخَابَات.  إذن الإنْتِخَابَات لا تبدأ و لا تنتهي بِعَملية الاقْترِاع و الفَرز، بل هي عملية متكاملة لا يمكن الاعْتراف بها كإنتخابات دِيمُقْراطِيَّة إلا بإزالَة كُل القِيُود التَشرِيعِية التي تُحِد مِن مُمارسة المُواطنين لِحَقهم في رسم سِياسات الإنْتِخَابَات، و إخْتيار إدارتها المُؤهلة، و مُراقبتها و رصدها، و المُشاركة في التَصويت و الانْتخاب و الترشُح للمَناصِب الرسمِية.   إن الحُكم على مُصداقِية و نزاهة الإنْتِخَابَات يبدأ  منذ المراحل الأولى و قبل البدء في عَمليات الترشح و الاقتراع.  إن قياس البِيئَة المُحيطة، ظل على الدوام مُؤشر حَقيقي لِنزاهة و دِيمُقْراطِيَّة الإنْتِخَابَات، إذ تُجرى اليوم في العَالم مِئآت الإنْتِخَابَات ، على مُستويات مُختلفة، و لكن القليل جداً مِنها تلك الذي يتم في سِيّاق ديمُقراطي مُتكامِل.  بِجَانب مَسألة الاصْلاحَات التَشرِيعِية، تنعكس سُلوكِيات السُلطات العَامَة، سِلبياً او إيجَاباً على قِياس درجة مُواءمة الفَضاء العَامْ مَع مُتطلبات إجراء إنتخابات حُرة و نَزيِهة. كما كاَن فَرض عَمليات إغْلاق الهَاتِف و قَطع خَدمات الإنترنت مُؤخرًا انتهاكًا لِحُقُوق الإنْسان السُودَانْية التي لا ينبغي السَماح بها فِيما يتَعلق بِالفِترة الإنْتِخَابِيّة .
و من ضِمن الشُروط الاسْتِباقية لإنْعِقَاد الإنْتِخَابَات، هو إنجاز التَوافُق السِيَّاسِي بين أهم عَناصِر العَملية السِيَّاسِية، و هذا التَوافُق يَتطلب ان يِشمل التَوافق بِخصُوص النَظَامْ الانتخابي و تكوين المَفوضِية التي ستقود العملية الإنْتِخَابِيّة. و أهمية هذا تَكمُن في أن عَملية التَراضِي تَعكس القُبول بالإجْراءات المُتبعة. و لن يتاتى مِثل هذا القُبول الا من خِلال مُشاركة جَميع الاطراف المَعنية في كل عَمليات الإنْتِقَال و بِشفَافِية.
مَوضُوعات التأمين و التَعايش السِلمي
للإنْتخَابات صِلة مُباشرة بِعملية بِناء السَلامْ، لانها عَملية تتصل بشكل أساسي بِمسالة التَوافُق الاجْتمَاعي حَول العَملية السِيَّاسِية بِصُورة سِلمِية. تِتَطلب المُشاركة الدِيمُقْراطِيَّة في الإنْتِخَابَات ، أن يشعر الشعب السُودَانْي بأنه يعيش في بيئة تسمح له بمُمارسة الحُريات السِيَّاسِية بِدون قُيود. و حُرية مُمارسة الحُقوق و الحُريات السِيَّاسِية مَسألة تَتطلب تَوفير الامن، من خلال وجود مُؤسسات أمنية حِرفِية. بجانب ذلك من المُهم أن تكون تَدابير السَلامْ قد شَملت كُل أرجاء البلاد، فلا يستقيم ان ينعم بَعض المُواطنين بِحرية إخْتيار مُمثليهم في السُلطة، بينما مَجموعات مُقدرة تُعاني من غِياب الامن و تَخاف من مُمارسة حَقها الديمُقراطي. كانت الوثيقة الدستورية لسنة 2019 وضعت مسالة إنجاز كشرط إستباقي لنجاح الانتقال الديمقراطي، حتى ان الوثيقة نصت على ان يتم إبتدار خطة تنفيذ السلام خلال ستة أشهر من بدء الفترة الانتقالية. إن إستمرار وجُود أعداد من المواطنين في معسكرات خارج الوطن بسبب غياب السلام و الامن، و غياب السلطات الامنية ، كما هو الحال الان في بعض مناطق السُودَانْ، يجعل من العَسير تنظيم الإنْتِخَابَات في مثل تلك المَناطق، و بالتالي يفقد المواطنين حقهم في ممارسة المُشاركة الإنْتِخَابِيّة. كذلك من التحديات التي تواجه السُودَانْ بوصفه دولة مُتعايشة مع النزاعات المُسلحة منذ زمن بعيد، هو إنتشار السلاح خارج نطاق المؤسسات الامنية الرسمية، مما يهدد بصورة واضحة عملية الإنْتِخَابَات الحُرة النزيهة، لان السِلاح في مَراحل التنازع السِيَّاسِي يَكون مُهدِد كَبير لِسلمية ذلك الصِراع السِيَّاسِي و مع ضُعف بِنية الدولة و مُؤسساتها، يَتم حَسم أي نِزاع سِياسي باللجُوء للعُنف الذي يَتم استخدام السلاح فيه بِصورة تِلقائية.  في حَالة الاعلان عن إنْعِقَاد الإنْتِخَابَات في زَمن مُعين من المُهم، و بصورة إستباقية،  وضع خُطة أمْنية شاملة للانتخابات، يتم وضعها وتنفيذها من قبل الشرُطة السُودَانْية ، التي ينبغي أن تؤدي إلى توفير الأمن الانتخابي ؛ لا شك، سيستغرق تَطوير الخُطة الأمنية ثم التدريب على تنفيذها بعض الوقت.
من الموضوعات المُهمة في إدارة الإنْتِخَابَات، أن يَكُون هُناك آلية وطنية لِحل النِزاعَات الإنْتِخَابِيّة. في بَعض الدُول الدِيمُقْراطِيَّة، و التي فِيها نَظَامْ إنْتخابي راسِخْ تَكُون السُلطة القَضائية هي الآلية التي تَقوم بِحل النِزاعات الإنْتِخَابِيّة. و لَكِن في السُودان ظَلت السُلطة القضائية طِيلة فترة الحُكم الدِكتاتُوري، تتعرض لِسياسة مُنظمة من الاستِغلال و التدجين، و حَتى تَستَعِيد دورها في فَض النزاعات الانتخابية بنزاهة، يتطلب إجراء إصلاحات تشريعية و مُؤسسية واسعة على النظام القضائي في السُودان. إن ضعف الثقة في النَظَامْ القضائي المَوروث لا ينعكس فَقط في الاشخاص من قضاة و مَوظفين في الحَقل القَضائي، بل تنسحب أيضاً على القَوانِين و النظم الناظمة لعملية التقاضي. و لضمان السَلامْ الانتخابي و ضمان نزاهة العملية الإنْتِخَابِيّة من المُهم الاتيان بآلية يَثق فيها المتنافسين في العملية الإنْتِخَابِيّة. و أيضاً من المُهم في هَذا الصَدد إجراء تَعْديلات تَشرِيعِية و اصلاحات مُؤسسية في نَظَامْ الشَكاوي و الاستئنافَات و الطُعون الإنْتِخَابِيّة.
تَحْسِين ظُروف المُشَاركة السِيَّاسِية:
حتى يتوفر الأيمان بدور الإنْتِخَابَات، و ينمو الاعتزاز و التقدير بالعملية الدِيمُقْراطِيَّة، سيكون من المُهم توفير بيئة تُشجع و تُساعد كل ابناء و بنات الشعب، من لهم الحق في المشاركة في الإنْتِخَابَات، أن يمارسوا ذلك الحق دون أدنى قيود. لقد ظلت مجموعات كبيرة ترفض المشاركة في الإنْتِخَابَات، بل العديد منها ظل يقاطع الإنْتِخَابَات لعدم الثقة في نزاهة الإجْراءات أو لكونها تنعقد في ظل نَظَامْ دكتاتوري و قمعي. إذا كان عدم المشاركة ذلك ناتج عن رغبة في عدم المُشَاركة لموقف سِياسي من النَظَامْ الانتخابي المتبع او في النَظَامْ السِيَّاسِي الذي يتحكم في المنظومة السِيَّاسِية و في اجهزة الحُكم، إلا أنه في العديد من الحالات يكون عَدم المُشَاركة ناتج عن ظُروف مَوضوعية، قد تكون ظُروف اقْتصادية، او إجْتماعية أو سِياسية ، او حتى صِحية.  ظلت مَجموعات من المواطنين يَعَانُون من التهميش في المُمارسة الإنْتِخَابِيّة، مثل النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والمجموعات البدوية والنازحين واللاجئين، بجانب المجموعات التي لم تحظى بالتعليم . إن التفكير في إدماج هذه المجموعات، من خلال إجراء إصلاحات تَشرِيعِية و مؤسسية أو من خلال التوعية و التدريب، يتطلب إتخاذ سياسات قومية واضحة و صارمة لمصلحة تلك الفئآت التي ظلت مهمشة لفترات طويلة.  يمكن تكليف مفوضية الانتخابية لدراسة أفضل الوسائل لدمج هذه المجموعات في تخطيطها وأنشطتها ، ستحتاج اللجنة إلى وقت للتشاور وفهم احتياجاتها بالكامل. تستغرق بعض الاستراتيجيات لضمان الإدماج – مثل توفير خدمات تسجيل الناخبين والتصويت خارج البلاد ، وتوعية الناخبين والمعلومات بشكل عام – وقتًا ومالًا لتقديمها. و بالتالي تقف هذه الجزئية كحالة واقعية تستدعي إعادة التفكير في تحديد موعد لإنْعِقَاد الإنْتِخَابَات إلى حين ايجاد آليات تضمن المشاركة الفعالة لكل المواطنين في الانتخابات العامة.
advosami@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً