د. صلاح أحمد الحبو
في أحد المجالس السودانية، شكا رجل من ضيق الحياة وتراكم أعبائها، فربت صديقه على كتفه قائلاً: «يا زول، أصبر، الدنيا دي ما دايمة على حال». لم تكن العبارة جديدة، فقد سمعها الرجل عشرات المرات، وربما قالها لغيره في مناسبات مشابهة. لكنه هذه المرة تساءل في صمت: لماذا نملك دائماً ما يكفي من الحكمة لاحتمال الأشياء، ولا نملك القدر نفسه من الجرأة لتغييرها؟ ولماذا تتحول الكلمات التي تمنحنا القدرة على مواصلة الحياة إلى أسباب خفية لاستمرار ما يجعلها شاقة؟
ذلك السؤال يفتح باباً للتأمل في واحدة من أكثر المفارقات حضوراً في الثقافة الإنسانية، وفي التجربة السودانية خصوصاً: ثقافة الاحتمال، حيث لا يعود الصبر مجرد فضيلة أخلاقية، وإنما يتحول تدريجياً إلى طريقة في التفكير، ونظام لتفسير المعاناة، وأحياناً إلى بديل عن الفعل.
لقد احتل الصبر مكانة عميقة في الوجدان السوداني، متداخلاً مع الموروث الديني والتقاليد الاجتماعية وتجارب الشدة والتكافل. وكان قوة أخلاقية مكّنت الناس من مواجهة الفقر والفقد والنزوح وتقلبات الحياة. وليس من الإنصاف انتقاد هذه الفضيلة دون الاعتراف بأنها حفظت تماسك أسر ومجتمعات حين تراجعت المؤسسات وضاقت الخيارات. لكن السؤال النقدي يتعلق باللحظة التي ينتقل فيها الصبر من وسيلة لمواجهة الشدائد إلى ثقافة للتعايش الدائم معها.
ففي مجتمعات كثيرة، يُربّى الإنسان على احتمال الواقع أكثر مما يُربّى على مساءلته. يتعلم الطفل أن «الكبير كبير»، وأن الاعتراض قلة أدب، وأن الشكوى لا تغير شيئاً، وأن «الحاصل حاصل». ومع الزمن تتحول هذه العبارات إلى قناعات تحدد علاقة الفرد بالسلطة والعمل والأسرة. وهكذا يصبح الاحتمال مهارة اجتماعية مكتسبة، بينما يبدو التغيير مخاطرة تهدد الاستقرار والعلاقات.
في علم الاجتماع، تساعدنا فكرة «الهابيتوس» عند بيير بورديو على فهم تحول الخبرات المتكررة إلى استعدادات سلوكية تبدو طبيعية. ويصفها بأنها «منظومات من الاستعدادات الدائمة والقابلة للانتقال» [1]، في إشارة إلى الكيفية التي تعيد بها الظروف الاجتماعية إنتاج أنماط التفكير والممارسة. وحين تعتاد جماعة مواجهة المشكلات بالصبر وحده، يصبح احتمالها سلوكاً متوقعاً، بينما يُنظر إلى تغييرها باعتباره خروجاً على المألوف.
غير أن الصبر ليس نقيضاً للتغيير بالضرورة. ففي الفلسفة الرواقية، يقرر إبكتيتوس أن «بعض الأشياء تقع ضمن قدرتنا، وبعضها لا يقع ضمنها» [2]. لكن المشكلة تبدأ عندما يتسع نطاق ما نعتبره خارج قدرتنا حتى يشمل ما يمكن إصلاحه بالفعل. عندئذ لا يعود التسليم حكمة، وإنما يصبح تنازلاً غير معلن عن المسؤولية. فليس كل ما اعتدنا عليه قدراً، ولا كل ما طال بقاؤه يستحق الاستمرار.
ولعل العبارة السودانية «خليها على الله» تكشف جانباً من هذا الالتباس. فهي تعبير عن التوكل والثقة، لكنها قد تُستخدم لإغلاق نقاش كان ينبغي أن يبدأ، أو لتبرير تقاعس يستوجب المساءلة. وليس الخلل في العبارة ولا في معناها الإيماني، وإنما في استخدامها بديلاً عن التفكير والعمل. فالتوكل الذي يعفي الإنسان من واجب الفعل يتحول إلى استسلام يرتدي لغة الفضيلة.
وتتجلى ثقافة الاحتمال في المؤسسات أيضاً. فالموظف الذي يحتمل سوء الإدارة سنوات قد يُوصف بأنه صبور ومخلص، بينما يُنظر إلى زميله المطالب بالإصلاح باعتباره كثير الشكوى. وفي الأسرة، يُحتفى بمن يتحمل الأعباء بصمت أكثر ممن يسعى إلى توزيعها بعدالة. وفي المجال العام تصبح القدرة على التكيف مع الخلل موضع إعجاب، بدلاً من مساءلة أسباب استمراره.
هنا تظهر إحدى أخطر وظائف الثقافة حين تتداخل مع علاقات القوة: تحويل المعاناة من مشكلة تستوجب المعالجة إلى فضيلة يُطالب أصحابها بالمحافظة عليها. فحين يصبح الصبر واجباً على الضعفاء وحدهم، بينما يحتفظ الأقوياء بحق اتخاذ القرارات، فإننا أمام توزيع غير عادل لتكاليف الواقع. ويتقاطع ذلك مع نقد باولو فريري للنزعة القدرية التي تجعل الواقع يبدو ثابتاً، بينما يؤكد أن الواقع الاجتماعي قابل للتحول بالفعل الإنساني الواعي [3].
وليس هذا النقد دعوة إلى التمرد الدائم أو إنكار قيمة الاحتمال؛ فبعض الأزمات تستلزم صبراً طويلاً وشجاعة هادئة. لكن الصبر الواعي يختلف عن الاستسلام الموروث؛ الأول يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار حتى تتوافر شروط التغيير، والثاني يقنعه بأن الاستمرار هو التغيير نفسه.
لقد أظهرت التجربة السودانية قدرة استثنائية على الاحتمال، لكنها كشفت أيضاً الكلفة الإنسانية لتحويل الاحتمال إلى نمط حياة. وربما كانت الحاجة اليوم إلى إعادة تعريف الصبر، لا باعتباره قدرة غير محدودة على تحمل الأذى، وإنما قوة أخلاقية تساعد الإنسان على مقاومة اليأس دون التصالح مع أسبابه.
فالمجتمعات لا تتقدم لأنها تحتمل كل شيء، وإنما لأنها تتعلم التمييز بين ما ينبغي احتماله وما يجب تغييره. والفضائل التي تحفظ بقاء الإنسان لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات تمنعه من تحسين شروط هذا البقاء.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه كلما سمعنا عبارة «أصبر يا زول»، ليس عن مقدار ما تبقى لدينا من قدرة على الاحتمال، وإنما عن مقدار ما فقدناه من شجاعة السؤال.
فالصبر فضيلة حين يعيننا على عبور المحنة، لكنه يصبح عبئاً حين يحول المحنة إلى إقامة دائمة. وما يحتاجه الإنسان ليس دائماً مزيداً من القدرة على تحمل الحياة، بل أحياناً شجاعة أن يسأل: لماذا ينبغي أن تظل الحياة على هذا النحو؟
الهوامش والمراجع
[1] بورديو، بيير (1977). الخطوط العريضة لنظرية الممارسة، جامعة كامبريدج، ص 72–95.
[2] إبكتيتوس. المختصر (الدليل)، الفصل الأول، في التمييز بين ما يقع ضمن قدرتنا وما يخرج عنها.
[3] فريري، باولو (1970). تعليم المقهورين، في نقد النزعة القدرية ودور الوعي النقدي في تغيير الواقع الاجتماعي
