تأمُلات
كمال الهِدَي
سمعت وقرأت العبارة أعلاه: ” جايين بحقنا”، أو ” عايشين بحقنا”، من بعض أهلنا السودانيين الذين شردتهم الحرب لبلدانٍ مثل مصر وأوغندا وغيرها، وكثيراً ما استفزتني هذه العبارات.
ومع صمتنا المعتاد تجاه السلوكيات الخاطئة والتصرفات الشاذة التي تصدر عن بعض الأفراد، اتسع تداول مثل هذه العبارات ليصل إلى بلدان خليجية، ومنها سلطنة عمان، كلما وجه بعضنا نقداً لسلوكيات (بعض) من لجأوا إلى هذه البلدان بسبب الحرب اللعينة.
بالأمس وصلتني مادة تتناول بعضاً من الجرائم والسلوكيات المرفوضة لأفراد سودانيين في السلطنة، وكالعادة لجأت واحدة ممن علقوا على الأمر للعبارة المستفزة “جايين بحقنا” كنوع من التبرير، فبيننا من يتمردون على النظم والقوانين وينكرون الحقائق، ويتلذذون بمجاملة بعضهم البعض على حساب المبادئ والقيم وكل شيء.
بدءاً، لابد أن يفهم مُرددو مثل هذه العبارات أنها أكبر دليل على تراجع (بعضنا) وتخلف مفاهيمهم في العقود الأخيرة، بل وحتى قبل الحرب نفسها.
ففي زمنٍ مضى، كنا نتباهى بعلم وكفاءة وخبرات ودماثة خلق من سبقونا، ونقول إنهم ساهموا بذلك العلم الوفير والفهم الإداري العالي، والخبرات المهنية الراقية في نهضة بلدان شتى.
أما مؤخراً، فقد صرنا نكابر لدرجة أن الواحد منا تُشرده حرب (بليدة)، فيلجأ إلى بلدان الآخرين، وعوضاً عن شكرهم على استضافتنا، تجد هناك من يرددون مثل هذه العبارات التي لا تقدم مبررات حقيقية.
وهب أن كل مشردٍ من هذه الحرب لجأ إلى أي من البلدان حاملاً معه ملايين الدولارات، فهل يمنحه ذلك الحق في خرق قوانين ونظم وضوابط البلدان التي لجأ إليها؟ أو أن يضرب بعرض الحائط تقاليد وأعراف شعوب هذه البلدان، ويحاول فرض أسلوبه وطريقته في العيش؟!
الدول المضيفة، ومنها سلطنة عمان، لا تتساهل في التعامل مع المتفلتين ومن يتجاهلون نظم وتقاليد شعوبهم. ومنذ قدومنا إلى هذا البلد العريق قبل عقودٍ خلت، وجدنا في عقود العمل نفسها – كأمر طبيعي – ما يشير إلى ضرورة امتثال المُتعاقد للقوانين والنظم واحترام تقاليد وأعراف شعب هذا البلد.
فكيف تتوهم، يا من شردتك الحرب في بلدك، أن أموالك – وإن كثرت – ستمنحك الحق في التجاوز والإخلال بأمن البلد المُضيف، أو الإساءة إلى شعبه بأي شكل من الأشكال أو فرض شروطك؟
الشعوب المتحضرة، عندما تدفع أفرادها الظروف للإقامة ببلدان الآخرين، لابد أن يلتزموا التزاماً تاماً بما يجدون عليه أهل البلد الذي يستضيفهم. هذا في الظروف العادية، فما بالك بمن يلجأ إلى هذه البلدان بحثاً عن الأمان الذي افتقده في وطنه الأم! ونحن شعب صاحب حضارة ضاربة في جذور التاريخ، فلنستلهم ماضينا التليد، ولنحارب الظواهر السالبة التي أخذت منا الكثير بدلاً من هذا النكران والمكابرة، حتى لا نضر بصورة بلدنا ومواطنيها أكثر مما فعلنا.
ثمة جدل يثيره البعض أيضاً بقولهم: “تنسبون كل سلوكٍ سيء إلى من شردتهم الحرب وكأن من سبقوهم إلى بلدان الآخرين كانوا ملائكة.”، والحقيقة أننا جميع بشر نخطئ ونصيب، وليس بيننا ملائكة. لكن مما لا شك فيه أن للحرب إفرازاتها السلبية التي أثرت في سلوكيات الكثيرين، سواءً ظلوا داخل السودان أم لجأوا إلى بلدان أخرى.
والناظر إلى عدد وأنماط جرائم وسلوكيات السودانيين قبل الحرب وبعدها، سيجد أن الفارق كبير، وأنه تغير ملحوظ لا تخطئه عين مُتأملة. فقد زادت بعض الجرائم والسلوكيات المرفوضة بشكلٍ واضح، لا يمكن انكاره.
فدعونا نكون صريحين وصارمين في تناول ظواهرنا السالبة، حتى لا نعطي الآخرين انطباعاً بأننا نراها طبيعية على الأقل. فهي ليست طبيعية، بل شاذة ولم تكن مألوفة منا فيما مضى، ولذلك لابد من رفضها وانتقاد أنفسنا بقدر من الشجاعة والجدية.
kamalalhidai@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم