الرشيد جعفر علي
26 فبراير 2024
الهزيمة ليست دائمًا تلك التي تتكبدها الجيوش في ميادين القتال، بل الهزيمة الحقيقية هي الهزيمة الداخلية؛ حين تتآكل نفوس الناس، وتنهار معنوياتهم تحت وطأة الخوف والقهر والإذلال. وتبلغ هذه الهزيمة ذروتها عندما يتحول من يفترض أنهم حماة الوطن إلى مصدر تهديد لمواطنيه.
لم يكن ما جرى مفاجئًا بالكامل. فقد سبقت الحرب إشارات وتصريحات علنية عكست طبيعة ما سيحدث لاحقًا، حتى بدا وكأن ما نعيشه اليوم هو امتداد لتلك النذر المبكرة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التصريحات إلى واقع ملموس: أحياء خالية، منازل مفتوحة، وسكان أجبروا على المغادرة، تاركين وراءهم كل ما يملكون.
لم يكن النزوح خيارًا بقدر ما كان نتيجة حتمية لتصاعد الانتهاكات. خرج الناس في جماعات أو فرادى، يواجهون طرقًا محفوفة بالمخاطر، بحثًا عن ملاذ آمن داخل البلاد أو خارجها. لم يكن الدافع خوفًا مجردًا، بل شعورًا بانعدام الحماية وغياب أي جهة يمكن أن توفر الحد الأدنى من الأمان أو التوجيه.
في ظل هذا الفراغ، برزت أزمة القيادة بشكل واضح. غابت مؤسسات الدولة، وتراجع دور الفاعلين السياسيين في لحظة كانت تتطلب حضورًا فاعلًا ومسؤولية مباشرة تجاه المواطنين. ترك الناس لمصيرهم، يواجهون واقعًا معقدًا دون دعم أو إرشاد، في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى صوت يوجّه ويطمئن.
على الأرض، ومع دخول الشهر الرابع، تصاعدت وتيرة السرقات بشكل ملحوظ. بدأت المنازل الخالية تُفتح في وضح النهار، ثم امتدت العمليات تدريجيًا لتشمل منازل مأهولة. حاول بعض السكان اتخاذ إجراءات بسيطة للحماية، مثل إغلاق الأبواب بإحكام أو تعطيل السيارات لمنع سرقتها، لكن هذه المحاولات لم تكن كافية أمام مجموعات منظمة تمتلك الوسائل والخبرة.
في المراحل الأولى، كان هناك قدر من التجنب للمنازل التي لا يزال سكانها بداخلها، مع ترديد عبارات تطمينية مثل “لا مشكلة لنا مع المواطنين”. لكن هذا الواقع لم يستمر طويلًا. لاحقًا، أصبحت المنازل—سواء كانت خالية أو مأهولة—عرضة للدخول والتفتيش، وأحيانًا النهب.
شهد الحي أولى عمليات الاقتحام الليلية بشكل واضح عند الساعة الثانية صباحًا. أصوات إطلاق النار وكسر الأبواب كانت كافية لإيقاظ الجميع. في تلك اللحظة، أصبح واضحًا أن المرحلة الجديدة قد بدأت، وأن البقاء في المنزل لم يعد يوفر الحماية الكافية.
في صباح اليوم التالي، تبيّن أن أحد المنازل المجاورة قد تم تفريغه بالكامل. وصلت مركبات لنقل الممتلكات، وتم إخراج ما يمكن حمله خلال وقت قصير. تكررت مثل هذه الحوادث، وأصبحت جزءًا من المشهد اليومي.
في إحدى المرات، حاول عدد من شباب الحي التدخل لمنع سرقة سيارة من أحد المنازل. اجتمع نحو خمسة عشر شابًا، ودار نقاش حول كيفية التصرف. طُرحت فكرة المواجهة المباشرة، لكنها رُفضت لعدم تكافؤ القوة وخطورة التصعيد. تم الاكتفاء بمحاولة التفاوض، التي لم تنجح، لينتهي الأمر دون القدرة على منع عملية السرقة.
لم يقتصر التوتر على المنازل، بل امتد إلى المساجد والمرافق العامة. في حادثة أثناء صلاة الظهر، أطلق أحد المسلحين النار في الهواء قرب المسجد، ظنًا منه بوجود تهديد. تسبب ذلك في حالة من الهلع بين المصلين، قبل أن يتضح لاحقًا عدم وجود خطر مباشر. تكررت حوادث مشابهة، خاصة مع ازدياد وجود المسلحين في المباني المجاورة.
في محاولة لتقليل الاحتكاك، سعى بعض السكان إلى بناء قنوات تواصل محدودة مع عناصر الارتكازات القريبة، بهدف توضيح أنهم مدنيون يقيمون في المنطقة فقط. في بعض الحالات، ساهم ذلك في تخفيف حدة التعامل، خاصة مع أفراد أبدوا قدرًا من التفهم. لكن المشكلة كانت في التبديل المستمر للعناصر، حيث كانت كل مجموعة جديدة تأتي بأسلوب مختلف، ما يعيد حالة التوتر من جديد.
في إحدى هذه المواقف، تم إيقافي عند أحد الارتكازات أثناء عودتي إلى المنزل، وسط إطلاق نار من جهة أخرى. تم التعامل معي بشك، واتهامي بأنني قد أكون عنصرًا تابعًا للطرف الآخر. حاولت توضيح أنني من سكان الحي، وذكرت أسماء بعض المسؤولين في الموقع لتأكيد ذلك. بعد توتر قصير، تدخل أحد القادة وتم الإفراج عني.
في تلك اللحظة، أصبح واضحًا أن البقاء لم يعد ممكنًا على المدى الطويل. لم تعد المخاطر استثنائية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. ومع هذا الإدراك، بدأت الاستعداد لمغادرة المنزل، بجمع ما يمكن حمله من مقتنيات أساسية، انتظارًا للحظة الرحيل التي بدت حتمية.
sudanelrasheed@gmail.com
