الرشيد جعفر علي
3 مارس 2024
سنكتب مراثي هذا الوطن بأيدينا، ونحفظ وجعه في الذاكرة، كما نحمله في تفاصيل أيامنا. ما جرى لم يكن مجرد أحداث عابرة، بل تجربة قاسية كشفت كثيرًا من أوجاعنا العميقة، وأعادت طرح أسئلة مؤجلة حول ما أوصلنا إلى هذا الحال.
مع تزايد دخول قوات الدعم السريع إلى المربع، تصاعدت عمليات الاستيلاء على سيارات السكان، حتى تلك التي حاول أصحابها إخفاءها داخل المساجد لم تسلم. كانت سيارات الدفع الرباعي هدفًا رئيسيًا، يُبحث عنها بشكل مباشر، بل وصل الأمر أحيانًا إلى سؤال السكان عنها مقابل مبالغ مالية، في محاولة لاستمالتهم أو إشراكهم بشكل غير مباشر.
أحد جيراننا كان يمتلك سيارة “بوكس” أصبحت هدفًا متكررًا. كان يتم رصدها عبر التسلل إلى المنازل أو تسلق الأسوار، في مشاهد صعبة ومحرجة حتى لمن يشاهدها دون أن يكون طرفًا فيها. ما حمى السيارة في البداية هو وجود الأسرة داخل المنزل، إذ كان هناك—في بعض الحالات—تجنب للدخول إلى البيوت المأهولة، خاصة إذا كانت بها نساء أو كبار في السن.
لكن هذا لم يكن ضمانًا دائمًا. كانت المجموعات تتغير باستمرار، ومع كل مجموعة جديدة تختلف أساليب التعامل. ما يتجنبه البعض، لا يتردد فيه آخرون. ومع تكرار المحاولات، أصبح من الواضح أن بقاء السيارة في مكانها لم يعد خيارًا آمنًا.
اتفقنا مع صاحبها على نقلها إلى منطقة أقرب إلى مواقع تمركز الجيش، حيث يُتوقع قدر أكبر من الأمان. لم تكن المهمة سهلة. احتجنا إلى إصلاح السيارة أولًا، بتوفير بطارية، وتركيب بعض الأجزاء التي أُزيلت، ثم اختيار توقيت مناسب للتحرك.
تم وضع خطة بسيطة: أربعة أشخاص يرافقون السيارة، مع مراقبة الطريق والتأكد من خلوه قدر الإمكان. كانت المسافة قصيرة نسبيًا، لكنها محفوفة بالمخاطر، في ظل شوارع مغلقة وتحركات غير متوقعة.
قبل التحرك، تم إخطار أحد ارتكازات الجيش القريبة لتفادي أي سوء فهم. لكن عند الوصول إلى ارتكاز آخر، حدث التباس خطير. أُبلغ الجنود بقدوم “عربة تتبع للدعم السريع”، ما أدى إلى حالة استنفار فوري. في لحظات، كان الجنود في مواقعهم القتالية، مستعدين للتعامل مع تهديد محتمل.
اضطررت إلى الصراخ لتوضيح الموقف: أننا مدنيون نحاول تأمين سيارتنا فقط. ورغم ذلك، ظل التوتر قائمًا حتى تأكدوا من حقيقة الأمر. سرت أمام السيارة حتى موقع الارتكاز، في محاولة لطمأنتهم وتجنب أي تصعيد.
تم ترك السيارة بالقرب من الموقع بعد تفريغ إطاراتها لمنع تحريكها بسهولة. لكن، ومع تغير السيطرة على المنطقة لاحقًا، يُرجح أنها لم تبقَ في مكانها طويلًا.
في اليوم التالي، جاء أحد الأشخاص بحثًا عن السيارة، وعندما لم يجدها، دخل في مشادة مع أحد شباب الحي، انتهت باعتداء عليه وضربه بمؤخرة السلاح، ما تسبب في إصابته ونزيف واضح. وعندما حاولت الاقتراب للاستفسار، أُطلقت رصاصة في اتجاهي، ما اضطرني للعودة سريعًا إلى داخل المسجد.
في تلك اللحظات، كان إدراك الخطر حاضرًا بشكل كامل. لم تعد المسألة تتعلق بممتلكات أو مواقف عابرة، بل بسلامة الإنسان نفسه.
وسط هذا الواقع، لم يبقَ للناس إلا التمسك بما يستطيعون من صبر، والدعاء بأن تنقضي هذه المحنة. فحين تضيق السبل، لا يجد الإنسان ملاذًا إلا في الأمل، مهما كان بعيدًا.
sudanelrasheed@gmail.com
