جبل كسلا المختفي .. بقلم: منصور الصويّم
26 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
ابتكر الروائي الكولومبي الشهير غابريل ماركيز – ومعه روائيون لاتنيون آخرون – حلولا بديعة للخروج من مأزق الواقعية الجافة، تلك التي تنقل الأحداث بشكل صوري مطابق للواقع الحافر بالحافر، أو تلك التي تضل في مسارات تقربها من المباشرة الفجة. فمثلا، لو أراد ماركيز الحديث عن مقتل فتاة بسبب قضية شرف فإنه لا ينقل تفاصيل “العار” وانتقام العائلة بالصورة المعروفة إنما يلجأ إلى حل سحري تماما يحول الفتاة من “داعرة” إلى قديسة؛ مثلما حدث في روايته الشهيرة “مئة عام من العزلة”، حيث ترتفع الفتاة فجأة نحو السماء وتغيب بين الشراشف والملاءات المتصاعدة إلى أعلى إلى أن تختفي تماما.
وفي ذات الرواية يرفع – ماركيز – عدد قتلى مجزرة الموز الشهيرة من ثلثمائة شخص إلى ثلاثة آلاف شخص، وفيها أيضا –الرواية – يستيقظ شخص فجأة ليقرر أن اليوم هو الاثنين، ثم يستيقظ غدا ليقرر أن اليوم هو الاثنين وبعد غد اليوم أيضا هو الاثنين.. الخ.
المدرسة التي ينتمي إليها الروائي الكولمبي ماركيز عرفت بمدرسة الواقعية السحرية، وفيها يتم تغريب الواقع دون الإخلال بعلاقاته الداخلية، أي أن الصورة الفنتازية هنا هي التي تؤدي دور المشرح والناقد لهذا الواقع. هذا حل فني لجأ إليه ماركيز وصحبه للخروج من مأزق الرواية الواقعية، ونجحوا نجاحا صاعقا في مسعاهم هذا، لكن ما الذي كان سيحدث لو أن هذا الواقع كان غرائبيا وفنتازيا بالفعل مثلما يحدث عندنا هنا في السودان؟
لأدلل على هذا الكلام فتأمل فقط عناوين الأخبار خلال هذه الأيام، دعك من أخبار الأشهر والسنوات الماضية، ولأقرب المسافة أكثر سأخذ نموذجين الأول – الأكثر إدهاشا – يحكي عن شركة صينية تعمل في مجال تعدين الذهب يقال إنها اختفت فجأة وتركت وراءها معدات بملايين الدولارات وأن حكومة الولاية لم تكن تعلم عنها شيئا، وأن هناك شبهة في إنها “لفحت” معدنا ثمينا – يورانيوم مثلا – وهربت به من السودان دون أن يحس بها أحد. لكن أكثر ما لفتني في الخبر هذه الفقرة: “ويردد مواطنون روايات أقرب للأساطير والخيال إذ يقولون إن جبلاً كان في المنطقة أخذ يتناقص رويداً رويداً إلى أن اختفى تماما عن الوجود لتختفي معه الشركة.” جبل كامل اختفى، يا للهول.
النموذج الآخر الذي لفتني في أخبار هذه الأيام، خبر عن اختفاء – أيضا – أطنان من السكر بفعل النمل! وعنوان هذا الخبر يكفي فقط حتى نلج العوالم الغرائيية شبه الماركيزية، إذ يقول: “محلية الدندر.. نمل السكر يلتهم 450 جوالا من سكر المواطنين”. بلا شك جشع وبشع ونهم لا يشبع نمل السكر هذ!
السودان رواية غرائبية تتفوق على كل منجز أدب أمريكا اللاتينية، وما سبقه من إنتاج في باب الرواية السحرية.
mnsooyem@gmail.com