جدلية العودة إلى الذات (في الرد على الأستاذ الباقر العفيف) .. بقلم: عبدالله عبدالعزيز الاحمر/روما- ايطاليا
20 مايو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
133 زيارة
أفاض أستاذنا الباقر العفيف في مقاله الأخير تحت عنوان ” و أخيرا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وداعا جدي المنتحل (العباس)”، في الحديث عن خلفية انتماء السودانيين و هي قضي شغلت بال الكثير من المهتمين بقضايا الفكر و المثقفين و حتى عامة الناس، بدون دراية، و قلما وجدت اهتماما علميا من قبل الباحثين.
و الأستاذ العفيف في مقاله المذكور استدل بالعلوم التطبيقية – كما ذكر- في تحليل جيناته الخاصة ليتبين انه يحمل جينات ابعد ما تكون عن العروبة ، و ذلك اتجاه نقره كي نزاوج بين العلوم التطبيقية و نستفيد من كشوفها و العلوم الإنسانية التي تحمل الكثير من الإجابات القاطعة أحيانا في مسائل كالتي تعرض لها استأذنا الكريم.
ما ينبغي أن نشير له – و كاتبنا قد استدل بالعلم في إثبات رؤيته- هو أهمية أن يتخذ حديثه في قضية الانتماء سبيلا علمية لا يحيد عنها، لكن الأستاذ العفيف لم يميز في هذا المقال بين الحديث العلمي الذي يبحث جذور المسائل و بين الحديث العام الذي يتناول السياسة و السياسيين و هم ، في مثل هذه الحال، يمثلون ظواهر عرضية و قضية الانتماء جدلية فكرية لها جذورها في تفكير كل سوداني و سودانية و لها امتداداتها في أدبياتهم المدونة و الشفهية لأكثر من قرنين ما يتجاوز كل الحكومات الوطنية، لذلك يجب ان نؤجل نقدنا العام لسياسات الحكومة السودانية الجهوية التي تحكمنا غصبا الآن، او نفرد له في مقام الاخر.
و الحديث بهذه الطريقة لا يدرس و يركز على الجذور الحقيقة للمشكل و التي تتجاوز حتى أخطاء النخب السودانية التي حكمت بين يدي الاستقلال و اختارت أن تضع عربة السودان في سكة العروبة و أدارت ظهرها لأفريقيا و لانتماء السودانيين لذاتهم!
ذلك حدث و لكنه لا يجب – لو اتخذنا سبيل النقد الرصين و البحث المتأني- ان يصرفنا او يستخفنا او يشوش علينا بحثنا في القضية و ما تمثله في وعي الإنسان السوداني لان تعاطف شانئي الحكومة من العوام و بعض المثقفين مع كل ما يقدح في اهليتها يصرفهم عن دقيق النظر في حقائق الأمر و جذوره التي هي أوسع و أعمق و أقدم من هذه الحكومات المتعاقبة، هذا امر، و الامر الثاني الذي ناخذه على كاتبنا هو عدم تمييزه بين الثقافة العروبية في موروث السودانيين و بين إدعائهم أو إنتمائهم للعرق العربي، و التمييز بين هذين الامرين مهم و ضروري، و أستاذنا العفيف الذي يجهد في بيان خلوه من الجذور العربية عرقا مستغرق جدا في الثقافة العربية و لم يجد من ثقافته التي تمثل عرقه و من ثم تمثل الانتماء العرقي لمجموعته القبلية بل و ثقافات كل الشعب السوداني مثلا يضربه لانجلاء حقيقة انتماءهم غير المثل العربي الضارب في القدم و العراقة ” قطعت جهيزة قول كل خطيب” و من يفهم هذا المثل و يفطن مضاربه لابد و ان يكون متشربا لآداب اللغة العربية و هذا امر هين و لكن اين هي ثقافة القوم التي يصدر منها استأذنا الكاتب، و هذه هي القضية الأهم!
و لقد تكررت هذه الاستشهاد في خاتمة حديثه بقوله ” كالمنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى” فانظر يرحمك الله كيف ان الكاتب نفسه لا يملك فكاكا من هذا الانتماء!
ثم ان واجب التمييز بين العرق و اللون كان يحتم على كاتبنا ان لا يشير لورقته السالفة ” متاهة قوم سود ذوو ثقافة بيضاء” لأن السودانيين الذين يدعون العروبة إنما يدعونها لشرف يظنونه و لو كان للون من اثر يذكر لما ازدرى السودانيون ذوي السحنة البيضاء ممن يسمونهم ” الحلب”!
و هنا ينبغي التصويب على فكرة ادعاء الانتماء للعباس بن عبدالمطلب تحديدا إلتماسا للشرف، و الشرف هاهنا ليس عرقيا و لكنه ديني بحسبان ان العباس من عصبة النبي صلى الله عليه سلم و آل بيته، و لا نريد أن نتخوض في جدل ديني حول من هم آل البيت و العباس حتما ليس منهم و لكننا نضطر لطرح سؤال: لماذا لا يجتهد السودانيون في اثبات انسابهم العربية فحسب؟
هذا السؤال ادنى لرد ادعاءاتهم غير المؤسسة لجهة أن بطون العرب كثيرة و ذات مشارب و ليس من المنطق أن ينحدر كل مدعي العروبة من نسل العباس حصريا، و الحقيقة العلمية التي يجب ان نقرها من ذلك كله هي حقيقة تعظيم السودانيين و تشريفهم لآل البيت و لئن استدرجتهم لنحل مكذوب…
أحاور استاذنا العفيف في هذه القضية بكل تشبث لانها تعني لي مبحثا علميا فكريا لا يقبل التعميم و لا التسييس و لئن عمد حكامنا – المأسوف عليهم- إلى ممارسات مهيضة فإنهم من وجهة نظر بحثية لا يخرجون من دائرة إنتمائهم لهذا الشعب و ثقافته و لاوعيه التي جسدوها في مراحل امتلاكهم للسلطة بشكل قبيح و فج، و لا يمكن معالجة الظاهرة في بيان فجاجتهم – لو نشدنا الحقيقة العلمية – إلا من خلال البحث في كل ثقافات هذا الشعب و ممارساته و جذوره الحقيقة، و احفظ للكاتب تأكيده على انه لا يرى لافريقانية فضلا على عروبية و نشدانه ان يكون السودانيون سودانيين كما هم، وهو ما ننشده جميعنا و لا نشك في ان الدماء العربية تجري في عروق كثير من ابناء هذا الشعب و قد اختلطت بكثير من الدماء الاخرى و لا يمكن و لا ينبغي ان نميز الان صفاء عرقيا لانسان سوداني و ما فرحة الأستاذ العفيف بتبيان عرقه بكافية لتعميمها على بني قبيلتيه من ” الجعلية” و ” الرباطاب”، فالاهم من الاستدلال بهذه الجينات هو ان نقطع بأننا قد تشكلنا في سودان عريض، فوق العروبة و الافريقانية و فوق كل الالوان و الاديان.
هو السودان الذي يجمعنا، و التحية للأستاذ الباقر العفيف..
عبدالله عبدالعزيز الاحمر
روما- ايطاليا
20 مايو 2018
alahmer2003@yahoo.co.uk
/////////////////