جدوى الحكومة .. بقلم: ناصر السيد النور

يتعامل السودانيون مع الحكومة ويعرفونها بمسميات لا تخلو من طرافة حيث ينسبون اليها كل شيء لا يدخل في حيازة ملكية المواطن العادي أو يملك سلطة عليه وهو عادة مواطن لا يملك قوت يومه. فالشارع شارع الحكومة، والمكتب مكتب الحكومة والوظيفة وظيفة الحكومة، والناس ناس الحكومة إلى آخر ممتلكات الميري. ويدخل في هذا التصنيف منذ أيام الاستعمار ولايزال كل نعمة ونغمة وجائحة تحل بالبلاد فهي بسبب الحكومة وتقع تحت مسئولية الحكومة وعليها حلها. وهذا الاتهام التلقائي للحكومة والتشبث بها له وجاهته لمجتمع في طور التنمية والتحول من البداوة أو العقل الرعوي على وصف الدكتور النور حمد الى بينة الدولة الحديثة، أو سيادة سلوكيات الريف في غياب مؤسسات خارج إطار الحكومة أو الدولة تقدم الخدمات وتشيد الطرق وتبني كل ما تطلبه البنية التحتية على أراضٍ بكر لم تطلها يد الإنسانـ بعد. وكذلك يعلمون جيداً أن الحكومة مخلوق له انياب حادة كقوة غاشمة (أنتم تعرفونها) تحتكر الحق الشرعي -كما في الفلسفة السياسية للدولة- بممارسة العنف والاعتقال والسحل والقتل والإبادة وغيرها من ممارسات قمعية تقوم بها الحكومة، ومن طرف ناس الحكومة وحدهم. فنحن حكومة كما يتردد على لسان بعض افراد منفذي سلطة القانون في الشارع العام.
والحكومة مشروع إداري فني وتشريعي وتنفيذي يعمل وفق خطط وسياسات تطمح إلى تحقيق أهداف ليس أقلها رفاهية المواطن الذي تحكم باسمه، وحين تتراجع وتتردى الخدمات المطلوب تقديمها ويتقاعس المنفذون (بتاعين الحكومة) عن أداء دورهم كما يفترض المنطق ينبغي ذهابهم واستبدالهم بل يجب الاحتجاج والمطالبة بتنحيهم، إذ ليس في مقدور الخيال مهما جمح توقع أن يقوم هؤلاء بتقديم استقالاتهم طواعية من موقع المسئولية الأخلاقية كما الشأن في بلدان تخضع للمحاسبة والشفافية وتخدم مواطنيها قبل ان تحكمهم. وإلى هنا فنحن نتحدث عن الحكومة ذلك الجهاز الإداري داخل الدولة وليس سلطة نظام حكم من كل نوع وشكل من ديمقراطي أو السيادي، أو مدني وعسكري.
ولكل مشروع دراسة جدوى تسبقه كما هو معروف، وبالمفهوم الإدارة الاستراتيجية لكل مشروع اهداف وخطط عليا وفرعية ونقاط قوة وضعف وفرص ومهددات لتقييم الأداء بمؤشرات الوسائل المنهجية في دراسات الإدارة الاستراتيجية من تقييم وتحليل المشروعات القائمة وجدواها بوضع الخطط والسياسات لتنفيذ وتطوير الخدمات من خلال ما يعرف بالتحليل الديناميكي الخاص بالعمليات الإدارية بما يشمل الموارد والكفاءة وحسن الإدارة وإلى آخر متطلبات الإدارة والتنظيم في منظومة علم الإدارة الحديثة وإدارة الدولة، وهو ما قاد في نهاية الأمر الى نموذج الحكومة الإلكترونية في بلدان تكاملت فيها البينة التقنية وتخطت مرحلة التنمية التقليدية. فمقياس نجاح أداء أي حكومة في مدى رضى مواطنيها عما تقدمه من خدمات وليس بطبيعة الحال تفسيرها دورها الذي يعنى به المهمتين والقائمين على ادارتها ووزارتها المختلفة من مسئولين كبار إلى آخر مرؤوس في الهرم الوظيفي التقليدي. ولكنا قد وصلنا إلى مستوى قياس الأداء الحكومي بتوفر عدد قطع الخبز التي يحصل عليها المواطن في يومه بمعدل وجبته الواحدة،
أصبح المواطن المغلوب على امره يشكو ويبكي ويُبكي معه السماء والأرض من محنة الأزمة المعيشية الطاحنة وكوابيس متطلبات الحياة اليومية لشعب يستحي المحلل الاحصائي قبل السياسي من تصنيف مستويات المعيشة والدخل والكشف عن مستوى خط معدلات الفقر فيه، وأن أحد أسباب هذه الأزمات سياسات النظام البائد من تبديد للمال العام والديون المكبلة، وأخيراً فقد أصبح السودان مؤهلاً بشهادة البنك الدولي وصندوق النقد لتخفيف الديون والدعم تحت برنامج مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في العالم. ويتخطى بحسب تقارير المنظمات برنامج الغذاء العالمي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية العدد الملايين من هم في حاجة إلى تقديم مساعدات إنسانية عاجلة ويواجهون خطر عدم الأمن الغذائي والمجاعة والتدهور المعيشي. وما يرد في تقارير المنظمات الدولية ليس حصراً على النازحين وضحايا الحروب والمشردين في معسكرات النزوح واللجوء، ولكن بمن فيهم ساكنو المدن والمشردون والمعدمون ومن في حكمهم من فقراء موظفي الحكومة نفسها ومستحقي الزكاة والقائمة تطول.
إذن إذا ما فشلت الحكومة فما الذي يبرر وجود ها إذا كانت الحكومة الحالية، وأي حكومة؟ فإذا كان مبرر وجودها -الحكومة الحالية- مستمد من شرعية الثورة كحكومة لفترة انتقالية محددة الصلاحيات والصلاحية بتوقيت معلوم على الأقل إلى الآن بسنوات ثلاث قابلة للتمديد. وبكل ما تقوله وثائقها الدستورية واتفاقياتها وضمانات وتعهدات المحاور المحلية والإقليمية والدولية فإن ذلك لا يعني أو يبرر صبر المواطن على ما لا يطاق ضيق في العيش على كثر الوعود اعتماداً على رفع العقوبات الاقتصادية والدعم الدولي والسياسات المالية بتعويم العملة. فمن آمال ثورة التغيير نحو الأفضل – دائماً- والعيش الكريم شعاراُ وتطبيقا إلى مسغبة تدهورت معها كل أسباب ما يليق بالكرامة الإنسانية ومع ذلك هناك حكومة موجودة تقوم بأداء مهامها!
دفع هذا الوضع المزري الكثيرين بالمطالبة بتغيير الوضع، وهو ما يعني عملياً في القاموس السياسي السوداني الانقلاب العسكري المباشر وتسلم السلطة بالبيان الأول، أي تغيير تقوم به مجموعة مغامرة تجيء لرفع العبء عن كاهل المواطن الكريم وضبط الوضع الأمني، وتأمين الحدود وحماية الأرض والعرض. وهذا السيناريو المألوف في الحالة السودانية يعاد طرحه هذه الأيام مع اختلاف اللاعبين على الساحة السياسية والعسكرية خاصة أن سلاح الذي يستخدم في انقلابات التغيير لم يعد بيد الحكومة وحدها كما في السابق. فإذا فلشت الحكومة في مواجهة الازمات المعيشية ولم يعد جهازها التنفيذي على قدر التحدي لمواجهة أوضاع بالغة السوء يكون ذهابها غير مؤسف عليه وحدثاً لا يثير التساؤل مع ان تداعيات مثل هذا السقوط في ظروف البلاد الحالية المعلومة فسيكون الثمن أفدح من كل ما يمكن أن يتصوره سيناريو انقلابي، ستر الله البلاد والعباد.
نشر بصحيفة_ الديمقراطي# 03/6/2021م.

anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً