جراحة سياسية واجتماعية لمواجعنا دون تخدير

 


 

 

نحن من جيل افنى شبابه في مواجهة الشموليةً كنا نحلم بوطن  ينعم بالحرية والسلام والعدالة والديمقراطية هي نفس الشعارات التي حملتها ثًورة ديسمبر المجيدة. وتسرب العمر من بين ايدينا ولم يتحقق الحلم بل تحول الى حلم مزعج وكوابيس ترتدي الزي الرسمي واخرى عمائم مر قطة كجلود الثعابين.

حكمنا العسكر  اكثر من 50 عاما من جملة اكثر من 60 عاما منذ الاستقلال.   في عهدهم الاول نكث العسكر بوعدهم واتفاقهم حسب وقائع التاريخ بتسليم السلطة لحكومة منتخبة على عهد عبود بعد ان اصر بعض اعضاء المجلس العسكري  انذاك على عدم التسليم بعد زوال مهددات  الامن القومي التي برر بها  السيد عبد الله خليل تسليم السلطة للجيش لاجل محدود .

وبعد ثورة اكتوبر التي انتجت الديمقراطية الثانية  انقلب نميري متحالفا مع قوى اليسار  واطاح بالحكومة الديمقراطية قبل ان يطيح باليسار نفسه .

وبعد انتفاضة ابريل و انطلاق حقبة الديمقراطية الثالثة انقض الاسلاميون بانقلابهم المشؤوم متحالفين مع بعض العسكريين على الديمقراطية في اسوا حقبة شهدتها البلاد امتدت لثلاث عقود  كان شعارها قتل وجرائم وفساد ونهب وسرقات وتجارة باسم الدين حتى اطاحهم الشعب السوداني  بشبابه الغض بعد تضحيات جسام في ثورة ديسمبر المجيدة  وانتجت  الثورة فترة انتقالية معقدة  وملغمة بالثغرات.

ومع تعثر الفترة الانتقالية بكل ماحملته من تناقضات واجسام متشاكسة انقض البرهان ومجلسه العسكري على مكتسبات الثورة بانقلابه  الفج في الخامس والعشرين من اكتوبر  الماضي  ليطيح  باهم تجربة انتجتها الثورة  رغم أخطاءها اعادت السودان الى الوراء والى نفق مظلم .

ورغم فشل الانقلاب لعوامل داخلية يقودها الشارع بكل عنفوانه وخارجية يقودها المجتمع الدولي بكل حساباته الا ان مسلسل القتل من فوهات بنادق القوات النظامية ومليشيات ضرار القوى المدنية المتحالفة مع  العقلية الشمولية  لايزال مستمرا  بأمر الانقلاب بفهم مضلل  هو ان العسكرية مترادف اصيل للقمع والقتل والتنكيل .

ثم ابتلينا بلعنة الذهب الذي كان نعمة من الله على بلادنا فتحول الى نغمة حيث اصبح دولة بين بعض النافذين المحميين بالدوشكا وفيالق المليشيات فحرمت منه البلاد والعباد وهرب وبيع بثمن بخس ليشكل احتياطيات اقتصادية كبرى لبعض دول الاقليم  ووطننا  في امس الحاجة الى خيراته  فذهب الذهب الى دول استطاعت تجنيد بعض النافذين لخدمة مصالحها على حساب مصلحة الوطن العليا.  وبالطبع لا احد يلوم تلك الدول لان الداء يحمل هوية سودانية لم تنال حظا من التربية الوطنية وبالتالي  لا تعني له الوطنية والانتماء للوطن ومصالحه هما بقدر ماهو معني بانانيته وانبتاته.

ثرواتنا المعدنية مستباحة بحماية النافذين تهرب اطنان الذهب الذي لو. رصفت به شوارع الخرطوم  المهترئة لفاض عنها  لا احد يناقش هذا الامر بوضوح  لا اعلام. لا ساسة.  احزاب لا جهات قانونية لا سلطة موسسات جميعها مكبلة باغلال الفساد .

ثروتنا الحيوانية تهرب بحماية  بعض النافذين  ولمصالحهم الذاتية تهرب بالشاحنات صباح مساء باثمان زهيدة  الى دول الجوار التي تعيد انتاجها وتصديرها بمليارات الدولارات باسمها وبخاتمها.

حاصلاتنا الزراعية من صمغ وسمسم تهرب  الى دول الاقليم بحماية ذات المافيا السلطوية ويعاد تصنيعها وبيعها باضعاف اضعاف اثمانها وفق ما اثبتته بعض التقارير الاقتصاديةً وباسمها وخاتمها.

وحتى موانيء البلاد جار عليها الجهل المسيس بالنفوذ المسيس فهربت التجارة الى دول الجوار  وانهار الاقتصاد وتكبد عمال الموانيء خسائر في معيشتهم لا تعوض جراء جهل ادارة اهلية تقتل ذبابة بقذيفة دبابة .

ابتلينا بحركات مسلحة والاصح ان بعضها حركات متسلقة جاء بهم جنرالات المجلس العسكري في اتفاق جوبا عبر مساومة بينهم ان يجزلوا  لهم العطاء الذي لا يستحقون بل يستحقه المنكوبون المشردون والنازحون الذين لم يلتفت اليهم لوردات الحرب مقابل اغلاق صفحة انتهاكات دارفور  التي كانوا يتاجرون بها   ومقابل بناء تحالف انتهازي ضد قوى الثورة  هو ما نعيش تداعياته منذ اعتصام القصر .

بعض تلك الحركات لا تعترف بثورة ديسمبر  لان الثورة نجحت بسلميتها فيما فشلوا فيه بعنفهم هي ذات الثورة التي اتت بهم الى الخرطوم  بعد ان تاكلت  تلك الحركات مني  وجبريل وتوابعهما وضعفت ودخلت في مساومات متواضعة مع نظام البشير  لم تكتمل  لتمنع البشير  .

ومن ثم التقت مع المكون العسكري  بعد اتفاق جوبا في تحالف مصلحة ضد المكون المدني وهو التحالف الذي اتضحت معالمه قبل وبعد انقلاب البرهان . ابتلينا ببعض القوى السياسية الراديكالية  شعارا  البرجوازية ممارسة والتي لا تزال رهينة لشعارات تجاوزها الزمن  وهي تعيش في تناقض بين الواقع الذي تعيش والشعارات التي تعتقد  وباحزاب كبرى لا تزال تعيش عقدة التنظيم والمؤسسية على مستوى التطبيق  والتواصل مع  جيل الشباب  الناهض  عبر لغة جديدة وصور متجددة .

ابتلينا بعقلية نظامية تعيش خصاما ثقافيا مع المدنية التي تفهمها وتسيطر على وعيها  باعتبارها خصما عليها  وانتقاصا لدورها ورغم وجود مراكز وباحثين عسكريين الا انهم  لم يحرروا عقولهم ليحرروا  مفاهيم بالية حيث ما انفكوا يدورون في حلبة عقيدة شمولية  تحول  السلاح الى اداة قهر ضد المدنيين  و تحول   القوات المسلحة  حارسة الدستور والتراب الى حزب سياسي يصارع الاحزاب بفيتو  السلاح والعنف وحولت مهنية القوات المسلحة وواجباتها الوطنية الى انشطة سياسية  وجماعات ضغط ودعاية  اعلامية وسياسية لجنرالاتها الطامحين الى السلطة .

كل الدول التي حصلت على استقلالها بعد السودان اصبحت في صدارة الدول المنتجة والمستقرة سياسيا وديمقراطيا ناهيك عن دول العالم الحر التي تملك اقوى الجيوش والتي لن تجد فيها  جنرالا يحدث نفسه بالانقلاب او الانشغال بالسياسية بل بالتطوير العسكري والتقني والبحثي  وتطوير الاستراتيجيات الدفاعية  وبناء السلام  حسب ما  نرى ونشاهد.

خدمتنا المدنية اسوا خدمة مدنية يعيشها السودان الان ومنذ عهد الانقاذ الاول فلا يوجد موظف يمارس مهامه بنزاهة وشرف وامانة ويودي واجبه اليومي وفق مسؤلياته الا القليل والدليل على ذلك انهيار الخدمات والمؤسسات والاداء العام فلا صادرات ولا ادنى اهتمام او اجتهاد او ابداع ويكفي ان تنظر الى الاسواق والشوارع والمباني والتدهور البيئي والصحي فضلا عن تفشي الفساد الاداري والاقتصادي والسياسي ويكفي ان تنظر الى تلال القمامة والاتربة والاعطال  والنفايات والاعطاب فلا مطار  يستحقه الوطن ولا شوارع ولا طرق سريعة ولا انارة ولا امن  يستحقها المواطن ولا نظام  ولا تنظيم حدود مفتوحة  مشرعة دون بواب ووطن مستباح وموارد تهرب في وضح النهار الى دول الجوار دون رقيب بل بمساعدة مافيا المفسدين مئات الشاحنات تعبر  دون رقابة او ضابط او احساس وطني .

نحن شعب يحتاج ان ينظر الى نفسه في المرءاة .  نحتاج ان ندخل الى غرفة عمليات بكل فئاتنا  لاجراء جراحة قاسية وان بنج لبتر. هذا  الورم  الخبيث ونحتاج ان نحدد اولا من هو السوداني وماهي حقوقه وماهي واجباته لان السودان اصبح البلد الوحيد الذي يمكن ان تاتي اليه دون اوراق ثبوتية ثم تحصل عليها  عبر الفساد ثم تصبح حاكما تامر وتنهى دون ان يسألك احد .   القوانين فيه كقانون الهجرة والجنسية مثلا  هي للقراءة  فقط في كليات القانون وليس للتطبيق في الواقع بعكس القوانين المقيدة للحريات التي تجد حظها الوافر في التطبيق . نحن نحتاج الى تحديد دور كل مؤسسة وواجباتها مدنية او عسكرية نحتاج الى ثورة ثقافية شاملة تحدد المفاهيم والمصطلحات وحتى المواقع والامكنة والواجبات والاولويات نحتاج ان يفهم اي جندي ان وظيفته هي ان يحمي المواطن لا ان يقتله وينتهك انسانيته وكرامته . وان يفهم اي حاكم انه خادم للشعب وليس وصي عليه  وان يفهم اي موظف ان دوره هو اداء واجباته وخدماته بشرف لا ان يجرفه التسيب والفساد . نحتاج ان تفهم المؤسسة العسكرية ان الحكم ليس من واجباتها او مهامها بل ان دورها حماية وطن باثره بكل مؤسساته في عالم مليء بالتناقضات والاطماع .   نحتاج ان تقنع احزابنا ببرامجها ومواقفها الشارع لتحظى بدعمه باعتبارها اداة شرعية للديمقراطية نحتاج ان  نتعلم الحوار فيما بيننا نحتاج ان نعلم ان اي جهة او حركة تحمل سلاحا  في ظل الديمقراطية والحرية  ترتكب جريمة تصل الى حد الارهاب .  نحن نحتاج الى كثير من المراجعات حتى نستطيع في يوم من الايام ان نذكر   مامر ببلادنا من انقلابات وقمع وانتهاكات كان فترة مظلمة ذهبت ولن تعود  ويكون عيد اجيالنا القادمة الاحتفاء بتضحيات جميع الشهداء الذي فتحوا الطريق الى واقع جديد تسنده قيم الحرية والديمقراطية والسلام

raiseyourvoicenow@yahoo.com

 

آراء