جنوب السودان: أفبعد هذه الإتفاقية بُد من الهروب الى الأمام ؟ .. بقلم: السفير موسس أكول

 

“لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت! “

—مارتن لوثر كنج—

بقلم: السفير موسس أكول

moses.akol39@yahoo.com

(١)

لا يختلف إثنان ان ((إتفاقية تسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان)) التي وقعها رئيس جمهورية جنوب السودان في جوبا في السادس والعشرين من شهر اغسطس 2015، والتي سبق أن وقعها زعيم المعارضة المسلحة في العاصمة الاثيوبية في السابع عشر من الشهر نفسه، مثيرة للجدل من كل بُدٍ، وذلك لأنها إتفاقية ((مفروضة)) بإمتياز من قِبل منظومة إيقاد الاقليمية وشركاؤها الدوليين بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ومملكة النرويج والاتحاد الاوروبي.  لا يختلف إثنان أيضاً أن هذه الجهات لا تخفي دورها الكبير في ممارسة ضغوط هائلة على أطراف النزاع في جنوب السودان، كما لا تخفي هذه الجهات غبطتها لنجاح دبلوماسيتها في إبرام الإتفاقية التي من المأمل ان توقف الحرب التي تدور رحاحها منذ شهر ديسمبر 2013، والتي نجمت عنها خصائر بشرية ومادية ودبلوماسة وتنموية لا تقدر بثمن.

وبينما لا يختلف إثنان ايضاً ان كل من السيد رئيس جمهورية جنوب السودان وزعيم المعارضة المسلحة، وأصحاب المصلحة الآخرون قد وقعوا الاتفاقية على مضض، إلا أن الآراء قد تتشعب وتتباين حول الاسباب التي رجحت كفة الاتفاقية ((المفروضة)) في سباق مسودات الاتفاقيات والمبادرات التي طافت بكل من ((جوهانسبيرغ)) و ((أروشا)) و ((أديس ابابا)) و ((باهردار)) و ((كمبالا)) خلال العشرين شهر الماضية.

هناك من جنوب السودان من يرجع الامر برمته الى مؤامرة كبرى تحيكها قوى دولية وإقليمية ضد البلاد بهدف التغول على سيادتها وتغيير حكومتها بالقوة، والإستيلاء على مواردها، ولذلك تكالبت هذه القوى على البلاد، وحبكت هذه الاتفاقية، ثم شنت حملة دبلوماسية شعواء وبالوكالة ضد حكومة جنوب السودان.

لكن هناك بالمقابل من يجزم بان ((الدولة الوليدة)) قد جنت على نفسها براقش، وذلك لفشلها في بلورة وتنفيذ رؤية وطنية واضحة لإدارة الدولة ومعالجة المشاكل السياسية بالسبل السلمية، من جهة، ولإعتمادها على القوى الدولية والإقليمية لإطعام وحماية مواطنيها في معسكرات النزوح و في مخيمات اللجؤ، من جهة اخرى، الامر الذي قدم للقوى الدولية والإقليمية السانحة على طبق من الذهب لفرض إرادتها على مجرى الاحداث ولإنتاج وإخراج إتفاقية مباغتة لم تستطع اطراف النزاع في جنوب السودان رفض التوقيع عليها.

بالرغم من أن المسافة قد تبدو شاسعة بين المعسكرين، إلا أنه بات واضحاً أن المعسكرين يقِران صراحة بنجاح دبلوماسية القوى الدولية والإقليمية في صياغة هذه الإتفاقية، وهذه يعني إقرار المعسكران ضمنياً بإخفاق الدبلوماسية الوطنية في إدارة الازمة بمهنية كفيلة لمنع التدخل السافر لقوى خارجية في الشؤون الداخلية للبلاد.

(٢)

هناك، إذاً، فرص كثيرة لتوجيه اصابع اللوم في إتجاهات عدة.  ليس غائب عن اي شخص، على سبيل المثال، أن المعارضة المسلحة بقيادة د. رياك مشار أججت ودولت الصراع مما أدى لتفاقم الازمة، كما هو معلوم ان مجموعة العشرة بقيادة فاقان أموم قامت بتأليب بعض افراد المجتمع الدولي ضد حكومة جنوب السودان، الامر الذي ساهم كثيراً في زيادة العزلة الدبلوماسية التي تعيشها الحكومة.  ومن جانبها، فشلت الحكومة في جوبا في رسم سياسة خارجية واضحة المعالم، وأخفقت في جمع خيوط سياساتها الخارجية ليس فقط مع الدول الكبرى، بل مع المنظمات الدولية والإقليمية، ولذلك أخذت دبلوماسيتها تترنح بين موسكو وواشنطون وبيجينغ، وبين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، والاتحاد الاروبي، وبين المنظمة الحكومية للتنمية ((الايقاد)) ومؤتمر البحيرات العظمى.  وفي آخر المطاف، وتتويجاً لأتعابها، حصدت دبلوماسية جنوب السودان علاقات هشة ومبهمة مع موسكو، وعلاقة نفظية سطحية مع بيجينغ، وعلاقة نمطية مع مؤتمر البحيرات العظمى ، وعلاقات ثنائية متوترة مع كل من واشنطون ولندن وباريس وأوسلو، وعلاقات تذيد سوؤ يوما بعد يوم مع الأمم المتحدة في نيويورك وذراعها ((يونيميد)) في جوبا، وعلاقة متوترة مع ((الإيقاد)) التي ترعى الواسطة بين الحكومة ومعارضيها المسلحين والعزل.  فضلاً عن ذلك، يمكن، علي سبيل المثال، تسليط الضوء على الأداء الخجول للوفد الحكومي الذي شارك في الجولات المختلفة لمحادثات السلام بين الحكومة ووفود المعارضة، وفشل جوبا في كبح جماح التصريحات النارية التي يطلقها بعض اعضاء الوفد المفاوض من حين لآخر، مما ساعد في تازيم العلاقة بين جوبا و مجموعة الإيقاد الإقليمية.

 (٣)

والآن وقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ توقيع الإتفاقية ومصادقة البرلمان القومي عليها بالإجماع، لا جدوى،إذاً، في الإستمرار في محاربة هذه الإتفاقية وكيل اللوم على جهات بعينها أو فتح النيران في كل الاتجاهات، كما أنه لا مصلحة للشعب في تمادي بعض السياسيين في البكاء على اللبن المسكوب والحديث المضني عن الإتفاقية المفروضة وما ادراك ما الاتفاقية المفروضة.

أن الحقيقة الماثلة الآن هي ان الفرقاء قد وقعوا على إتفاقية لا يمكن التقهقر منها دون أن تدفع البلاد والشعب ثمن باهظ،، وذلك لأن سيف العقوبات الدولية مسلطة على الأعناق. إذاً، لا مفر للحكومة والمعارضة من الهروب الى الأمام والقيام بتنفيذ كل بنود الإتفاقية وبمشاركة ومراقبة فعالة ولصيقة من قٍبل المجتمع الدولي والمنظمات الاقليمية. وبما أنه من مصلحة المعارضة المسلحة ((كجهة تسعى لكسب شرعية وأرضية سياسية في المرحلة القادمة)) أن تضلع بقدر كبير من المسئولية تجاة المواطنيين خلال الفترة القادمة، إلا أن العبء الاكبر لانجاح تنزيل هذا  الإتفاق الى ارض الواقع يقع بالضرورة على عاتق حكومة جنوب السودان، وذلك بحكمها الجهة المسئولة عن تحقيق السلام والإستقرار والامن الإجتماعي والتنمية والرفاهية للشعب.

(٤)

إذاً، على الحكومة إلتقاط القفاز في هذه المرحلة الحاسمة، والشروع فوراً في صياغة وتنفيذ حزمة من مبادرات سياسية ووطنية شجاعة تمهد الطريق لتضميد الجراح وإمتصاص المرارات السياسية، ورتق النسيج الإجتماعي، وتمتين اللُحمة الوطنية، وفضح الزندقة السياسية التي يمارسها السياسيون الفاسدون والمتدثرون بثوب الوطنية الزائفة.  وخير ما يمكن أن تبتدر بها الحكومة هذه الخطوات هو، أولاً، الاعتراف بان السلام هدف إستراتيجي للدولة من أجل رفاهية المواطن، عليه، على سبيل المثال،إذا صعدت قيمة العملة المحلية مقابل الدولار الامريكي في السوق الموازي وانخفضت اسعار المواد الغذائية واصبحت في متناول يد المواطن نتيجة لإتفاقية ((مفروضة))، فمرحباً بهذه الاتفاقية.  ثانياً، يجب الاعتراف بان الضيم الذي تعيشه شرائح كبيرة من المواطنين جراء القبلية والمحسوبية والفساد المستشري في البلاد قد يولد المذيد من مواجهات مسلحة بين القبائل او بين إثنيات بعينها والحكومة في المستقبل، لذلك يجب أن تعمل الحكومة القادمة جادة لرفع الظلم عن كاهل المواطن.  ثالثاً، لابد من تنفيذ صلح حقيقي بين الاثنيات في بقاع كثيرة في البلاد بغية تمتين اللُحمة الوطنية وتحقيق الإستقرار والأمن الإجتماعي.  رابعاً، ينبغي ان تسعى القيادة السياسية لتطمنة المواطن عملياً بأن جنوب السودان وطن كبير يسع للجميع وينعم فيه الجميع بحقوق متساوية ولا مجال فيه لهيمنة اثنية واحدة او مجموعة اثنيات بيعنها.  خامساً، عدم تسييس الخدمة المدنية، سادساً، لابد من القيام فوراً بكبح جماح الفساد بكل ضروبه، لاسيما الفساد المالي والمحسوبية في الدواوين الحكومية، وذلك لحمايةالبلاد من شر صراعات طبقية هي في غنى عنها تماماً.  سابعاً، على الحكومة في المرحلة القادمة نبذ سياسة تكميم الأفواه علماً بأن الشعوب ترتقي والثقافات تذدهر والحكومات تحكم بالعدل خلال حرية الراي وحرية الصحافة.  ثامناً، وأخيراً، لعل ((الدولة الوليدة)) تكتشف عاجلاً ان صناعة وإنتاج الاعداء تجارة غير مربحة محلياً وعالمياً، ناهيك في دولة تستورد كل احتياجاتها من الاسواق الاقليمية والعالمية.  عليه، على الحكومة القادمة العودة سريعاً الى طاولة الرسم بغية رسم سياسة خارجية واقعية تستصحب معها الموجهات الجغرافية، والتاريخية، والجيوسياسية، والنظام العالمي الراهن، والثقل السياسي للدولة في محيطيها الاقليمي والدولي.  وهذا يعنى بالضرورة إعادة النظر كلياً في اسس وإدارة العلاقات الخارجية.  وبما أن السياسية الخارجية للدولة تعتبر إنعكاساً للحراك السياسي الداخلي، لا شك أن العلاقات الخارجية لحكومة جنوب السودان ستستفيد كثيراً إذا استدركت الحكومة انه ليس هناك بُد من إصلاح الشأن الداخلي والهروب الى الامام بعد أن تحولت ((الإتفاقية المفروضة)) إلى ((إتفاقية الأمر الواقع)) التي ستدار جمهورية جنوب السودان بموجبها خلال السنوات الثلاث القادمة.  

  جوبا، جنوب السودان / سبتمبر 2015

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً