حالة الطوارئ وقانونها: كسيح يحمل أعمى .. بقلم: محـــمـــــود الشيخ

 

(١)

عندما يتم إعلان حالة الطوارئ بواسطة رئيس الجمهورية، فإن ذلك لابد أن يأتى استناداً للسلطات الممنوحة له في الدستور السارى، وبما يتفق مع الحالات والضروريات الموجبة لذلك الإعلان، لا أن يكون خبط عشواء، وفقاً لمزاجية السلطة الحاكمة ، أو بغرض فرض مزيد من السيطرة والضبط على البلاد، أو لإخماد حراك الشارع، الذى قد يحتج سلمياً نتيجة ترد لأوضاع اقتصادية أو سياسية، والذى هو – أى، كل احتجاج سلمى – يعتبر مكفولاً بالدستور .

(٢)

وفقاً لنص المادة 210 من دستور جمهورية السودان الانتقالى، فإنه يجوز لرئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ في ظرف محدد، و هو حدوث (خطر طارئ) يهدد البلاد او جزء منها. اي انه يشترط لذلك الإعلان وجود (خطر) فعلى ، على ان يكون ذلك الخطر (طارئا ومهددا) للبلاد او جزء منها.

لم يترك الدستور تعريف ( الخطر) لسلطة رئيس الجمهورية التقديرية، انما حددته ذات المادة 210، بأن حصرت حالاته في خمس :(الحرب -الغزو- الحصار – كارثة طبيعية – اوبئة)، شريطة أن يكون ذلك الخطر المحصور والمحدد في تلك الحالات (مهدداً لسلامة البلاد او اقتصادها) . فهل توفرت ايا من حالات الخطر المذكورة حتى يتم إعلان حالة الطوارئ؟ وبافتراض توفر واحدة منها.. فهل تعتبر مهدداً لسلامة البلاد أو اقتصادها؟

(٣)

لابد من القول ابتداءً ، أن (البلاد) هنا، وبضرورة الحال، ليس المقصود بها السلطة الحاكمة، إنما السلم العام و مسير الحياة العامة وسلامة المواطنين ككل ومكتسبات وممتلكات البلاد.

واقع الحال يشير بجلاء تام إلى عدم توفر ذلك الخطر باشتراطاته الدستورية، إنما ملخص ماحدث هو اندلاع احتجاجات شعبية، ابتدأت بالتنديد بالضيق الاقتصادى والفساد الذى استشرى ، وحرمان الآخرين من حقوقهم السياسية، بجانب التضييق على الشباب وافقادهم بوصلة الطريق نحو المستقبل، واستمرت تلك الاحتجاجات ولازالت، ازاء التصدى العنيف لها من قبل السلطات الأمنية التابعة للنظام الحاكم، مما أسفر عن ذلك التصدى عشرات القتلى ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين تعسفيا. إذ لم تتعرض البلاد لحرب خارجية أو غزو أجنبى، ولا ضربتها الأوبئة وما سلطت عليها السماء كوارثا طبيعية، كالبراكين والزلازل والفيضانات، التى من شأنها إيقاف مسير الحياة اليومية وتهديد حياة المواطنين. وحتى بالنسبة للحصار، الذى تحجج به النظام الحاكم بزعم تسببه في الضائقة وعدم المواكبة، فعلى العكس تماما، اذ تم رفع الحظر الاقتصادى عن البلاد قبل عامين، والذى فى ظل وجوده سنين عددا، وللغرابة، لم يتم إعلان حالة الطوارئ!!

(٤)

بما أنه قد تم التثبت والتيقن من عدم توفر كل حالات الخطر الداعية لإعلان حالة الطوارئ، لابد كذلك أن نسأل عن ذلك الشق الذى تناولته المادة 210 من الدستور، والمتعلق بتهديد الاقتصاد، وإن اشترطت تلك المادة أيضاً أن يكون سبب ذلك التهديد يعزى لواحدة أو أكثر من الحالات الخمس المشكلة للخطر.

المعلوم للكافة أن الاقتصاد السوداني ظل فى حالة ترد مستمر منذ استيلاء النظام الحاكم على سدة الحكم، وبعد إعلانه العداء للعالم الخارجى، وتجفيفه لموارد الإنتاج، واستفحل ذلك التدهور بعد انفصال الجنوب فى العام ٢٠١١، بسبب اعتماد النظام فقط على البترول، الذى ذهب مع الإنفصال . إلا أن التدهور المتسارع وانخفاض قيمة العملة الوطنية كل رأس ساعة ابتدأ فعلياً قبل عام وبضع عام على وجه التحديد. ولم يكن السبب في ذلك إلا سوء السياسات الحكومية والفساد الذى تم تقنينه حتى أصبح هو أساس الدولة والحكم وماعداه باطل. وبدلا من أن يسعى النظام الحاكم لمحاربة الفساد عمل على حمايته، وتكسير كل القنوات والأجسام التى كانت من شأنها اعانته في حربه عليه. وعندما حمى الوطيس، لم يجد النظام الحاكم غير تحجيم المصارف عن تزويد عملائها بأموالهم المودعة لديها، بعد أن انصرف الناس أجمعين على سحب السيولة، بغرض تحويلها إلى عملات أجنبية اتقاء الخسارة .

قبل وأثناء تلك الأحداث، شهدت البلاد ولازالت أزمة في المحروقات والخبز. فكان لابد للشارع أن يحتج على الحكومة التى ماوفرت له ضروريات الحياة، والتى هى أولى واجباتها. وفى وسط كل هذا الزخم، ارتفعت أسعار كل السلع والخدمات إلى معدلات فلكية دون أن يقابل ذلك الارتفاع تعديلاً في الأجور ، وغاب العلاج والدواء، واصبح باطن الأرض خيراً من ظاهرها. كل ذلك كان نتاج وحصيلة صراع دوائر حكومية فيما بينها، دون تدخل من المعارضين أو جهات خارجية، الشيئ الذى برر خروج المواطنين بصورة سلمية، للمطالبة بتغيير نظام الحكم الذى افقرهم، وصار وجوده مهدداً للسلامة العامة والاقتصاد الوطني، مما يعنى أن ذلك الخروج بات محروسا بنصوص الدستور، وأن مقاومته العنيفة هى التى خرقت الدستور لا العكس.

يبقى القول فى هذه الجزئية، بأن ضبط الاقتصاد ومحاربة الفساد لهو أمر لا يحتاج أن تعلن بشأنه حالة الطوارئ بتكلفتها السياسية الغالية، إنما يمكن حسمه في نقطتين، الأولى معالجة الأسباب الحقيقية التى أدت للتدهور، والثانية بتقديم الفاسدين لمنصات العدالة بموجب القوانين المعمول بها. فقط لاغير.

(٥)
اما عن سلطات رئيس الجمهورية عند إعلان حالة الطوارئ، إن توفرت موجباتها، وهو مالم يحدث، فانها وفقاً للمادة 211 من الدستور، تجيز له تعليق جزء من مما ورد في وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور ، شريطة أن لا يمس ذلك التعليق (الحق في الحياة- الحرمة من التعذيب – عدم التمييز على اساس العرق او الدين او المعتقد الديني – حق التقاضي – الحق في المحاكمة العادلة). وعلى عكس ذلك النص تماماً، الذى مشى عليه النظام الحاكم بالممحاة، فإن إعلان حالة الطوارئ والأوامر الخاصة به والمحاكم والنيابات الجنائية التى تم تشكيلها وفقاً لذلك، قد صادر كل مانهت عنه المادة 211 من الدستور، فانطلقت القوات الأمنية تتقفز الأسوار، وتخضع المارة للتفتيش، ويتم إحالة المواطنيين إلى محاكمات جائرة، سالبة إياهم حق التقاضى والحق في محاكمة عادلة.

(٦)

إعلان حالة الطوارئ يفقد شرعيته إذا لم يعرض على الهيئة التشريعية (البرلمان) خلال خمسة عشر يوماً من اصداره. و اذا لم يكن البرلمان منعقدا، فيجب عليه عقد دورة طارئة لللبت في هذا الأمر. وهو ما لم يحدث حتى الآن. إنما عمل النظام الحاكم على استدعاء قانون تم تشريعه في العام ١٩٩٧ بإسم (قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة) بمظنة أن يكون هو الغطاء الشرعى، الذى بموجبه يستطيع الالتفاف على الدستور، بحرمان المواطنيين من ما هو محرم عليه المس به فى وثيقة الحقوق. ولكن ذلك الالتفاف يفتقد أيضاً للشرعية، لأن ما نصت عليه المادة 4 من قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة لسنه 1997 فيما يخص (حالات الاعلان للطوارئ) يعتبر مخالفاً للدستور، لاحتواء تلك المادة على حالات لم يتم الاشارة إليها في الدستور ، و هي ( العصيان- الشغب – اي حالة يقدرها رئيس الجمهورية). كما أن الصلاحيات الممنوحة للسلطات المختصة بموجب المادة 5 من ذات القانون لانفاذ حالة الطوارئ، جميعها تنتهك وثيقة الحقوق (الرقابة على الممتلكات – النزع و الاستيلاء – الحجز – تقييد الحركة و النشاط – الاعتقال)، ونفس الأمر ينطبق على المحاكمات بموجب قانون الطوارئ واوامره وإجراءات تلك المحاكمات المنصوص عليها في الماده 6 من ذات القانون.

(٧)

يبقى القول، بأن قانون الطوارئ قد تم تشريعه في العام 1997 استنادا على مرسوم دستوري، وليس دستور، وشتان مابين الاثنين.
وقد نصت الماده 3 من دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنه 2005 – الذى جاء لحيز الوجود بعد قانون الطوارئ- على أن الدستور القومي الانتقالي هو القانون الأعلى للبلاد. مما يعنى أن أى نص تشريعى اوقانونى يأتى لاحقاً لذلك الدستور، أو أتى قبله، بالمخالفة له، يعتبر فى حكم العدم.

ختاما… إننى لم أجد وصفا مطابقا لإعلان حالة الطوارئ وأوامرها والقانون الذى يمثل الزراع الباطشة، إلا بالكسيح الذى يحمل على اكتافه أعمى!

محـــمـــــــــود،،،

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً