بقلم: السر جميل
يقف الإنسان اليوم مذهولا أمام سيل جارف من التناقضات المعرفية والأخلاقية، نشهد ثورة علمية غير مسبوقة، ونطل في الوقت ذاته على انحدار قيمي يسحق المبادئ الإنسانية الأساسية. إنه زمن اختلطت فيه الفطرة بالشهوة، والحق بالهوى، حتى صار المعروف غريبا والمنكر مألوفا، وكأن البشرية تعود إلى الجاهلية الأولي، ولكن بوجه أكثر زيفا وحداثة.
لم تعد الجاهلية مجرد حقبة تاريخية انطوت صفحاتها مع بزوغ نور الإسلام، بل أمست حالة نفسية وفكرية تتجدد بأدوات عصرية ومنظمات براقة. إننا نتجه بسرعة البرق نحو الجاهلية، لكن هذه المرة لن يرسل الله رسولا لينقذنا، فقد اكتملت الرسالة، وقامت علينا الحجة.
تجمع الشرور في حقبة واحدة، إننا نعيش في أقذر حقبة زمنية، اجتمع فيها ما تفرق في الأمم السابقة، فتلك الجرائم التي كانت توجب هلاك قرى بأكملها في الماضي، أصبحت اليوم تقنن وتحمي بموجب المواثيق الدولية.
الشذوذ وانتهاك الفطرة قوم لوط شرعت لهم القوانين، ونظمت لهم الجمعيات، وفتحت لهم الحقوق والواجبات، وتقدموا الوظائف، ووجه لهم الإعلام فلا تجرؤ على نقدهم ولا قول كلمة في ضدهم، إذ أحيطت الخطيئة بهالة من الحماية المقدسة تحت ستار “الحريات”.
وسفك الدماء وعدم الحرمة أما القتلة، فما أكثرهم في كل بقعة! في كل يوم ولحظة موتى وجرحى، ونحن نتهرب ونهاجر ونشرد، ولا وازع يمنعهم ولا قوة تردهم. فقد أبت دماؤنا إلا أن تكون سيالة لا تنقطع حتى في الأشهر الحرم، كما كان يفعل في الجاهلية الأولى، مع الفارق أن الموت اليوم يدار بأزرار عن بعد وبصمت دولي مريب.
وتغول الظلم والظالمون ما أكثرهم! ظلم من الأقربين ومن بني وطنك، وظلم الحاكم للمحكوم، وظلم الأعادي الممهد بشريعة الغاب، حيث يسحق الضعيف ويعظم المستكبر.
وتزييف العقل ومحاربة الحق، لم يقف التردي عند حدود السلوك والسياسة، بل امتد ليطال العقل والفكر. وهنا تكمن المأساة الكبرى، حيث جاء المجادلون في الحق، ويا لهم من عالم! يغالطون في أبسط الأمور البدهية، ويختلفون في أتفه الأسباب، فلا رابط يجمعهم، ولا حجة تهديهم، ولا منطق يقنع أحدا.
أمسى المنهج السائد هو إقصاء الثوابت فالدين يبعدونه، والقرآن ينكرونه، والسنة يستضعفونها، حتى استبدلت المفاهيم الشرعية والعقلية بإسفاه بارد يبرر كل منكر ويطعن في كل فضيلة.
لقد أعادت المادية الحديثة صياغة المفاهيم، فكل ما حرمه الله على من قبلنا، استباحه أهل زماننا بأسماء براقة وعناوين جذابة، حتى أصبح الباطل يرفع رايته جهارا، والحق يحارب في أهله، ويتهم المتمسك به بالرجعية والتطرف.
اصبح الخروج من التيه إن صيرورة الحال إلى هذا الدرك ليست قضاء مبرما لا يمكن دفعه، بل هي نتيجة طبيعية للاستسلام لأهواء النفوس والركون إلى زخرف القول. إن المسؤولية الملقاة على عاتق الكل اليوم أشد ضررا وأعظم جسامة إذ لا نبي ينتظره العالم ليقيم المعوج، بل إن الوحي المحفوظ بين أيدينا هو الواحة الوحيدة الباقية في هذا الهجير.
تقتضي الحكمة الرشيدة أن نعود إلى المنابع الصافية، أن نميز بين الفطرة النقية وبين الشهوات المموهة. إن مواجهة هذا الطوفان المعنوي لا تكون بالبكاء على الأطلال أو ممارسة الدور السلبي، بل بإعلاء صوت العقل، والتمسك بالحق المنبت في نفوس الصادقين، وغرس الفضيلة في مساحاتنا الصغيرة حتى يتسع نورها.
إن الباطل مهما صخبت راياته، فإنه ظل زائل، ويبقى الحق الأصيل هو الملاذ الوحيد الذي يحفظ للإنسان إنسانيته، وللعقل كرامته، وللحياة معناها.
elsir90@hotmail.com
