ما تبقى من الاستعمار في السودان: من إرث التركية المصرية والحكم البريطاني المصري إلى التبعية وإعادة إنتاج الدولة المركزية — قراءة تاريخية ومقارنة ونظرية لمسارات السودان بعد الاستقلال
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
ينطلق المقال من فكرة مركزية مفادها أن استقلال السودان في الأول من يناير 1956 أنهى السيادة الاستعمارية المباشرة، لكنه لم يقطع بالضرورة مع جميع البنى والمؤسسات والعلاقات التي تشكلت خلال الحكمين التركي المصري والبريطاني المصري. ولذلك فإن فهم الدولة السودانية بعد الاستقلال لا يكتمل بمجرد دراسة الحكومات الوطنية والانقلابات والحروب والأزمات التي ظهرت منذ 1956، بل يتطلب العودة إلى المسار التاريخي الطويل الذي تشكلت خلاله الدولة المركزية، وكيف أعيد تنظيم المجال السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي، وكيف توزعت السلطة والثروة والمعرفة والخدمات بين المركز والأقاليم، ثم كيف ورثت الدولة الوطنية هذه البنية وأعادت استخدامها وتعديلها وإعادة إنتاج بعضها. والسؤال الأساسي الذي يحكم المقال ليس ما إذا كان الاستعمار قد ترك آثاراً في السودان فحسب، بل كيف تحولت تلك الآثار إلى مؤسسات وقواعد ومصالح وعلاقات قوة استمرت بعد الاستقلال، وكيف تفاعلت مع خيارات النخب السودانية والحروب والانقلابات والاقتصاد العالمي والتدخلات الإقليمية والدولية.
ويؤكد المقال أن تاريخ السودان الحديث لا يمكن اختزاله في استعمار واحد أو في مرحلة واحدة. فقد تشكلت طبقات متراكمة من بناء الدولة بدأت بصورة حاسمة مع الحكم التركي المصري في الفترة الممتدة منذ 1820–1821، ثم أعيد تنظيمها وتوسيعها بصورة عميقة في ظل الحكم البريطاني المصري منذ 1899 حتى الاستقلال. ولم يكن الحكم البريطاني المصري مجرد بداية منفصلة عن الماضي، بل استفاد بدرجات مختلفة من بعض البنى والحدود والتقسيمات الإدارية التي تشكلت في المرحلة السابقة، وأعاد ترتيبها وفق احتياجات الدولة الاستعمارية البريطانية وشبكات الاقتصاد العالمي. وبذلك أصبح السودان المستقل وريثاً لتراكم مؤسسي طويل، لا لنظام استعماري واحد يمكن تحديد آثاره بصورة منفصلة ونهائية.
ويعرض المقال الحكم التركي المصري باعتباره مرحلة تأسيسية في تكوين الدولة المركزية الحديثة في السودان، مع التأكيد على أن إسقاط المفاهيم المعاصرة للدولة القومية على السودان في القرن التاسع عشر سيكون مضللاً. فقد كان السودان آنذاك فضاءً سياسياً واجتماعياً متنوعاً يضم سلطانات وممالك ومشيخات ومجتمعات رعوية وزراعية وشبكات تجارية ودينية ومحلية متداخلة. وجاء التوسع التركي المصري في سياق مشروع محمد علي المرتبط بمصر والدولة العثمانية وبالحصول على الموارد والقوة البشرية والذهب والعاج والرقيق والسيطرة على طرق التجارة والنيل. وأدى ذلك إلى إدخال مساحات واسعة من السودان في إطار سلطة سياسية خارجية أكثر مركزية واتساعاً من معظم البنى السابقة.
ولم يكن معنى ذلك أن الحكم التركي المصري اقتصر على النهب، رغم أن الاستخراج القسري والضرائب وتجارة الرقيق والعاج والذهب والموارد البشرية كانت عناصر جوهرية فيه. فقد شهدت هذه المرحلة أيضاً إنشاء هياكل إدارية وعسكرية ومالية وربطاً بين الإدارة والجباية والقوة العسكرية وطرق النقل والتجارة، وتحول الخرطوم بصورة تدريجية إلى مركز سياسي وإداري وتجاري وعسكري مهم، ثم أصبحت عاصمة في عام 1835. وأصبح وجود مركز سياسي قوي في الخرطوم، مرتبطاً بالأجهزة العسكرية والمالية والإدارية وبشبكات الاتصال والنقل، أحد أهم المسارات التاريخية التي استمرت آثارها بعد ذلك.
ويبرز المقال أهمية هذه المرحلة من منظور الاعتماد على المسار، لأن الدولة السودانية عند الاستقلال لم تبدأ من فراغ مؤسسي. فقد كان هناك بالفعل تراث من المركزية الإدارية والجباية والإدارة المحلية والجيش وربط الأقاليم بالمركز. كما أن توحيد المجال الإداري تحت سلطة واحدة ساعد على إنتاج تصور أوسع للسودان باعتباره وحدة سياسية وإدارية واحدة، رغم أن هذه الوحدة لم تكن قائمة في السابق بالشكل الذي عرفته الدولة الحديثة. ولهذا فإن بعض جذور المركزية السودانية اللاحقة تعود إلى هذه المرحلة المبكرة، وإن كان من الخطأ إرجاع كل المركزية المعاصرة إليها وحدها.
أما الحكم البريطاني المصري فقد جاء بعد هزيمة الدولة المهدية في 1898، وأُنشئ نظام الحكم الثنائي رسمياً في 1899. وكان النظام من الناحية القانونية بريطانياً مصرياً مشتركاً، لكنه أصبح عملياً نظاماً يهيمن عليه البريطانيون، خصوصاً في المستويات العليا من السلطة والإدارة. وأصبح البريطانيون أصحاب القرار الفعلي في المجالات الأساسية، بينما شارك المصريون والسودانيون في مستويات مختلفة من الجهاز الإداري والعسكري. وبعد أزمة 1924 اتجه البريطانيون إلى تقليص الدور المصري بصورة أكبر وتعزيز سيطرتهم المباشرة.
ويبين المقال أن الانتقال من الحكم التركي المصري إلى الحكم البريطاني المصري لم يكن مجرد استبدال سلطة أجنبية بأخرى، بل كان انتقالاً من شكل أكثر ارتباطاً بالدولة العسكرية والمالية والاستخراجية إلى شكل أكثر انتظاماً من الإدارة الاستعمارية البيروقراطية. فقد تطورت خلال الحكم البريطاني مؤسسات الخدمة المدنية والميزانية والسجلات والإدارة الإقليمية والقضاء والشرطة والجيش والتعليم والصحة، كما تطورت الإدارة الأهلية والنظم المحلية والمحاكم المختلفة. وهذه المؤسسات لم تكن محايدة أو منفصلة عن أهداف الحكم الاستعماري، بل صممت بدرجات مختلفة لخدمة السيطرة السياسية والأمنية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت البنية التي ورثتها الدولة الوطنية لاحقاً.
ويؤكد المقال أن البيروقراطية الاستعمارية كانت حديثة من الناحية التنظيمية لكنها غير متساوية من الناحية السياسية والاجتماعية والمكانية. فقد تطورت الإدارة والتعليم والخدمات والبنية التحتية بصورة أكثر كثافة في مناطق معينة، خاصة وادي النيل والمناطق المرتبطة بالمشروع الزراعي والطرق والسكك الحديدية والموانئ، بينما ظلت مناطق أخرى أقل اندماجاً في الدولة الحديثة وأقل حصولاً على التعليم والخدمات والاستثمار. وهكذا نشأت فجوة طويلة الأمد بين المركز والأطراف، وأصبح التفاوت الإقليمي جزءاً من بنية الدولة وليس مجرد نتيجة عابرة لسياسات حكومة بعينها.
ويعرض المقال أوجه التشابه بين الحكمين التركي المصري والبريطاني المصري، وأهمها أن كليهما كان حكماً أجنبياً، وأن كليهما استخدم الدولة للسيطرة على الموارد والأرض والتجارة والضرائب، واعتمد على القوة العسكرية والأمنية، واستفاد من وسطاء محليين، ورسخ مركزية الخرطوم، وربط الاتصال والإدارة والجباية بالأمن. كما أن السكان لم يُعاملوا بوصفهم شركاء سياسيين متساوين في صناعة الدولة، بل بوصفهم موضوعاً للإدارة والحكم. وأسهمت البنية التحتية في تحقيق بعض أشكال التنمية والاتصال، لكنها كانت في الوقت نفسه مرتبطة باحتياجات السيطرة ونقل القوات والموارد والمحاصيل.
ومع ذلك، يرفض المقال مساواة التجربتين بصورة كاملة. فالحكم التركي المصري كان جزءاً من مشروع إمبراطوري مصري عثماني، وكانت أولوياته العسكرية والاستخراجية واضحة، بينما كان الحكم البريطاني المصري جزءاً من الإمبراطورية البريطانية وشبكات التجارة والتمويل العالمية. ولذلك أصبح الاقتصاد الزراعي التصديري، وخاصة القطن ومشروع الجزيرة، أكثر مركزية في المرحلة البريطانية. كما أصبحت الإدارة البيروقراطية والقضاء والتعليم والصحة والمالية العامة والجيش أكثر انتظاماً، وأصبحت الإدارة الأهلية أكثر مؤسسية في بعض المناطق.
ويشرح المقال أن مشروع الجزيرة يمثل نموذجاً مركزياً لفهم الاقتصاد الاستعماري. فقد تطور المشروع في عشرينيات القرن العشرين وأصبح القطن محوراً أساسياً من محاور الاقتصاد التصديري. ولم يكن المشروع مجرد مشروع زراعي، بل كان منظومة اقتصادية واجتماعية وإدارية أعادت تنظيم الأرض والعمل والعلاقة بين الدولة والمزارعين والأسواق الخارجية. وقد جعل ذلك الاقتصاد السوداني أكثر ارتباطاً بالأسواق العالمية وبالطلب الخارجي، خاصة الطلب المرتبط بصناعة النسيج البريطانية، وأنتج نمطاً من التنمية الزراعية المركزة مكانياً والمرتبطة بسلعة تصديرية رئيسية.
ويشير المقال إلى أن هذا النموذج الاقتصادي استمر بدرجات مختلفة بعد الاستقلال. فقد أصبح القطن، وخاصة إنتاج الجزيرة، مصدراً مهماً للعملة الأجنبية والإيرادات، وظلت البنية التحتية الاقتصادية موجهة بدرجة كبيرة نحو الإنتاج الزراعي والتصدير والنقل إلى الموانئ. واستمر الاعتماد على السلع الأولية، ثم تغيرت السلع المركزية عبر الزمن، فدخلت الصمغ العربي والثروة الحيوانية ثم النفط والذهب وغيرها، دون أن يتحول السودان بصورة مستقرة إلى اقتصاد متنوع وعالي القيمة المضافة.
وفي مجال التعليم، يبين المقال أن السياسة الاستعمارية لم تنتج نظاماً تعليمياً موحداً ومتساوياً. فقد كان التعليم في شمال السودان أكثر ارتباطاً بالمدارس الحكومية والإدارة، بينما اعتمد الجنوب لفترة طويلة بدرجة أكبر على التعليم التبشيري، وظل الجنوب منفصلاً نسبياً عن نظام التعليم في الشمال حتى العقود الأخيرة من الحكم البريطاني. ثم بدأت عملية توحيد وتوسيع التعليم في السنوات الأخيرة قبل الاستقلال، وأُدخلت العربية بصورة أوسع في الجنوب. وأسهم هذا الإرث في إنتاج تفاوت طويل الأمد في فرص التعليم وفي تكوين النخب الإقليمية.
وفي الصحة، شهد الحكم البريطاني تطويراً للمرافق الطبية والمختبرات وبعض نظم الصحة العامة، لكن الخدمات لم توزع بصورة متساوية بين المناطق والسكان، كما ارتبط جزء من النظام الصحي بأهداف الإدارة الاستعمارية والأمن والاقتصاد وحماية القوى العاملة. ولذلك لا ينبغي تصوير الطب الاستعماري باعتباره مجرد خدمة إنسانية محايدة، ولا باعتباره مجرد أداة قمع، بل ينبغي فهمه باعتباره مؤسسة حديثة ذات قدرات حقيقية لكنها نشأت داخل نظام سياسي واقتصادي غير متكافئ.
ويتناول المقال كذلك مسألة الرق والتحول إلى العمل الحر. فقد شهد الحكم التركي المصري توسعاً كبيراً في مؤسسات الرق وتجارة الرقيق، بينما اتخذ الحكم البريطاني موقفاً رسمياً مناهضاً للرق، لكن الانتقال من الرق إلى العمل المأجور لم يكن بسيطاً أو فورياً. فقد استمرت آثار النظام الاجتماعي السابق في علاقات العمل والسلطة والمكانة الاجتماعية، وأعيد تنظيم بعض أشكال العمل ضمن الاقتصاد الاستعماري الجديد. وبذلك لم تختفِ علاقات القوة القديمة بمجرد تغير السياسة القانونية تجاه الرق.
ويخلص المقال من المقارنة بين المرحلتين إلى أن السودان ورث في 1956 مجموعة مركبة من المؤسسات والاختلالات. فالمركزية السياسية والإدارية ليست نتاجاً للحكم البريطاني وحده، بل لها جذور أقدم في عملية التوحيد الإداري التركي المصري، بينما أضاف الحكم البريطاني إليها جهازاً بيروقراطياً أكثر تطوراً ونظاماً مالياً وتعليمياً وقضائياً وعسكرياً واقتصادياً أكثر انتظاماً. والإدارة الأهلية ليست اختراعاً بريطانياً خالصاً، إذ كانت لها جذور في سلطات محلية ومؤسسات اجتماعية سابقة، لكن الاستعمار أعاد تعريفها وتصنيفها وتقنينها ومنح بعض قادتها سلطات جديدة داخل الدولة.
وبهذا أصبح الإرث الاستعماري إرثاً مركباً لا يمكن تقسيمه بصورة ميكانيكية إلى جزء تركي مصري وجزء بريطاني مصري. فقد تراكمت المؤسسات فوق بعضها، وأصبح ما أنشأته مرحلة لاحقة يعتمد جزئياً على ما أنشأته المرحلة السابقة. كما أن النخب السودانية بعد الاستقلال لم تكن مجرد ضحية لهذا الإرث، بل أصبحت فاعلاً في الحفاظ على بعض عناصره أو تعديلها أو استخدامها لأغراض سياسية جديدة.
ويبين المقال أن أهم عناصر الإرث المشترك بعد الاستقلال تمثلت في مركزية الدولة والسلطة المالية والأمنية، وقوة الجهاز الإداري المركزي، ودور الجيش والأجهزة الأمنية، واعتماد الإدارة المحلية على وسطاء اجتماعيين، والتفاوت الإقليمي، والاقتصاد المعتمد على السلع الأولية، والفجوة بين المؤسسات الحكومية والمشاركة السياسية والاجتماعية الفعلية. وأصبح الوصول إلى الخرطوم والسيطرة عليها هدفاً رئيسياً في الصراعات السياسية والعسكرية، لأن المركز كان يملك قدراً غير متناسب من السلطة والموارد والشرعية الرسمية.
وفي المجال الاقتصادي، ظلت الزراعة التجارية والبنية التحتية المرتبطة بالتصدير مركزية في الاقتصاد الوطني. وكان مشروع الجزيرة مثالاً واضحاً على استمرار بنية اقتصادية تشكلت في المرحلة الاستعمارية ثم أصبحت مورداً للدولة الوطنية. ولم يكن استمرار المشروع دليلاً على أن السودان لم يتغير، بل كان مثالاً على كيفية احتفاظ الدولة الوطنية بالمؤسسات الاستعمارية عندما تكون هذه المؤسسات مفيدة في توليد الإيرادات والعملات الأجنبية والإدارة الاقتصادية.
ويشرح المقال أن هذا الاستمرار يمكن فهمه من خلال مفهوم الاعتماد على المسار. فالمؤسسات التي تنشأ في مرحلة معينة تنتج تكاليف مرتفعة لتغييرها، وتخلق مصالح مستفيدة منها، وتوفر حلولاً جاهزة للنخب اللاحقة. ولهذا قد تستمر حتى عندما تتغير الأهداف السياسية للنظام. وفي السودان، أصبحت المركزية والإدارة والجيش والاقتصاد الزراعي والبنية القانونية والإدارة المحلية عناصر مترابطة، مما جعل إعادة بناء الدولة بعد الاستقلال أكثر تعقيداً.
ويؤكد المقال أن الإرث العسكري كان من أكثر الإرثات حساسية. فقد أنشأ الحكم البريطاني قوة عسكرية سودانية منظمة، لكنها لم تُبنَ منذ البداية بوصفها جيشاً وطنياً متساوي التمثيل لجميع الأقاليم والمجتمعات. واستخدم الاستعمار سياسات مختلفة في تجنيد وتنظيم القوات، وأسهم ذلك في نشوء فجوة بين المركز وبعض مناطق الغرب والأطراف. واستمرت آثار هذه الفجوة في تطور المؤسسة العسكرية وفي العلاقات بين الجيش والقوى المسلحة غير النظامية في مراحل لاحقة. ولا يعني ذلك أن الحروب المعاصرة مجرد استمرار مباشر للجيش الاستعماري، بل يعني أن بعض الانقسامات التاريخية في بناء المؤسسة الأمنية أصبحت جزءاً من الشروط التي عملت داخلها الدولة الوطنية.
كما يناقش المقال الإدارة الأهلية بوصفها مؤسسة مركبة. فقد أعاد الاستعمار تنظيم سلطات الزعماء المحليين والشيوخ والنظار والسلاطين، وأدخلها في نظام إداري وقضائي رسمي، ومنحها صلاحيات في الأرض والنزاعات والضرائب والمجتمع المحلي. وفي بعض المناطق، خصوصاً دارفور، أعاد الحكم البريطاني تنظيم سلطات محلية ذات جذور تاريخية أقدم، وربطها بالدولة الاستعمارية. وبعد الاستقلال استمرت الإدارة الأهلية، وأعيد استخدامها وتعديلها وإلغاؤها ثم إعادتها في فترات مختلفة. لذلك لا يمكن وصفها بأنها تقليد محلي أصيل خارج الدولة ولا بأنها مجرد اختراع استعماري، بل هي مؤسسة هجينة تشكلت من تفاعل سلطات محلية قديمة مع إعادة التنظيم الاستعماري ثم السياسات الوطنية اللاحقة.
وينتقل المقال إلى تفسير هذه الوقائع من خلال نظريات ما بعد الاستعمار والتبعية والرأسمالية الطرفية. وتبدأ نظرية التبعية من أن تخلف المجتمعات ليس مجرد مرحلة داخل مسار طبيعي للتنمية، بل يمكن أن يكون نتيجة تاريخية لطريقة إدماجها في الاقتصاد العالمي. ويصبح المركز العالمي منتجاً للسلع ذات القيمة الأعلى والتكنولوجيا والتمويل، بينما تتخصص الأطراف في إنتاج المواد الأولية والسلع الزراعية والموارد والعمل الرخيص، فتتولد علاقة غير متكافئة تعيد إنتاج الفروق بين المركز والأطراف.
وتكتسب أفكار سمير أمين أهمية خاصة في تحليل السودان، لأن أمين لم ينظر إلى التبعية باعتبارها مجرد علاقة تجارية، بل ربطها ببنية الرأسمالية الطرفية وبالطبقات الاجتماعية والمؤسسات الزراعية والدولة والسياسات الدولية. ووفق هذا المنظور، فإن إدماج السودان في الاقتصاد العالمي من خلال القطن والسلع الزراعية ثم النفط والذهب لم يؤد تلقائياً إلى تنمية مستقلة ومتنوعة. وقد ارتبط الإنتاج التصديري ببنية داخلية من المصالح والعلاقات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تجعل النخب المحلية نفسها جزءاً من إعادة إنتاج الاقتصاد الطرفي.
وتوضح أفكار أمين أيضاً أن التبعية لا تعني غياب الفاعلية المحلية. فالمجتمعات والنخب والدولة يمكنها اتخاذ قرارات مستقلة جزئياً، ويمكنها مقاومة بعض أشكال التبعية أو التفاوض عليها أو الاستفادة منها. لكن مجال الاختيار نفسه يتأثر بالبنية العالمية وبالتاريخ الداخلي. ولذلك لا ينبغي استخدام نظرية التبعية لتبرئة النخب الوطنية من مسؤوليتها، وإنما لفهم القيود والحوافز التي عملت داخلها.
وتضيف نظرية النظام العالمي بعداً آخر، إذ تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من نظام عالمي أوسع يتغير موقعه داخله بمرور الزمن. فقد ارتبط السودان تاريخياً بالأسواق العالمية من خلال الرقيق والعاج والذهب ثم القطن والصمغ العربي والثروة الحيوانية والنفط والذهب الحديث. ولم تكن السلعة وحدها هي المهمة، بل كانت العلاقة بين الاقتصاد المحلي والتمويل والتجارة والنقل والقوة السياسية الدولية. ومن هنا يصبح الاقتصاد الاستعماري جزءاً من تاريخ أطول لإدماج السودان في تقسيم دولي غير متكافئ للعمل.
أما مفهوم الاستعمارية فيركز على ما يستمر بعد نهاية الاستعمار الرسمي. فالقوة الاستعمارية لا تختفي بالضرورة عندما يغادر الحاكم الأجنبي، لأن تصنيفات السكان والمناطق واللغات والثقافات والعمل والمعرفة قد تستمر داخل المؤسسات الوطنية. وفي الحالة السودانية، ينبغي تكييف هذا المفهوم مع الخصوصية المحلية، لأن علاقات التمييز لم تكن قائمة فقط على اللون كما في بعض الحالات الاستعمارية الأخرى، بل تداخلت فيها المنطقة واللغة والثقافة والدين والقبيلة والمهنة والعلاقة بالمركز والدولة والتاريخ السياسي.
وتقدم نظرية الاستبداد اللامركزي تفسيراً مهماً للإدارة الأهلية. فالحكم غير المباشر لم يكن مجرد ترك المجتمعات المحلية تحكم نفسها وفق تقاليدها، بل أعاد الاستعمار تعريف ما يسمى بالتقاليد والقبائل والزعامات، وأدخلها في نظام إداري يجعل السلطة المحلية جزءاً من الدولة وفي الوقت نفسه منفصلة عن مفهوم المواطنة المتساوية. وأدى ذلك في بعض المناطق إلى تثبيت حدود اجتماعية وسياسية كان بعضها أكثر مرونة قبل الاستعمار، وربط السلطة المحلية بالأرض والقبيلة والزعامات.
ويستخدم المقال أفكار فرانتز فانون لتوضيح الخطر الذي يواجه الدول الخارجة من الاستعمار عندما يتحول الاستقلال السياسي إلى مجرد انتقال للسلطة من الإدارة الأجنبية إلى نخبة وطنية دون تغيير عميق في البنية الاقتصادية والاجتماعية. وقد حذر فانون من البرجوازية الوطنية التي قد تسيطر على الدولة لكنها لا تمتلك مشروعاً مستقلاً لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع، فتتحول الدولة إلى أداة لإدارة البنية الموروثة بدلاً من تغييرها. وفي الحالة السودانية، يساعد هذا التحليل على طرح السؤال حول ما إذا كان الاستقلال قد أنتج إعادة تأسيس للدولة أم مجرد سودنة تدريجية لمؤسسات موروثة.
وتكمل مفاهيم المعرفة والتمثيل الثقافي هذا التحليل من خلال دراسة الطريقة التي أنتج بها الاستعمار معرفة عن السودان وسكانه وأقاليمه ومجموعاته. فقد لعبت التصنيفات الإدارية والإثنوغرافية والقانونية دوراً في تحديد من هو “قبيلة” ومن هو “زعيم” ومن هو “مزارع” ومن هو “رعوي” ومن هو “متعلم” ومن هو “تقليدي”، ثم أصبحت بعض هذه التصنيفات جزءاً من الإدارة الوطنية. وفي الوقت نفسه لم يكن السودانيون مجرد موضوع لهذه المعرفة، بل شاركوا في إنتاجها ومقاومتها وإعادة تعريفها، وظهرت نخب متعلمة استخدمت المؤسسات الاستعمارية نفسها للمطالبة بالاستقلال.
وعند تطبيق الإطار النظري على الإرث التركي المصري، يرى المقال أن نظرية التبعية الكلاسيكية لا ينبغي إسقاطها بصورة مباشرة على المرحلة الأولى، لأن الاقتصاد التركي المصري لم يكن نسخة من الرأسمالية الاستعمارية الحديثة. وكان الأصح استخدام مفاهيم الدولة الاستخراجية والاقتصاد العسكري المالي والمركز والأطراف والاعتماد على المسار. فقد أدى التوسع العسكري والجباية والسيطرة على التجارة والموارد إلى إنشاء مركز قوي وإلى إعادة تنظيم الأراضي والطرق والسلطة، بينما ظلت الأطراف مرتبطة بالمركز من خلال القوة والضرائب والإدارة.
ومع ذلك، أصبح لهذا الإرث المبكر أثر لاحق في الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري. فالبنية الإدارية والجغرافية التي تشكلت في المرحلة التركية المصرية أصبحت جزئياً قاعدة استطاع الحكم البريطاني أن يبني فوقها اقتصاداً تصديرياً أكثر انتظاماً. ولذلك فإن العلاقة بين المرحلتين ليست علاقة قطيعة، بل علاقة تراكم وإعادة تشكيل.
وعند تطبيق النظريات نفسها على الحكم البريطاني المصري، تصبح نظرية التبعية أكثر مباشرة. فقد ارتبط السودان بشبكات رأس المال والأسواق البريطانية، وركز الاقتصاد الزراعي على القطن، وأعيد تنظيم الأرض والعمل والبنية التحتية لخدمة الإنتاج والتصدير، وتزايد ارتباط المالية العامة بالاقتصاد العالمي. ثم واجه السودان بعد الاستقلال مشكلات العملة الأجنبية والديون وتقلب أسعار السلع والعجز المالي، وهي مشكلات لا يمكن تفسيرها كلها بالاستعمار، لكنها لا يمكن فهمها أيضاً دون تاريخ الاقتصاد التصديري الذي تشكل في الفترة الاستعمارية.
ويبين المقال أن أزمة الديون في العقود اللاحقة للاستقلال كانت نتيجة تفاعل عدة عوامل، منها الاقتراض الخارجي، وتراجع الصادرات، والحروب، والجفاف، والسياسات الاقتصادية، والتقلبات العالمية، وضعف الإدارة المالية. ولذلك فإن النظرية الأكثر دقة لا تقول إن الاستعمار تسبب وحده في كل أزمة مالية لاحقة، بل تقول إن الاقتصاد الموروث حدد بعض نقاط البداية، ثم قامت الحكومات الوطنية والظروف الدولية والسياسات الاقتصادية بتوسيع بعض المشكلات أو تخفيفها.
ويطبق المقال مفهوم الاستعمارية أيضاً على الجيش. فقد ورثت الدولة الوطنية مؤسسة عسكرية نشأت داخل نظام استعماري، ثم أصبحت هذه المؤسسة بعد الاستقلال لاعباً سياسياً رئيسياً. ومع الانقلابات المتكررة، أصبحت المؤسسة العسكرية لا تحمي الدولة فقط، بل شاركت في تحديد شكل الدولة والنظام السياسي والاقتصاد. وفي مراحل لاحقة، أدى ظهور القوات غير النظامية والميليشيات وتعدد مراكز القوة المسلحة إلى تعقيد هذه البنية. ولذلك فإن الأزمة الأمنية السودانية الحديثة لا يمكن تفسيرها باعتبارها استمراراً آلياً للماضي الاستعماري، لكنها لا تنفصل عن تاريخ بناء الدولة والجيش والمركز والأطراف.
ويؤكد المقال في المقابل على ضرورة وضع حدود للتفسير ما بعد الاستعماري. فالقول بأن كل أزمة سودانية هي نتيجة للاستعمار يؤدي إلى تفسير أحادي الجانب لا يفسر مسؤولية الفاعلين الوطنيين. فقد اتخذت الحكومات السودانية قرارات مستقلة، وأقامت تحالفات جديدة، وألغت مؤسسات استعمارية وأعادت إنشاء أخرى، وخاضت حروباً أهلية، وغيّرت نظم الأرض والإدارة المحلية، وتبنت سياسات اشتراكية ثم سياسات تحرير اقتصادي، واقترضت من الخارج، وأدارت النفط والذهب، واستخدمت الدين والقبيلة والجهوية في السياسة، وأنشأت شبكات مصالح عسكرية واقتصادية جديدة.
ولهذا يميز المقال بين ثلاثة مستويات مترابطة: الإرث التاريخي، وإعادة الإنتاج الوطني، والتفاعل العالمي والإقليمي. الإرث التاريخي يحدد بعض البنى الأولية، وإعادة الإنتاج الوطني تحدد كيف تستمر تلك البنى أو تتغير، بينما تفرض البيئة الدولية والإقليمية قيوداً وفرصاً جديدة. ولا يمكن فهم الدولة السودانية المعاصرة من خلال أحد هذه المستويات منفرداً.
ويظهر هذا التفاعل بوضوح بعد الاستقلال في استمرار المركزية، ثم في الانقلابات العسكرية، والحرب الأهلية الأولى، وحكم جعفر نميري، والحرب الثانية، والحكم الإسلامي، وسياسات التمكين، وتوسع الاقتصاد العسكري، ثم انفصال جنوب السودان، وتغير بنية الاقتصاد بعد فقدان النفط، واستمرار النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم ثورة ديسمبر، ثم الحرب التي بدأت في أبريل 2023. وفي كل مرحلة أعادت الدولة والمجتمع والقوى المسلحة إنتاج أجزاء من العلاقة بين المركز والأطراف بطرق جديدة.
ويؤكد المقال أن السودان لم يكن ثابتاً منذ 1956. فقد حدثت تحولات حقيقية في التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد والتمدين والنخب والحركة الاجتماعية والوعي السياسي. كما ظهرت قوى وطنية ونقابية ومهنية وحزبية ومجتمعية حاولت بناء دولة مختلفة. ولذلك فإن مفهوم “استمرار الاستعمار” لا ينبغي أن يعني عدم حدوث التغيير، بل استمرار بعض القواعد البنيوية داخل نظم سياسية واجتماعية واقتصادية تغيرت بالفعل.
ومن هنا يطرح المقال مفهوم “الاستقلال المؤسسي الثاني”، أي أن إنهاء الاستعمار السياسي كان مرحلة أولى، بينما يتطلب بناء دولة سودانية مستقرة وعادلة مرحلة ثانية من إعادة تأسيس المؤسسات والعلاقات بين المركز والأقاليم والمواطن والدولة والجيش والاقتصاد. ولا يعني ذلك العودة إلى الماضي أو تدمير كل المؤسسات الموروثة، بل التمييز بين المؤسسات التي يمكن الاحتفاظ بها بعد إعادة تصميمها، والمؤسسات التي تحتاج إلى تفكيك، والمؤسسات التي ينبغي بناؤها من جديد.
ويشمل ذلك إعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس مواطنة متساوية وفيدرالية حقيقية وتوزيع أكثر عدلاً للموارد والسلطات، وإصلاح الإدارة المحلية والإدارة الأهلية بحيث لا تصبح أداة للتمييز أو الاحتكار، وإعادة صياغة نظام الأراضي بطريقة تحمي الحقوق الفردية والجماعية وتمنع النزاع، وتوحيد النظام القضائي مع احترام التنوع القانوني ضمن إطار دستوري واضح، وتطوير نظام تعليمي وصحي أكثر مساواة بين الأقاليم، وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على السلع الأولية، وإصلاح المالية العامة، وإعادة بناء جيش وطني مهني خاضع للسلطة المدنية، وإنهاء تعدد الجيوش بعد ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمساءلة.
ويخلص المقال إلى أن السؤال الحقيقي بعد الاستقلال ليس فقط لماذا بقيت بعض المؤسسات الاستعمارية، وإنما لماذا وجدت النخب الوطنية المتعاقبة في بعضها مصلحة سياسية واقتصادية وأمنية في استمرارها. فالمركزية وفرت السيطرة، والجيش وفر القوة، والإدارة المحلية وفرت الوصول إلى الريف، والاقتصاد التصديري وفر العملة الأجنبية، والشبكات الزبائنية وفرت الولاء، بينما سمحت الفجوات الإقليمية بإعادة إنتاج تحالفات السلطة. وبذلك تحول بعض الإرث الاستعماري من إرث مفروض من الخارج إلى بنية يتم إنتاجها من الداخل.
ويؤكد المقال أن تجاوز هذا الإرث لا يمكن أن يتم بمجرد تغيير الحكومات أو تعديل أسماء المؤسسات، بل يتطلب تغيير قواعد توزيع السلطة والثروة والمعرفة والأمن والخدمات. كما يتطلب الاعتراف بأن بعض المؤسسات التي تبدو “تقليدية” أو “وطنية” تحمل تاريخاً مركباً من التفاعل بين المجتمعات المحلية والدولة الاستعمارية والدولة الوطنية. ويتطلب كذلك عدم تحويل التاريخ إلى أداة للاتهام وحده، بل إلى وسيلة لفهم كيفية نشوء الاختلالات وكيف يمكن تغييرها.
وفي النهاية، يقدم المقال قراءة للسودان بوصفه دولة تشكلت من طبقات تاريخية متراكمة: طبقة سياسية وإدارية مبكرة ارتبطت بالحكم التركي المصري، وطبقة بيروقراطية واقتصادية وأمنية أكثر انتظاماً ارتبطت بالحكم البريطاني المصري، ثم طبقات وطنية متعاقبة أعادت تفسير هذه المؤسسات واستخدامها وتوسيعها، ثم طبقات أحدث صنعتها الحروب والانقلابات والديون والنفط والذهب والاقتصاد العالمي والتدخلات الإقليمية. ولذلك فإن بناء السودان الجديد لا يتطلب إنكار التاريخ ولا تحميله كل المسؤولية، بل يتطلب تفكيك العلاقة بين الماضي والمؤسسات الحالية، والتمييز بين ما ينبغي الاحتفاظ به وما ينبغي إصلاحه وما ينبغي إنهاؤه.
والخلاصة النقدية الأساسية هي أن استقلال السودان كان استقلالاً سيادياً حقيقياً، لكنه لم يكن قطيعة مؤسسية كاملة. فقد انتقلت السيادة من دولة استعمارية إلى دولة وطنية، بينما استمرت أجزاء من البنية المركزية والاقتصادية والإدارية والأمنية والاجتماعية. غير أن استمرار هذه العناصر لم يكن آلياً أو حتمياً؛ فقد أعادت النخب والحكومات والمؤسسات السودانية إنتاجها بدرجات متفاوتة، كما قاومتها مجتمعات وحركات سياسية ومهنية ومسلحة ومدنية. ومن ثم فإن المستقبل لا تحدده “لعنة الاستعمار” ولا مجرد الرغبة في القطيعة، بل قدرة السودانيين على تحويل المعرفة التاريخية إلى مشروع مؤسسي جديد يعالج المركزية والتفاوت والاقتصاد الطرفي وتعدد الجيوش وضعف المشاركة السياسية وعدم المساواة في الخدمات والموارد. وبهذا المعنى، فإن التحرر الحقيقي لا يكتمل بمجرد خروج الحاكم الأجنبي، وإنما يكتمل عندما تصبح الدولة نفسها ملكاً متساوياً لمواطنيها، وعندما لا تعيد مؤسساتها إنتاج المركز والأطراف والامتيازات التاريخية في صورة وطنية جديدة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: من «انتهاء الاستعمار» إلى سؤال أعمق عن بقاء بنيته داخل الدولة الوطنية
لا يمكن فهم السودان الذي استقل في 1 يناير 1956م بمجرد القول إن الاستعمار انتهى بخروج الإدارة البريطانية المصرية ورفع العلم الوطني، لأن انتهاء السيطرة الأجنبية المباشرة لا يعني بالضرورة انتهاء البنى التي أنتجتها تلك السيطرة. فقد ورث السودان عند الاستقلال دولة مركزية حديثة نسبياً من حيث الإدارة والقانون والجيش والمالية والتعليم والنقل، لكنه ورث في الوقت نفسه تفاوتاً عميقاً بين المركز والأطراف، واقتصاداً شديد الارتباط بإنتاج السلع الأولية والتصدير، وجهازاً أمنياً وعسكرياً ذا جذور استعمارية، وإدارة محلية قامت في جانب مهم منها على تصنيف السكان إلى جماعات «قبلية» وأقاليم ذات حدود وسلطات قانونية، ونظاماً تعليمياً وصحياً غير متكافئ، وعلاقة غير متوازنة بين الخرطوم ومجمل الأقاليم. ولذلك فإن السؤال العلمي الأدق ليس ما إذا كان الاستعمار قد «بقي» بعد 1956م بمعنى الاحتلال، وإنما ما إذا كانت قواعد إنتاج السلطة والثروة والمعرفة والهوية التي نشأت أو ترسخت خلال الحكم الأجنبي قد استمرت داخل الدولة الوطنية، وما إذا كانت النخب الوطنية قد أعادت إنتاجها أو عدلتها أو قاومتها.
ويحتاج هذا السؤال إلى التمييز بين مرحلتين أجنبيتين مختلفتين جذرياً، وإن كانتا مترابطتين تاريخياً. الأولى هي الحكم التركي المصري، أو العثماني المصري، الذي بدأ بالغزو المصري للسودان في 1820–1821م وانتهى بسقوط الخرطوم في سياق الثورة المهدية ثم سقوط الدولة المهدية أمام الغزو البريطاني المصري سنة 1898م؛ والثانية هي الحكم البريطاني المصري، أو الحكم الثنائي، الذي تأسس قانونياً سنة 1899م بعد هزيمة الدولة المهدية واستمر حتى الاستقلال. وقد كان الحكم البريطاني المصري، رغم اختلافه الجوهري عن التركية المصرية، وريثاً لبعض البنى الإدارية والمكانية التي نشأت في الحقبة السابقة، ثم أعاد تشكيلها ضمن نظام استعماري بيروقراطي أكثر تطوراً. ولذلك فإن السودان الحديث لا يمكن قراءته بوصفه نتاج «استعمارين منفصلين»، بل بوصفه نتاج تراكم طبقات من بناء الدولة والاقتصاد والسلطة؛ إذ أسست التركية المصرية بعض البنى الأولى للدولة المركزية، ثم أعاد البريطانيون تنظيم أجزاء منها وتوسيعها، ثم ورثتها الدولة الوطنية وأعادت توظيفها وفق مصالحها وصراعاتها الخاصة (بيوركيلو، 1997؛ دالي، 1986؛ ناتسيوس، 2012). وتؤكد الأدبيات التاريخية أن البريطانيين بنوا جانباً مهماً من إدارتهم على مؤسسات وتقسيمات سبقتهم، بينما أصبحت الهيمنة البريطانية أكثر وضوحاً داخل الحكم الثنائي بعد 1899م، ولا سيما بعد أزمة 1924م وطرد القوات والموظفين المصريين (غوكصوي، 2019؛ ناتسيوس، 2012).
وتزداد أهمية إدخال الأطر النظرية لما بعد الاستعمار والتبعية إلى هذا التحليل لأن مجرد سرد الأحداث لا يفسر لماذا بقيت بعض المؤسسات بينما اختفت أخرى، ولماذا أصبح السودان مستقلاً سياسياً لكنه ظل اقتصادياً عرضة للتقلبات الخارجية، ولماذا استمر المركز في التحكم بالأطراف، ولماذا استطاعت بعض النخب الوطنية أن تحل محل النخب الاستعمارية من دون أن تغير بالضرورة قواعد توزيع السلطة. وهنا تصبح نظريات التبعية، والرأسمالية الطرفية، وعدم التكافؤ في النظام العالمي، والاستعمارية بوصفها نمطاً مستمراً للسلطة، والاستعمار غير المباشر، و«الاستبداد اللامركزي»، والهيمنة المعرفية والثقافية، والفاعلية الهجينة، والاعتماد المؤسسي على المسار، أدوات مكملة لا بدائل متنافسة لتفسير الحالة السودانية.
وتنطلق القراءة المقترحة هنا من فرضية مركبة: الإرث التركي المصري يفسر بصورة أكبر تشكل الدولة المركزية والجغرافيا السياسية والإدارية الأولى للدولة الحديثة ومنطق الاستخراج العسكري؛ بينما يفسر الإرث البريطاني المصري بصورة أكبر تشكل البيروقراطية الحديثة، والاقتصاد الزراعي التصديري، والإدارة الأهلية، والجيش الحديث، والتفاوت المؤسسي بين المركز والأطراف، وبعض أنماط القانون والتعليم والخدمة العامة؛ أما بقاء هذه العناصر بعد الاستقلال فلا يمكن تفسيره بالاستعمار وحده، بل بتفاعل الإرث التاريخي مع قرارات النخب الوطنية، والحرب، والانقلابات، والاقتصاد العالمي، والديناميات الإقليمية، والديون، وتدخلات المؤسسات المالية الدولية، والتنافس على الموارد.
وقد تم ترتيب المادة وفق منهجية تاريخية ـ سببية: يبدأ المقال بتكوين الدولة في العهدين الأجنبيين، ثم يقارن طبيعة الحكمين، ثم ينتقل إلى الإرث المؤسسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يقدم الإطار النظري، ثم يطبق نظرية التبعية والاستعمارية وما بعد الاستعمار على الإرث التركي المصري، ثم على الإرث البريطاني المصري، ثم يفسر إعادة إنتاج الإرث بعد 1956م، وينتهي بتركيب نقدي وأجندة عملية لما يمكن تسميته «الاستقلال المؤسسي الثاني». والهدف من ذلك ألا تصبح النظرية منفصلة عن التاريخ، ولا التاريخ منفصلاً عن بنية الاقتصاد والسياسة. وقد جرى الدمج في اثني عشر فصلاً لأن أفضل ترتيب للمقال العلمي في هذه الحالة هو الانتقال من التأسيس التاريخي إلى المقارنة، ثم إلى البنية المؤسسية والاقتصادية، ثم إلى الأطراف والهوية، ثم إلى النظرية، ثم إلى تطبيق النظرية على كل إرث استعماري على حدة، ثم إلى إعادة الإنتاج الوطنية، وأخيراً إلى التركيب الإصلاحي. وهذا الترتيب يمنع التكرار ويجعل كل فصل يجيب عن سؤال سببي يمهد للفصل التالي.
الفصل الأول: من الغزو والاستخراج إلى الدولة المركزية — كيف تشكلت البنية الأولى للسودان الحديث؟
التركية المصرية: توحيد المجال السياسي بالقوة وربط الدولة بالاستخراج
بدأ الغزو المصري للسودان في 1820–1821م في إطار مشروع محمد علي باشا لتوسيع قاعدة موارده البشرية والعسكرية والاقتصادية، والسيطرة على النيل، والحصول على الذهب والعاج والعبيد وغير ذلك من الموارد. ولم يكن السودان في ذلك الوقت دولة قومية موحدة بالمعنى الحديث؛ فقد كان يتكون من سلطنات وممالك ومشيخات ومجتمعات رعوية وزراعية وشبكات تجارية متنوعة، وكانت سلطنة سنار ودارفور ومناطق أخرى تمتلك تقاليد سياسية مستقلة أو شبه مستقلة. ولذلك فإن التركية المصرية ساهمت في إعادة رسم المجال السياسي للسودان من خلال إخضاع مناطق واسعة لجهاز حكومي واحد، حتى وإن كان هذا الجهاز خارجياً ومفروضاً بالقوة.
وكانت الخرطوم أحد أهم منتجات هذه المرحلة؛ فقد أصبحت مركزاً سياسياً وإدارياً رئيسياً، ثم عاصمة للحكم سنة 1835م، وتحولت تدريجياً إلى نقطة التقاء للجيش والمالية والتجارة والنقل. كما جرى تقسيم المجال إلى وحدات إدارية، وتوسعت نظم الضرائب والدواوين، واستُخدمت السلطات المحلية في جمع الإيرادات وتسهيل الحكم. ومن ثم فإن التركية المصرية لم تكن مجرد فترة «نهب» عابر، بل كانت أيضاً مرحلة مهمة في تحويل المجال السوداني إلى إقليم إداري مركزي، وهو الإرث الذي استفاد منه البريطانيون لاحقاً بدلاً من البدء من الصفر (بيوركيلو، 1997).
لكن بناء الدولة في التركية المصرية كان مرتبطاً بقوة بالإكراه والاستخراج. فانتشرت الضرائب، وارتبطت أجزاء من اقتصاد الحكم بتجارة الرقيق والعاج، وظهرت مراكز عسكرية وطرق إدارية وتجارية تخدم الدولة. وقد أدى هذا الجمع بين المركزية والجباية والعنف إلى إنتاج مقاومات محلية متكررة، وأصبح جزءاً من الذاكرة السياسية التي غذت لاحقاً رفض الحكم التركي المصري. ولا ينبغي، مع ذلك، إسقاط مفاهيم الدولة القومية الحديثة على تلك المرحلة؛ فقد كان المشروع في جوهره إمبراطورياً وتوسعياً مرتبطاً بمصر والدولة العثمانية أكثر مما كان مشروعاً لبناء «أمة سودانية» مستقلة.
ومن منظور تاريخي مؤسسي، تكمن أهمية التركية المصرية في أنها خلقت اعتماداً على مسار جديد: أصبح المركز السياسي في الخرطوم قادراً على تنظيم مجال جغرافي أوسع من السابق، وأصبح الجيش والإدارة والضرائب والنقل أجزاء مترابطة من سلطة واحدة. وهذا لا يعني أن كل مؤسسات السودان الحديثة جاءت من التركية المصرية، لكنه يعني أن الدولة الوطنية اللاحقة لم تبدأ من حالة فراغ مؤسسي، وإنما من بنية سياسية كانت قد قطعت شوطاً مهماً في توحيد المجال تحت سلطة مركزية.
والأهم أن الدولة التركية المصرية لم تكن مجرد قوة خارجية «فوق» المجتمع، بل أعادت ترتيب العلاقات بين المركز والمجتمعات المحلية. فقد أدى التوسع العسكري إلى إدخال مناطق بعيدة في مجال القرار المركزي، وربط الجباية والتجارة والأمن بالإدارة الحكومية، وجعل السيطرة على المراكز النيلية ذات أهمية متزايدة. وفي الوقت نفسه لم تكن قدرة الدولة متساوية في جميع المناطق؛ فقد كانت الدولة أكثر حضوراً في المراكز والمدن والطرق التجارية، وأضعف في مناطق أخرى، الأمر الذي أدى إلى ظهور نمط مبكر من «الدولة غير المتكافئة مكانياً»، وهو نمط سيظهر بصورة أكثر انتظاماً في الحكم البريطاني المصري.
ومن منظور سمير أمين، يجب الحذر من وصف هذه المرحلة بأنها «رأسمالية طرفية» بالمعنى الكامل الذي استخدمه لاحقاً؛ لأن الاقتصاد السياسي التركي المصري في السودان كان سابقاً على اكتمال النظام الرأسمالي الاستعماري الحديث، وكانت الجباية والعبودية والتجارة والإدارة العسكرية أهم من التخصص الصناعي الرأسمالي. لكن مفهوم الاستخراج المركزـالمحيطي يظل مفيداً في وصف علاقة السلطة السودانية آنذاك بمركز خارجي كان يحدد بدرجة كبيرة اتجاه الموارد والقوة البشرية (أمين، 1972).
الحكم البريطاني المصري: من الدولة العسكرية إلى الدولة الاستعمارية البيروقراطية
بعد هزيمة الدولة المهدية سنة 1898م، أُنشئ الحكم البريطاني المصري قانونياً سنة 1899م. وقد كانت فكرة «الحكم الثنائي» في جانب مهم منها صيغة قانونية وسياسية غامضة؛ إذ ظل لمصر ادعاء قانوني وسيادي، لكن السلطة الفعلية في السودان أصبحت بريطانية بصورة متزايدة. كان البريطانيون في المواقع العليا من الإدارة، والمصريون في مواقع وسطى، بينما دخل السودانيون المتعلمون تدريجياً إلى الوظائف الدنيا والمتوسطة. ومع أزمة 1924م أُبعدت القوات والموظفون المصريون على نطاق واسع، وأصبح التحكم البريطاني أكثر مباشرة، رغم استمرار الصيغة القانونية للحكم الثنائي (غوكصوي، 2019؛ ناتسيوس، 2012).
وتوضح الدراسات الإدارية أن الحاكم العام ودوائر الإدارة البريطانية امتلكوا مساحة واسعة من الاستقلال في إدارة السودان، وأن الإدارة التي تشكلت في عهد كيتشنر ثم ونجيت اعتمدت على مجموعة صغيرة من المسؤولين البريطانيين الذين مارسوا سلطة واسعة على الجهاز الإداري (ووربرغ، 1968). ولم يكن الحكم الثنائي متساوياً فعلياً بين بريطانيا ومصر؛ فبريطانيا كانت الشريك المهيمن، بينما ظلت الصيغة الثنائية إطاراً قانونياً وسياسياً للصراع على السودان.
وهنا حدث تحول نوعي. فقد كانت التركية المصرية قد أنشأت الدولة المركزية بدرجة كبيرة باعتبارها جهازاً عسكرياً ـ مالياً، بينما طور البريطانيون الدولة المركزية البيروقراطية؛ أي الدولة التي تعمل عبر السجلات واللوائح والميزانيات والتقسيمات الإدارية والخدمة المدنية والمحاكم والشرطة والجيش والتعليم والإدارة الأهلية. وكان هذا أكثر قدرة على البقاء بعد انتهاء الاستعمار لأنه لم يعتمد فقط على وجود الحاكم الأجنبي، بل على مؤسسات يمكن نقلها إلى دولة وطنية.
لكن هذه البيروقراطية لم تكن محايدة. فقد كانت مرتبطة بمشروع استعمار اقتصادي وسياسي وأمني، ولذلك ركزت التنمية على مناطق وقطاعات معينة، وأبقت مناطق أخرى على درجة أعلى من العزلة. ويشير ناتسيوس إلى أن التفاوت بين وادي النيل والأطراف ازداد خلال الحكم البريطاني المصري، وأن سياسة عزل الجنوب عن الشمال أدت إلى فجوة تنموية عميقة بقيت مؤثرة عند الاستقلال (ناتسيوس، 2012).
وقد كان التطور الإداري نفسه انتقائياً. فالدولة الاستعمارية لم تكن تسعى إلى بناء دولة رفاه وطنية متساوية، وإنما إلى بناء جهاز يستطيع إدارة الإقليم بأقل تكلفة سياسية ومالية ممكنة. ولذلك اتجهت إلى تركيز الموارد حيث رأت أنها ذات قيمة اقتصادية أو أمنية، وإلى استخدام الحكم غير المباشر حيث كان ذلك أقل كلفة من الإدارة المباشرة. وهذا يفسر لماذا كان «ضعف الدولة» في بعض المناطق متزامناً مع «قوة الدولة» في الخرطوم والمدن والمشروعات الزراعية والممرات التجارية.
الفصل الثاني: استعماران في دولة واحدة — ما الذي تشابه وما الذي اختلف، وكيف تراكم الإرثان؟
تتشابه التركية المصرية والحكم البريطاني المصري في أن كليهما أخضع السودان لسلطة خارجية، وربط الحكم بالسيطرة على الموارد والأرض وطرق التجارة والضرائب، واستخدم القوة المسلحة كوسيلة أساسية لإدارة المجال، واعتمد بدرجات مختلفة على زعماء محليين ووسطاء اجتماعيين، وجعل الخرطوم مركزاً متزايد الأهمية.
وتتشابه المرحلتان أيضاً في أن الدولة لم تكن قائمة على تمثيل سياسي شامل للسكان. كان السكان في موقع المحكومين لا الشركاء المتساوين في صياغة قواعد الدولة. ولهذا نشأ تاريخ طويل من الفجوة بين «الدولة» و«المجتمع»، وبين المركز والأطراف، وبين الجهاز الإداري والمشاركة الشعبية.
كما أن كلا النظامين ساهم في جعل الجباية والأمن والاتصال الإداري عناصر مترابطة. فالطرق والسكك الحديدية والمراكز الحضرية لم تكن مجرد خدمات عامة، وإنما أدوات لتمكين الدولة من الوصول إلى السكان ونقل الجنود والموارد والمحاصيل. وفي هذا المعنى كان بناء البنية التحتية جزءاً من بناء القدرة الاستخراجية للدولة.
ويشترك النظامان أيضاً في توظيف الوسطاء المحليين، وإن كان البريطانيون أكثر تنظيماً لهذا التوظيف. فقد استخدمت التركية المصرية الشيوخ والزعماء في الإدارة والجباية، ثم أعاد البريطانيون تنظيم هذه العلاقة داخل الإدارة الأهلية والمحاكم الأهلية، وحولوها إلى نظام مؤسسي طويل الأمد.
ورغم هذه التشابهات، فإن التركية المصرية والحكم البريطاني المصري ليسا الشيء نفسه. كانت التركية المصرية امتداداً للمشروع المصري في المجال العثماني، وكان منطقها الأساسي عسكرياً واستخراجياً، وكانت مؤسساتها أقل استقراراً وأقل بيروقراطية من تلك التي أنشأها البريطانيون. أما الحكم البريطاني المصري فكان جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، وأصبح مرتبطاً بشبكة مالية وتجارية عالمية وباقتصاد تصديري حديث نسبياً (مولان، 2020).
ويظهر الاختلاف بصورة خاصة في الاقتصاد. فقد كان اقتصاد التركية المصرية يعتمد بصورة كبيرة على الضرائب والعبيد والعاج والذهب والتجارة، بينما أصبحت الزراعة التجارية والقطن ومشروع الجزيرة مركز الاقتصاد الاستعماري البريطاني. وتشير دراسات حديثة إلى أن مشروع الجزيرة لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل كان محوراً لنمط اقتصادي كامل قائم على رأس المال، والديون، والإنتاج النقدي، والأسواق العالمية، والتعاون بين الدولة والشركات والمزارعين (مولان، 2020). وتؤكد الأدبيات الاقتصادية أن التنمية الاستعمارية كانت مركزة بدرجة كبيرة في الجزيرة والقطن، وأن أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات كشفت هشاشة هذا النموذج حين انهارت أسعار القطن وتراجعت المحاصيل في الوقت نفسه (مولان، 2008؛ مولان، 2020).
ويظهر الاختلاف أيضاً في التعليم. فلم تكن التركية المصرية قد أنشأت نظاماً تعليمياً حديثاً واسعاً بالمعنى الذي تطور في الحكم البريطاني. أما البريطانيون فبنوا شبكة تعليمية متدرجة، وإن كانت غير متساوية بشدة بين الشمال والجنوب. وحتى سنة 1947م كان الشمال يتمتع بنظام مدارس حكومية أوسع، بينما كان الجنوب يعتمد بدرجة أكبر على الإرساليات؛ ثم شهدت الفترة 1947–1957م توسعاً وتوحيداً وتأميماً للتعليم، مع إدخال العربية تدريجياً في مدارس الجنوب (سيري ـ هيرش، 2017).
أما في الصحة، فقد أنشأ البريطانيون جهازاً طبياً ومختبرياً أكثر انتظاماً، لكنه ظل جزءاً من بنية استعمارية غير متساوية؛ فقد كان الطب الاستعماري مرتبطاً أيضاً بالأمن والإدارة والاقتصاد ومكافحة الأمراض التي تهدد الجيش والعمال والإدارة، وليس مشروعاً شاملاً لحق متساوٍ في الصحة (بيل، 1999).
وتبرز العبودية مثالاً آخر على الاختلاف. فقد توسعت تجارة الرقيق في عهد التركية المصرية، بينما اتخذ البريطانيون موقفاً رسمياً مناهضاً للرق وتجارة الرقيق، وإن كان الانتقال من الرق إلى العمل المأجور عملية اجتماعية واقتصادية معقدة ولم تختفِ علاقات الهيمنة القديمة بمجرد إعلان الإلغاء (سيكينغا، 1996).
أما الاختلاف الأكثر أهمية سياسياً فهو أن التركية المصرية كانت تسعى إلى دمج السودان داخل مشروع إمبراطوري مصري، بينما سعى البريطانيون إلى إدارة السودان داخل منظومة إمبراطورية بريطانية أوسع، مع إبقاء الصراع المصري البريطاني على السيادة في الخلفية. ولذلك كانت الهوية السياسية التي ورثها السودان عند الاستقلال نتيجة تفاعل ثلاث طبقات: تاريخ سياسي سوداني سابق، وإرث تركي مصري، وهيمنة بريطانية مصرية.
وهكذا فإن السؤال الصحيح ليس «من استعمر السودان أكثر؟»، وإنما: أي استعمار أنشأ أي طبقة من الدولة، وما الذي حدث عندما تراكمت الطبقات؟ فالتركية المصرية أسهمت في توسيع المجال الإداري المركزي، والحكم البريطاني المصري حول هذا المجال إلى دولة استعمارية بيروقراطية ذات اقتصاد تصديري ومؤسسات محلية وقانونية وتعليمية وعسكرية أكثر رسوخاً، ثم جاءت الدولة الوطنية فاختارت أي هذه المؤسسات تحافظ عليه وأيها تغيره.
الفصل الثالث: الدولة التي ورثها الاستقلال — المركزية والأرض والإدارة والقانون والاقتصاد
ورث السودان من التجربتين معاً مجموعة من البنى التي أصبح من الصعب فصل أصلها بدقة بين التركية المصرية والحكم البريطاني المصري. أهمها مركزية الدولة، وأولوية الأمن، وربط المالية العامة بالمركز، واستخدام الوسطاء المحليين، والتفاوت الإقليمي، والاعتماد على اقتصاد الموارد والسلع الأولية، ووجود فجوة بين مؤسسات الدولة الحديثة وبين المشاركة السياسية والاجتماعية الواسعة.
كانت الخرطوم قد أصبحت مركزاً سياسياً منذ القرن التاسع عشر، ثم تضاعف دورها في العهد البريطاني المصري باعتبارها مركز الإدارة والتعليم والوظائف العليا والمالية. وعند الاستقلال ورث السودان دولة مركزية أكثر مما ورث نظاماً اتحادياً. وقد ساهم هذا في أن تصبح السيطرة على الخرطوم هدفاً أساسياً للصراع السياسي والعسكري؛ فمن يسيطر على المركز يستطيع التحكم بجزء كبير من موارد الدولة وجهازها الإداري والأمني.
كما ورث السودان نمطاً اقتصادياً مركزياً من حيث الإيرادات والاستثمار. كان مشروع الجزيرة يمثل قلب النشاط الاقتصادي الحديث، وكانت البنية التحتية موجهة بصورة قوية نحو نقل المحاصيل والسلع إلى الموانئ، ثم أصبحت بعد الاستقلال جزءاً من الاقتصاد الوطني. وبحلول الاستقلال كان قطاع التصنيع لا يمثل سوى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت الصناعة المبكرة مرتبطة بصورة كبيرة بتجهيز القطن والبذور الزيتية، بينما كانت الزراعة هي القاعدة الأساسية للاقتصاد (البنك الدولي، 1980).
واستمرت الدولة الوطنية في استخدام المؤسسات التي ورثتها لأنها كانت مفيدة. فالإدارة المركزية أقل تكلفة من إنشاء مؤسسات محلية قوية، والجيش كان أكثر تنظيماً من الأحزاب والأجهزة المدنية، والإدارة الأهلية كانت قادرة على الوصول إلى الريف، ومشروع الجزيرة كان مصدراً جاهزاً للإيرادات والعملات الأجنبية. وهكذا أصبح ما كان في الأصل مؤسسة استعمارية جزءاً من عقلانية الدولة الوطنية.
وتوضح دراسة سليمان أن المؤسسات المالية الاستعمارية، التي ارتبطت بإنتاج القطن وشراكة الإنتاج الزراعي، أثرت بقوة في مسار الاقتصاد بعد الاستقلال، وأن زيادة مركزية السلطة وشبكات المحسوبية السياسية أدت لاحقاً إلى إضعاف السياسة المالية والمساهمة في التجزؤ الإقليمي والحروب الأهلية (سليمان، 2019).
وكانت الأرض إحدى أكثر حلقات الاستمرارية حساسية. فقد استخدمت الدولة الاستعمارية قوانين الأرض لتوسيع سلطة الدولة على الأرض الزراعية، وخصوصاً في مناطق المشروعات المروية. وفي مشروع الجزيرة، سمحت التشريعات للدولة بالسيطرة على الأرض وإعادة تنظيمها بما يخدم مشروع الري والإنتاج النقدي. وقد أدى ذلك إلى تحول العلاقة بين الأرض والمزارعين من علاقات محلية متنوعة إلى نظام قانوني وإداري أكثر مركزية.
ومع ذلك، فإن وصف هذا النظام بأنه «استعماري» لا يعني أن كل مزارعي الجزيرة كانوا مجرد ضحايا. فقد طور المزارعون استراتيجياتهم الخاصة، وفاوضوا الإدارة، واستفادوا من فرص الإنتاج النقدي، وطوروا مؤسسات اجتماعية واقتصادية حول المشروع. وتوضح فيكتوريا برنال أن مشروع الجزيرة كان في الوقت نفسه مشروعاً اقتصادياً ومشروعاً لبناء نظام اجتماعي وسياسي، وأن المزارعين لم يكونوا مجرد منفذين سلبيين، بل طوروا استراتيجيات واجهت بها المجتمعات المحلية النظام الرسمي (برنال، 1995).
وفي الإدارة المحلية، أصبح الإرث أكثر تعقيداً. فقد أنشأ البريطانيون الإدارة الأهلية بصورة مؤسسية، ومنحوا الشيوخ والنظار سلطات واسعة في القضاء والإدارة وجمع الضرائب وحفظ النظام. وتوضح دراسة ساكس أن السلطات الاستعمارية منحت زعماء الإدارة الأهلية صلاحيات قضائية وإدارية واسعة، لكنها تعمدت أحياناً إبقاء حدود هذه الصلاحيات غامضة، لأن الغموض منحها مرونة سياسية في إدارة المجتمع (ساكس، 2013).
وهنا تظهر نقطة نظرية بالغة الأهمية: لم يكن الاستعمار ببساطة «يستخدم القبائل» كما هي؛ بل ساهم في إعادة تعريف بعض الجماعات باعتبارها وحدات إدارية وسياسية. وهذا لا يعني أن القبيلة اختراع استعماري، وهو تبسيط غير صحيح، وإنما يعني أن الدولة الاستعمارية أعادت تصنيف علاقات اجتماعية متحركة داخل وحدات أكثر ثباتاً، وربطت هذه الوحدات بالأرض والزعامة والقضاء والجباية.
أما القضاء، فقد ورث السودان تعددية قانونية لم تكن مجرد تنوع طبيعي، وإنما نتاج تاريخ طويل من التداخل بين الشريعة والقانون الاستعماري والمحاكم الأهلية. وأصبح القانون بعد الاستقلال مجالاً لتنافس نماذج متعددة للدولة والمجتمع والسلطة، وهو ما يفسر استمرار الصعوبة في بناء نظام قانوني موحد يجمع بين الاعتراف بالتنوع وبين المواطنة المتساوية.
الفصل الرابع: الاقتصاد الاستعماري ومسار التبعية — من القطن إلى الديون والموارد
يمثل الاقتصاد المجال الذي تصبح فيه نظرية التبعية أكثر مباشرة. فقد ربط الحكم البريطاني المصري السودان بشبكة اقتصادية عالمية كان القطن فيها المحصول المحوري، وخصوصاً القطن طويل التيلة المرتبط بصناعة النسيج البريطانية. ولم يكن الهدف من تطوير الري والتجارة والسكك الحديدية مجرد زيادة رفاه السكان بصورة متوازنة؛ بل كان هناك منطق واضح لتطوير قطاع قادر على إنتاج سلعة نقدية للتصدير.
وتظهر هذه البنية في مشروع الجزيرة، الذي بدأ في صورته الحديثة خلال عشرينيات القرن العشرين، ثم توسع ليصبح واحداً من أكبر مشاريع الري في العالم. وقد شكلت الدولة وشركات ومؤسسات مالية ومزارعون شبكة إنتاجية مرتبطة بالتصدير والأسواق الخارجية (البنك الدولي، 2010). وتوضح الأدبيات الحديثة أن المشروع أنشئ في العشرينيات لتوفير القطن لصناعة النسيج البريطانية، ثم أصبح بعد الاستقلال العمود الفقري للاقتصاد السوداني، وكانت عائداته تمثل نسبة كبيرة من إيرادات التصدير في فترات لاحقة، ما يعكس كيف تحولت المؤسسة الاستعمارية إلى مؤسسة وطنية دون أن تختفي بالضرورة بنيتها الاقتصادية الأصلية (عبدالكريم وآخرون، 2024).
وهنا يتقاطع تاريخ السودان بصورة مباشرة مع تحليل سمير أمين. فالتبعية عند أمين لا تعني مجرد أن دولة أجنبية تستخرج الموارد، بل تعني أن بنية الاقتصاد المحلي نفسها يمكن أن تتشكل وفق متطلبات تراكم رأس المال في المركز. فإذا أصبح الاستثمار موجهاً نحو محصول نقدي للتصدير، وأصبحت البنية التحتية مصممة لنقل ذلك المحصول، وأصبحت المالية العامة تعتمد على عائداته، وأصبحت الصناعة المحلية محدودة، فإن الاقتصاد قد ينمو بالفعل لكنه ينمو داخل مسار تابع (أمين، 1972؛ أمين، 1974؛ أمين، 1976). وقد أكد أمين بصورة مباشرة أن الاستعمار أعاد تشكيل بعض الاقتصادات الأفريقية بحيث أصبحت اقتصادات طرفية تتأثر باحتياجات الاقتصادات الرأسمالية المهيمنة (أمين، 1972).
وقد كان لهذا المسار أثر طويل بعد الاستقلال. فقد ظلت الزراعة التصديرية مركزية، وظل القطن مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية في مراحل طويلة. وبدلاً من أن تتحول عوائد القطاع الزراعي بصورة حاسمة إلى استراتيجية تصنيع وتنويع إنتاجي واسع، تعرض الاقتصاد لاحقاً لموجات من عدم الاستقرار والسياسات المتغيرة والديون والحرب والجفاف وتقلب أسعار السلع.
وتوضح دراسة مولان أن الاقتصاد الاستعماري كان قائماً على نموذج مدفوع بالدين، وكثيف رأس المال، ومتمحور حول المحاصيل النقدية، وأن هذا النموذج «أغلق» السودان داخل مسار تنموي معين، وساهم في تشكيل بنية الاعتماد الاقتصادي في فترة ما بعد الاستعمار (مولان، 2020).
وفي الفترة 1919–1939م ظهرت هشاشة هذا النموذج بوضوح. فقد انخفضت أسعار القطن العالمية بشدة خلال الكساد الكبير، وتزامن ذلك مع فشل محصول القطن في 1930–1931م، فتعرض المزارعون والشركات والحكومة لأزمة متزامنة. وأدى ذلك إلى تراجع الإنفاق الحكومي وإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والشركات، وهو دليل تاريخي قوي على أن الاقتصاد السوداني لم يكن معزولاً عن دورات الاقتصاد العالمي (مولان، 2008؛ مولان، 2020).
غير أن تفسير التبعية يجب ألا يتحول إلى إعفاء للدولة الوطنية من المسؤولية. فقد اتخذت الحكومات السودانية بعد الاستقلال قراراتها الخاصة بشأن التأميم والتصنيع والزراعة والأسعار وسعر الصرف والاقتراض والإنفاق العام، وحدثت أخطاء اقتصادية داخلية كبيرة. كما أن الديون اللاحقة لم تكن كلها «ديوناً استعمارية»؛ بل تراكمت بدرجة كبيرة خلال فترة ما بعد الاستقلال، خصوصاً منذ السبعينيات، مع تغيرات في أسعار السلع، والحرب، والسياسات الاقتصادية، وتوسع الاقتراض الخارجي.
وهذا هو الفرق بين «التبعية» و«نظرية المؤامرة». التبعية لا تفترض أن قوة خارجية تتحكم في كل قرار، وإنما تفترض أن بعض القرارات الداخلية تحدث داخل هيكل دولي غير متكافئ يجعل خيارات معينة أسهل وأخرى أصعب.
ويضيف سمير أمين مفهوماً مهماً هو «فك الارتباط»، لكنه لا يعني العزلة أو الاكتفاء الذاتي الكامل. والمغزى السوداني لهذا المفهوم هو أن العلاقة مع الاقتصاد العالمي ينبغي أن تخضع لأهداف التنمية الوطنية، لا أن تحدد التنمية الوطنية وفق متطلبات السوق الخارجية وحدها (أمين، 1990). ومن ثم فإن استراتيجية السودان الحديثة ينبغي ألا تكون «ضد التجارة»، وإنما ضد الاعتماد على صادرات خام محدودة، وضد استخدام عائدات السلع الأولية لتمويل الاستهلاك والاستيراد بدلاً من تمويل التنويع والإنتاج.
الفصل الخامس: الجيش والتعليم والصحة واللغة والقانون — مؤسسات التحديث التي حملت أيضاً جينات السيطرة
كان الجيش من أهم المؤسسات التي انتقلت من الدولة الاستعمارية إلى الدولة الوطنية. وقد اكتسب الجيش السوداني في الفترة الاستعمارية صورة المؤسسة الحديثة القادرة على إدارة الدولة وحماية حدودها، لكن تكوينه لم يكن محايداً اجتماعياً أو إقليمياً.
تقدم دراسة بيريدج واحدة من أهم الأدلة على هذا الإرث؛ فقد أنشأ البريطانيون تمييزاً بين قوة عسكرية مركزية ذات طابع مهني، ارتبطت بدرجة أكبر بالمناطق النيلية والمركز، وبين قوات وُصفت بأنها «قبلية» أو غير نظامية في مناطق أخرى، وخصوصاً في الغرب والجنوب. وأدى ذلك إلى تشكيل علاقة غير متساوية بين «الجيش الوطني» والمناطق التي كانت تُحكم من خلال قوات محلية (بيريدج، 2023). وتوضح الدراسة أن هذا الانقسام الاستعماري بين المركز والغرب أصبح أحد المكونات البنيوية للتوتر بين الجيش المركزي والميليشيات الإقليمية، وأن آثاره امتدت إلى الفترة التي سبقت حرب أبريل 2023م (بيريدج، 2023).
ولا ينبغي تفسير الجيش السوداني المعاصر بوصفه مجرد استمرار آلي للجيش الاستعماري؛ فقد تغيرت تركيبته وأيديولوجيته ومؤسساته، وحدثت داخله صراعات وانقلابات ومشاريع سياسية مختلفة. لكن الفكرة الأهم هي أن الجيش ورث موقعاً مؤسسياً استثنائياً داخل الدولة. وبعد الاستقلال، بدلاً من أن يصبح الجيش مؤسسة خاضعة بالكامل للسلطة المدنية، أصبح في أوقات عديدة فاعلاً سياسياً مباشراً، وهو ما ساهم في سلسلة الانقلابات والحكومات العسكرية.
وتقدم دراسة فيرهوفن قراءة أخرى مهمة؛ إذ تربط تطور القوات المسلحة السودانية بتصور ذاتي يرى الجيش باعتباره حامياً للدولة الحديثة وفاعلاً ضرورياً في تحديث المجتمع، الأمر الذي ساهم في توسيع طموحه السياسي (فيرهوفن، 2023).
أما التعليم فقد حمل مفارقة مماثلة. فقد أنشأ الحكم البريطاني مؤسسات تعليم حديثة ساهمت لاحقاً في إنتاج النخب التي قادت الحركة الوطنية. لكن النظام نفسه كان غير متكافئ، ومتركزاً جغرافياً، ومختلفاً بين الشمال والجنوب. وتظهر الأدبيات أن الحكم البريطاني أدار عملياً «سودانين» تعليميين إلى حد كبير حتى 1947م؛ ففي الشمال تطور نظام مدارس حكومية، بينما لعبت الإرساليات المسيحية دوراً رئيسياً في الجنوب، ثم حدث في العقد الأخير من الحكم الاستعماري توسع وتوحيد وتأميم للتعليم (سيري ـ هيرش، 2017).
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى للاستعمار: قد ينتج الاستعمار مؤسسات تساهم في مقاومته. فالمدارس الحديثة أنتجت موظفين ومثقفين وطلاباً قادرين على صياغة خطاب قومي، لكن هؤلاء دخلوا الحياة السياسية من داخل مؤسسات وُلدت أصلاً في إطار الدولة الاستعمارية.
وفي الصحة، أنشأ البريطانيون خدمات طبية ومختبرات ومؤسسات للتدريب ومكافحة الأمراض. وقد كان لبعض هذه المؤسسات قيمة علمية حقيقية واستمرت آثارها بعد الاستقلال. لكن توزيع الخدمات لم يكن قائماً على مبدأ المساواة الصحية، وكان الطب الاستعماري مرتبطاً بالأهداف السياسية والاقتصادية والأمنية للدولة الاستعمارية (بيل، 1999).
أما اللغة، فقد أصبحت جزءاً من بنية الدولة والهوية. فقد كان التعليم في الشمال مرتبطاً بالعربية والإنجليزية، بينما اتخذ الجنوب مسارات لغوية وتعليمية مختلفة. وفي العقد الأخير من الحكم الاستعماري جرى توحيد التعليم بصورة أكبر، وهو توحيد ارتبط بإدخال العربية إلى مدارس الجنوب. ومن ثم فإن مسألة اللغة بعد الاستقلال لم تكن مجرد مسألة ثقافية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بموقع الجماعات المختلفة داخل الدولة (سيري ـ هيرش، 2017).
أما القانون فقد ورث دولة متعددة المستويات القانونية: قانوناً حديثاً مستنداً إلى التشريعات الإنجليزية في بعض المجالات، وقضاءً شرعياً، ومحاكم أهلية. وقد كان هذا التعدد الاستعماري جزءاً من استراتيجية الحكم، وليس مجرد انعكاس طبيعي للتنوع السوداني. ولذلك فإن إصلاح القانون بعد الاستقلال كان يحتاج إلى التمييز بين الاعتراف بالتعدد القانوني وبين تحويل التعدد إلى تعدد في درجات المواطنة.
الفصل السادس: الأطراف والهوية — الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة والشرق في الدولة المركزية
إذا كانت المركزية هي البنية السياسية الأكثر دواماً، فإن التفاوت المكاني هو النتيجة الاجتماعية والسياسية الأكثر خطورة.
في الجنوب، اتخذ الحكم البريطاني سياسة مختلفة عن الشمال خلال معظم الفترة الاستعمارية. فقد كان الجنوب يُدار باعتباره مجالاً مختلفاً دينياً ولغوياً وتعليمياً، وكانت الإرساليات المسيحية تلعب دوراً كبيراً في التعليم حتى منتصف الأربعينيات. ثم حدث تحول نحو توحيد الإدارة والتعليم في السنوات الأخيرة من الحكم الاستعماري. وقد ساهم هذا التاريخ في إنتاج مسارات مختلفة للتعليم واللغة والهوية، ثم دخلت الدولة السودانية المستقلة في مشروع مركزي لم يستطع إدارة هذا التنوع بصورة عادلة (سيري ـ هيرش، 2017).
لكن لا يجوز اختزال حرب الجنوب كلها في الاستعمار. فقد كانت هناك قرارات وطنية بعد 1956م، مثل المركزية السياسية، والتعريب والأسلمة القسرية في مراحل مختلفة، والانقلابات، والحرب الأهلية، وسياسات الأرض والتنمية، أسهمت في تحويل التفاوت التاريخي إلى صراع مسلح.
أما دارفور فتقدم نموذجاً مختلفاً، لأن المنطقة كانت تمتلك تاريخ دولة مستقل قبل إدماجها في الدولة الاستعمارية. وتبين دراسة فوغان أن الحكم البريطاني لم يخترع كل المؤسسات السياسية في دارفور، بل تعامل مع إرث سلطنة دارفور وأعاد تشكيله. كما أن السكان المحليين لم يكونوا مجرد متلقين سلبيين؛ فقد تفاوضوا مع الدولة، وقاوموا بعض سلطاتها، واستخدموا الدولة نفسها للحصول على الموارد والنفوذ (فوغان، 2015).
وهذه النتيجة مهمة لأنها تمنع التفسير الاستعماري المبسط. فالإرث الاستعماري ليس شيئاً يُفرض من أعلى فقط؛ إنه ينتج من تفاعل السلطة الخارجية مع المؤسسات المحلية والنخب والمجتمعات. ولذلك فإن ما بقي بعد الاستقلال هو نتيجة لهذا التفاعل، وليس نسخة طبق الأصل من النظام الاستعماري.
وينطبق الشيء نفسه على كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق. فقد دخلت هذه المناطق الدولة الحديثة بشروط مختلفة من حيث التعليم والبنية التحتية والتمثيل الإداري والاستثمار. وأصبح الاختلاف في مستوى الوصول إلى الدولة مصدراً متكرراً لشعور بالتهميش.
وهكذا نشأت مفارقة: الدولة السودانية أصبحت «وطنية» من حيث السيادة، لكنها لم تصبح بالضرورة «وطنية» من حيث التوزيع المتساوي للسلطة. وكان من الممكن أن تتحول الدولة المركزية إلى دولة مواطنة متعددة الأقاليم؛ إلا أن استمرار مركزية القرار والثروة جعل الانتماء الوطني نفسه موضع تفاوض وصراع.
وتتصل هذه المسألة بما يسميه ممداني «الاستبداد اللامركزي». فالحكم الاستعماري كان يستطيع أن يكون مركزياً في الخرطوم وغير مباشر في الريف، وأن يجعل المواطن في المركز خاضعاً لنظام قانوني وإداري مختلف عن «الرعية» في الأطراف. وعندما ورثت الدولة الوطنية هذه الثنائية، أصبح إصلاحها أصعب لأن الإدارة الأهلية والحدود الإقليمية والسلطات المحلية اكتسبت مصالح خاصة بها (ممداني، 1996).
ومن ثم فإن مشكلة الأطراف السودانية ليست مجرد نقص في الطرق أو المستشفيات، بل مشكلة تاريخية في كيفية تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فإذا كان الوصول إلى الدولة في منطقة ما يتم من خلال زعيم محلي، بينما يتم في منطقة أخرى من خلال موظف مدني مباشر، فإن المواطنة تصبح متفاوتة حتى لو كان الدستور واحداً.
الفصل السابع: أوجه التشابه والاختلاف في ما بقي بعد 1956م — من الإرث المشترك إلى الإرث المميز
ورث السودان من التجربتين معاً مجموعة من البنى التي أصبح من الصعب فصل أصلها بدقة بين التركية المصرية والحكم البريطاني المصري. أهمها مركزية الدولة، وأولوية الأمن، وربط المالية العامة بالمركز، واستخدام الوسطاء المحليين، والتفاوت الإقليمي، والاعتماد على اقتصاد الموارد والسلع الأولية، ووجود فجوة بين مؤسسات الدولة الحديثة وبين المشاركة السياسية والاجتماعية الواسعة.
ومن أوجه التشابه في البقايا بعد الاستقلال أن المركز بقي مركز القرار، وأن الاقتصاد ظل يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات الأولية، وأن الجيش ظل مؤسسة سياسية ذات وزن استثنائي، وأن الإدارة المحلية استمرت في أداء أدوار واسعة، وأن الفوارق الإقليمية بقيت مرتبطة بتوزيع الخدمات والاستثمار والتمثيل.
لكن أوجه الاختلاف لا تقل أهمية. فالإرث التركي المصري يرتبط بصورة أقوى بتكوين المجال السياسي والإداري المركزي وبالعلاقة التاريخية بين السودان ومصر وبالدولة العسكرية ـ المالية. أما الإرث البريطاني المصري فيرتبط بصورة أقوى بالبنية البيروقراطية، والإدارة الأهلية، والجيش الحديث، ومشروع الجزيرة، والاقتصاد التصديري، والسكك الحديدية، والقانون والتعليم الحديث، ونمط العلاقة بين المركز والأقاليم.
الإرث التركي المصري: الدولة المركزية والجغرافيا السياسية ومنطق الاستخراج العسكري.
يرتبط الإرث التركي المصري بصورة أقوى بتكوين الدولة الإقليمية المركزية، وصعود الخرطوم كمركز سياسي، وإدخال مساحات واسعة في إطار إداري واحد، وربط الإدارة بالجيش والجباية، وإنتاج تقاليد الدولة الديوانية، وتعزيز تصور السودان كإقليم سياسي واسع يخضع لمركز واحد. وقد بين بيوركيلو أن البريطانيين استفادوا من تقسيمات إدارية وبنى سبقتهم في عهد التركية المصرية، ما يؤكد أن جزءاً من الدولة البريطانية كان مبنياً على طبقة أقدم من بناء الدولة (بيوركيلو، 1997).
كما بقي الإرث التركي المصري في العلاقة التاريخية المعقدة بين السودان ومصر. فقد جعلت التركية المصرية المجال السوداني جزءاً من مشروع سياسي مصري، بينما أعاد الحكم البريطاني المصري صياغة هذه العلاقة في إطار صراع بريطاني مصري على السيادة والنفوذ. وبعد الاستقلال أصبحت مسألة العلاقة مع مصر واحدة من عناصر بناء الهوية السياسية السودانية، بين تيارات اتحادية وأخرى استقلالية.
أما الإرث البريطاني المصري، فكان أكثر وضوحاً في مؤسسات الدولة الحديثة: الخدمة المدنية، والجيش النظامي، والإدارة الأهلية، والقضاء متعدد المستويات، والتعليم الحديث، والصحة الحديثة، والمالية العامة، ومشروع الجزيرة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمديريات، ونظام الأرض، والتصنيف الإداري للمجتمع.
ويُعد الجيش المثال الأكثر خطورة على هذا الاختلاف. فقد أنشأ البريطانيون قوة عسكرية سودانية أكثر انتظاماً، لكنهم لم ينشئوها بوصفها جيشاً وطنياً متساوي التمثيل، وإنما داخل نظام عسكري استعماري صنف بعض القوات باعتبارها «قبلية» أو محلية، وميز بين القوات المركزية والجهات الطرفية. وقد أوضحت بيريدج أن هذا التقسيم بين الجيش الذي أصبح لاحقاً «وطنياً» والقوات الإقليمية ذات الطابع «القبلي» ترك أثراً بنيوياً على الدولة بعد الاستقلال، وعلى العلاقة بين الجيش والميليشيات والحركات المسلحة في غرب السودان (بيريدج، 2023).
أما الإرث المركب فهو الأكثر أهمية في التحليل؛ إذ لا يمكن القول إن المركزية «تركية» فقط أو «بريطانية» فقط، ولا أن الإدارة الأهلية بريطانية خالصة دون جذور محلية، ولا أن اقتصاد القطن البريطاني منفصل عن البنى الإدارية التي سبقته. لقد تراكمت المؤسسات فوق بعضها: التركية المصرية أنشأت طبقة أولى من الدولة المركزية، ثم الحكم البريطاني أعاد هندستها، ثم الدولة الوطنية استلمتها وأعادت استخدامها.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن لمشروع الإصلاح أن يبحث عن «مؤسسة استعمارية واحدة» ليزيلها. فالمشكلة في كثير من الأحيان تكمن في شبكة المؤسسات والعلاقات التي تربط المركز بالجيش والمالية والأرض والإدارة والاقتصاد.
الفصل الثامن: الإطار النظري الكامل لما بعد الاستعمار — من التبعية إلى الاستعمارية وإعادة إنتاج المركز والأطراف
لا تكفي نظرية واحدة لتفسير السودان. والأدق هو بناء إطار متعدد المستويات يجمع بين خمس مجموعات نظرية مترابطة.
أولاً، تقدم نظرية التبعية، من بريبيش إلى فرانك وأمين، تفسيراً للعلاقة بين الاقتصاد السوداني والاقتصاد العالمي، وخاصة التخصص في السلع الأولية، والتفاوت في شروط التجارة، والتدفقات غير المتكافئة لرأس المال، واعتماد الدولة على النقد الأجنبي والأسواق الخارجية (بريبيش، 1950؛ فرانك، 1967؛ أمين، 1974).
ثانياً، تقدم نظرية النظام العالمي لدى والرشتاين تفسيراً لموقع السودان داخل تقسيم دولي للعمل لا يتحدد فقط بالعلاقات الثنائية بين السودان وبريطانيا أو مصر، بل بشبكة عالمية أوسع من التجارة والمال والصناعة (والرشتاين، 1974).
ثالثاً، تقدم نظرية الاستعمارية لدى كويخانو تفسيراً لاستمرار أنماط التصنيف الاجتماعي والمعرفي بعد انتهاء الاستعمار الرسمي. وهي مفيدة لفهم كيفية تحول التصنيفات الاستعمارية للجماعات والأقاليم إلى تصنيفات وطنية لاحقة (كويخانو، 2000).
رابعاً، يقدم ممداني مفهوم «الاستبداد اللامركزي» تفسيراً بالغ الصلة بالإدارة الأهلية. فالدولة الاستعمارية لم تكن دائماً مركزية بصورة مباشرة؛ بل كانت تستطيع أن تحكم المركز مركزياً والأطراف من خلال سلطات محلية أعادت الدولة تعريفها وربطتها بها (ممداني، 1996).
خامساً، يقدم فانون تفسيراً للعلاقة بين الاستقلال السياسي والتحول الاجتماعي. فالخطر ليس فقط أن يحتل الأجنبي الدولة، وإنما أن تتسلم النخبة الوطنية أجهزة الدولة دون تغيير البنية الاقتصادية والسياسية التي تحدد توزيع السلطة (فانون، 1963).
ويضاف إلى هذه النظريات مفهوم الاعتماد على المسار في المؤسسية التاريخية. فالمؤسسات التي تتأسس في مرحلة مبكرة يمكن أن تخلق عوائد متزايدة تجعل تغييرها مكلفاً وصعباً حتى عندما تتغير الظروف التي أنشئت من أجلها (بيرسون، 2000). وهذه النظرية شديدة الأهمية للسودان لأنها تفسر لماذا استمرت بعض المؤسسات الاستعمارية بعد زوال الحاجة الاستعمارية إليها.
وتكمل هذه النظريات أعمال إدوارد سعيد حول المعرفة والاستشراق، وهومي بهابها حول الهجنة والتقليد والازدواج الثقافي، وغياتري سبيفاك حول تمثيل الفئات التابعة، لأنها تساعد في فهم أن الاستعمار لم يكن سيطرة على الأرض والمال فقط، بل كان أيضاً سيطرة على تعريف «الحديث» و«التقليدي»، و«المتحضر» و«القبلي»، و«المركز» و«الهامش» (سعيد، 1978؛ بهابها، 1994؛ سبيفاك، 1988).
التبعية والمركز والأطراف: لماذا لا يكفي أن تكون الدولة مستقلة سياسياً؟
ظهرت نظرية التبعية في سياق نقد النظريات التي فسرت التخلف باعتباره مرحلة متأخرة من «التحديث» يمكن لجميع الدول تجاوزها بالطريقة نفسها التي اتبعتها أوروبا. وكان راؤول بريبيش من أهم واضعي نموذج المركز والأطراف، حيث رأى أن الاقتصاد العالمي ينتج علاقات غير متكافئة بين الاقتصادات الصناعية المركزية والاقتصادات الطرفية المتخصصة في السلع الأولية (بريبيش، 1950). وقد طورت هذه الرؤية لاحقاً تيارات أكثر راديكالية لدى أندريه غوندر فرانك، الذي رأى أن التخلف ليس غياباً للتنمية، وإنما يمكن أن يكون نتيجة تاريخية للاندماج غير المتكافئ في النظام الرأسمالي العالمي (فرانك، 1967).
ثم طور سمير أمين هذا التحليل بصورة أكثر عمقاً، خصوصاً في مفهوم الرأسمالية الطرفية والتراكم على نطاق عالمي. ففي كتاب «التراكم على نطاق عالمي» جادل بأن تراكم رأس المال في المراكز المتقدمة لا يمكن فهمه بمعزل عن العلاقات التي تشكل الاقتصادات الطرفية، وأن التخصص الدولي غير المتكافئ يمكن أن يعيد إنتاج التخلف بدلاً من تجاوزه (أمين، 1974). وفي «التنمية غير المتكافئة» ربط أمين بين البنية الاجتماعية والاقتصادية الداخلية وبين موقع البلد في النظام الرأسمالي العالمي، مؤكداً أن التبعية ليست علاقة تجارية خارجية فقط، وإنما بنية داخلية تتكون حولها مصالح طبقية ومؤسسات سياسية (أمين، 1976).
وفي دراسته المبكرة عن أفريقيا السوداء، صنف أمين الاقتصادات الأفريقية بحسب أشكال إدماجها في الاقتصاد الاستعماري، وربط سياسات الاستعمار بالتكوينات الاجتماعية المحلية وأنماط الإنتاج، وانتهى إلى أن فهم التخلف الأفريقي يتطلب النظر إلى المجتمعات بوصفها اقتصادات طرفية تشكلت وفق احتياجات الاقتصادات الرأسمالية المهيمنة (أمين، 1972). وهذا العمل مهم بصورة خاصة للسودان لأن أمين لا يفترض وجود نموذج أفريقي واحد؛ بل يبدأ من التنوع التاريخي والاجتماعي للقارة، ثم يبحث كيف أعادت السياسات الاستعمارية تشكيل الاقتصادات والمجتمعات المختلفة.
ويختلف أمين عن التفسير الاقتصادي البسيط لأنه لا يقول إن التجارة وحدها تفسر التبعية. فالدولة، والطبقات، والبنية الزراعية، والنخب المحلية، والأنماط الثقافية، والسياسات الدولية، كلها تدخل في إنتاج التبعية. ولذلك فإن نظريته مفيدة للسودان بقدر ما تسمح بفحص كيف أصبحت النخب الوطنية نفسها جزءاً من بنية إعادة إنتاج الاقتصاد الطرفي.
نظرية النظام العالمي: السودان ليس جزيرة اقتصادية
طور إيمانويل والرشتاين تحليلاً للنظام العالمي الرأسمالي يقوم على التمييز بين المركز وشبه الأطراف والأطراف، ويرى أن تقسيم العمل العالمي لا يوزع الثروة والتكنولوجيا والسلطة بصورة متساوية (والرشتاين، 1974). ويتيح هذا الإطار فهم السودان بوصفه اقتصاداً تاريخياً ارتبط بالمركز العالمي من خلال سلع محددة: الرقيق والعاج والذهب في مراحل مبكرة، ثم القطن والصمغ العربي والثروة الحيوانية وغيرها من السلع الزراعية، ثم النفط والذهب في مراحل لاحقة.
لكن يجب استخدام النظرية بحذر؛ فالسودان لم يكن مجرد «ضحية خارجية». فقد كانت هناك مصالح محلية، ونخب تجارية وزراعية، ودولة وطنية، ومؤسسات عسكرية، وأحزاب، وجماعات اجتماعية، كلها ساهمت في تحديد كيفية توزيع الفائض داخل السودان. وهذا يتوافق مع أمين أكثر من التفسيرات التي تجعل التبعية علاقة بين «أجنبي» و«وطني» فقط.
الاستعمارية: لماذا يمكن أن تستمر أنماط السلطة بعد اختفاء الاستعمار؟
يضيف أنيبال كويخانو مفهوم استعمارية السلطة، الذي يميز بين الاستعمار بوصفه نظام حكم مباشراً والاستعمارية بوصفها أنماطاً من التصنيف الاجتماعي والعرقي والمعرفي يمكن أن تستمر بعد انتهاء الاستعمار الرسمي. ويرى كويخانو أن التصنيف الاجتماعي على أساس العرق، إلى جانب مركزية المعرفة الأوروبية، يمكن أن يصبح أكثر دواماً من النظام الاستعماري نفسه (كويخانو، 2000).
وبالنسبة للسودان، لا ينبغي نقل مفهوم «العرق» من أميركا اللاتينية نقلاً حرفياً؛ فالبنية السودانية أكثر تعقيداً، وتجمع بين اللون، والمنطقة، واللغة، والثقافة، والدين، والقبيلة، والمهنة، والموقع في الدولة. لكن الفكرة الأساسية قابلة للتطبيق: التصنيفات التي استخدمتها الدولة الاستعمارية يمكن أن تتحول إلى تصنيفات وطنية تبدو طبيعية، ثم تصبح أساساً لتوزيع السلطة والموارد والاعتراف.
الإدارة غير المباشرة والاستبداد اللامركزي
قدم محمود ممداني مفهوم «الاستبداد اللامركزي» لتحليل الإدارة الاستعمارية البريطانية في أفريقيا. فالحكم غير المباشر لم يكن مجرد ترك المجتمعات تحكم نفسها، بل إعادة تعريف «العرف» والقبيلة والزعيم من خلال الدولة الاستعمارية، وإنشاء سلطة محلية شبه استبدادية تحت سلطة الدولة المركزية الاستعمارية (ممداني، 1996).
وهذا الإطار شديد الأهمية للسودان، لأن الإدارة الأهلية لم تكن مجرد استمرار بريء للسلطة التقليدية، بل كانت إعادة بناء للسلطة الاجتماعية من خلال الدولة. ويظهر ذلك بوضوح في دارفور، حيث أصبحت سلطات النظار والشيوخ مرتبطة بالإدارة الاستعمارية، وبالأرض، والقضاء المحلي، والجباية، وحفظ النظام (فوغان، 2015).
فانون: الاستقلال السياسي من دون تحويل اجتماعي
ينبه فرانز فانون إلى أن الاستقلال قد يتحول إلى انتقال للسلطة من الإدارة الاستعمارية إلى نخبة وطنية إذا لم يتغير البناء الاقتصادي والاجتماعي. ويحذر بصورة خاصة من «البرجوازية الوطنية» التي قد تتولى الدولة لكنها لا تمتلك مشروعاً مستقلاً لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع (فانون، 1963).
هذه الفكرة مفيدة للسودان، ولكن يجب تطبيقها بحذر. فلم تكن النخب السودانية بعد الاستقلال كتلة واحدة، ولم تكن كلها مجرد بديل محلي للنخبة الاستعمارية. فقد كانت هناك أحزاب وطنية، وحركات نقابية، ومثقفون، وطرق صوفية، وقوى إقليمية، وشيوعيون، وليبراليون، وقوميون، وإسلاميون، وقوى عسكرية، لكل منها مشاريع مختلفة. لكن المشكلة البنيوية هي أن كثيراً من هذه القوى عملت داخل دولة مركزية ورثت قواعد توزيع السلطة ولم تنجح في تحويلها بصورة جذرية.
المعرفة والاستشراق والهجنة: من يملك تعريف السودان؟
يضيف إدوارد سعيد أن المعرفة الاستعمارية ليست محايدة بالكامل، لأنها قد تصنع صوراً عن المجتمعات المستعمرة تخدم القدرة على إدارتها (سعيد، 1978). وفي السودان يمكن تطبيق هذا الإطار على الخرائط والتصنيفات الإدارية والأنثروبولوجية والسياسات التعليمية التي صنفت السكان إلى مجموعات وأقاليم وقبائل ولغات.
لكن تطبيق سعيد على السودان يجب ألا يتحول إلى رفض للمعرفة العلمية. فالمشكلة ليست في دراسة المجتمع أو تصنيف الظواهر، وإنما في تحول التصنيف الإداري إلى حقيقة اجتماعية جامدة، ثم استخدامه لتوزيع الحقوق والسلطات.
أما بهابها فيقدم مفهوم «الهجنة» الذي يساعد على فهم المؤسسات السودانية باعتبارها نتاج تداخل، لا نسخاً خالصة من بريطانيا أو مصر أو المجتمعات المحلية. فاللغة والقانون والتعليم والإدارة والملابس والنخب والمؤسسات السياسية كلها نتاج تفاعل بين المحلي والأجنبي (بهابها، 1994).
الفصل التاسع: تطبيق هذه الأطر النظرية على ما تبقى من الإرث التركي المصري في سودان ما بعد الاستقلال
يجب الحذر هنا من تطبيق نظرية التبعية بصورة ميكانيكية على التركية المصرية. فقد كانت المرحلة التركية المصرية سابقة على تشكل النظام الرأسمالي الاستعماري في صورته المتأخرة، ولذلك فإن مفاهيم الاقتصاد الاستخراجي والدولة العسكرية والجباية والتجارة والعبودية وبناء الدولة أكثر ملاءمة من مفهوم التبعية الرأسمالية الكلاسيكية.
مع ذلك، يمكن تطبيق بعض عناصر التحليل التبعي على هذه المرحلة من زاوية أوسع: فقد كان السودان يُدمج في مشروع اقتصادي وسياسي خارجي، وكانت الموارد السودانية تستخدم لتلبية احتياجات سلطة تقع خارج السودان. وكان الإنسان نفسه، في تجارة الرقيق والتجنيد والخدمة العسكرية، مورداً للاستخراج. وبالتالي فإن العلاقة لم تكن مجرد احتلال سياسي، وإنما إعادة تنظيم للمجتمع بما يخدم مركزاً خارجياً.
ومن منظور المؤسسية التاريخية، كان الإرث الأهم هو إنشاء مركز سياسي يستطيع التحكم في مساحة جغرافية كبيرة. وقد أظهرت دراسة بيوركيلو أن البريطانيين عند توليهم الإدارة استفادوا بصورة كبيرة من النظام الإداري الذي أنشأه أسلافهم الأتراك المصريون، بما في ذلك التقسيمات الإقليمية والإدارية وبعض أنظمة المالية والوسطاء المحليين (بيوركيلو، 1997).
وهذا يعني أن التركية المصرية لم تكن مجرد مرحلة انتهت سنة 1885م؛ بل كانت طبقة مؤسسية داخل الدولة التي ورثها البريطانيون، ثم الدولة التي ورثها السودانيون.
ومن منظور الاستعمارية، يمكن القول إن إحدى أهم النتائج كانت تحويل مفهوم «السودان» نفسه من مجموعة من المراكز السياسية والتاريخية المتنوعة إلى مجال إداري أوسع يخضع لمركز واحد. وهذا لا يعني أن السودان لم يكن موجوداً كاسم أو مجال قبل التركية المصرية، بل يعني أن معنى «السودان» السياسي والإداري تغير وتوسع داخل الدولة المركزية الحديثة.
أما بالنسبة إلى العلاقة مع مصر، فقد أسست التركية المصرية تاريخاً طويل الأمد جعل سؤال العلاقة بين وادي النيل والهوية السودانية جزءاً من السياسة الحديثة. وبعد 1956م لم تختف هذه المشكلة، بل انتقلت من علاقة استعمارية إلى علاقة بين دولتين مستقلتين، مع استمرار تشابكات جغرافية وأمنية واقتصادية.
ومن هنا فإن الإرث التركي المصري الأعمق ليس «وجود مصر» في السودان ببساطة، وإنما تأسيس طبقة تاريخية جعلت الدولة السودانية الحديثة تتشكل جزئياً في فضاء إقليمي ترتبط فيه السيادة والسياسة والاقتصاد بالنيل ومصر والإمبراطوريات المتعاقبة.
وتطبيق نظرية الاعتماد على المسار هنا أكثر فائدة من البحث عن «استمرار تركي مصري» حرفي. فالمؤسسة لا تحتاج إلى الاحتفاظ باسمها الأصلي لكي يستمر أثرها. يكفي أن تجعل الخيارات اللاحقة أكثر اعتماداً على المركزية التي أنشأتها. وعندما تصبح الخرطوم مركز الإدارة والمالية والجيش، يصبح من الأسهل على الحكومات اللاحقة استخدام المركزية بدلاً من بناء بديل اتحادي مكلف.
وتظهر هذه الاستمرارية أيضاً في العلاقة بين الدولة والأمن. فقد أسست التركية المصرية نمطاً يرى أن السيطرة على المجال الواسع تتطلب وجوداً عسكرياً وإدارياً مركزياً. ثم ورث البريطانيون هذا المبدأ وطوّروه إلى جهاز أمني وبيروقراطي أكثر تعقيداً، ثم ورثته الدولة الوطنية. وهكذا فإن «أصل» المركزية يمكن أن يكون تركياً مصرياً، لكن «شكلها الحديث» بريطاني مصري، بينما «إعادة إنتاجها» وطنية.
وهذه النقطة تمنع الخلط بين الإرث والسبب. فالانقلابات العسكرية السودانية في 1958م و1969م و1989م لم تحدث لأن التركية المصرية أمرت بها، بل لأن الجيش الوطني السوداني اتخذ قرارات سياسية داخل ظروف وطنية. لكن قدرة الجيش على احتلال مركز الدولة واستخدامه لتغيير النظام ارتبطت بتاريخ طويل من بناء الدولة المركزية والأمنية.
ومن زاوية أمين، يمكن استخدام التركية المصرية لتفسير مرحلة ما قبل الرأسمالية الطرفية الحديثة بوصفها مرحلة «تمهيدية» لإعادة تنظيم الموارد والبشر نحو مراكز خارجية، لكن لا ينبغي جعلها نسخة مبكرة مكتملة من الاقتصاد الرأسمالي الذي درسه أمين. هذه الدقة النظرية ضرورية حتى لا يصبح إطار التبعية مجرد ملصق يطلق على كل علاقة غير متكافئة.
الفصل العاشر: تطبيق الأطر النظرية على ما تبقى من الإرث البريطاني المصري في سودان ما بعد الاستقلال
إذا كان تطبيق نظرية التبعية على التركية المصرية يحتاج إلى تحفظ، فإن تطبيقها على الحكم البريطاني المصري أكثر مباشرة. فقد أصبح السودان خلال هذه المرحلة جزءاً من اقتصاد إمبراطوري رأسمالي عالمي، وتم توجيه قدر كبير من الاستثمار والبنية التحتية نحو قطاعات قادرة على إنتاج السلع التصديرية، وعلى رأسها القطن.
وتوضح دراسة مولان أن الاقتصاد الاستعماري السوداني أصبح قائماً على نموذج يعتمد على الدين، وكثافة رأس المال، والمحاصيل النقدية، وأن هذا النموذج ساهم في تثبيت مسار تنموي استمر تأثيره بعد الاستقلال (مولان، 2020).
ومن منظور بريبيش، يمكن فهم المشكلة باعتبارها تخصصاً في منتجات أولية أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق الخارجية مقارنة بالاقتصادات الصناعية التي تصدر السلع المصنعة والتكنولوجيا. ومن منظور فرانك، فإن النمو في السودان لم يكن بالضرورة نقيضاً للتخلف؛ إذ يمكن لقطاع حديث ومربح أن يكون جزءاً من بنية تخلف أوسع إذا كان اندماجه الخارجي أكبر من اندماجه في الاقتصاد الوطني.
أما أمين فيضيف مستوى أكثر عمقاً: ليس المهم فقط ماذا يصدر السودان، بل من يملك وسائل الإنتاج، ومن يتحكم في الفائض، وكيف يعاد استثماره، وما المصالح الاجتماعية التي تنشأ حول القطاع التصديري.
وهذا يفسر لماذا كان مشروع الجزيرة في الوقت نفسه إنجازاً زراعياً ومؤسسة استعمارية ومصدر دخل وطني بعد الاستقلال ومشكلة بنيوية. فالتناقض ليس بين «مشروع جيد» و«مشروع سيئ»، وإنما بين استخدام البنية نفسها لأهداف سياسية واقتصادية مختلفة.
وفي البنية المالية، كان الاقتصاد الاستعماري بحاجة إلى نظام ضريبي ومصرفي وإداري قادر على تحويل النشاط الزراعي إلى إيرادات. وعندما ورثت الدولة الوطنية هذا النظام، ورثت أيضاً الاعتماد على قطاعات محدودة لتوفير العملة الأجنبية والموارد العامة.
ثم جاءت مرحلة ما بعد الاستقلال لتضيف طبقات جديدة من التبعية: الاقتراض الخارجي، تقلبات أسعار السلع، الحرب الأهلية، أزمات سعر الصرف، سياسات الإصلاح الاقتصادي، وتراكم المتأخرات. ولهذا فإن تبعية السودان في أواخر القرن العشرين لا يمكن وصفها بأنها «استمرار مباشر للاستعمار البريطاني»؛ بل هي تبعية جديدة تشكلت من تفاعل الإرث الاستعماري مع الاقتصاد العالمي وسياسات الحكومات الوطنية.
أما الاستعمارية الثقافية والمعرفية فتظهر في إنتاج صور مختلفة للمركز والأطراف. فالخرطوم أصبحت مركز «الحداثة» والتعليم والإدارة، بينما جرى تمثيل مناطق أخرى باعتبارها «قبلية» أو «تقليدية» أو «متخلفة». وعندما انتقلت الدولة إلى أيدي السودانيين، لم تختف هذه اللغة دائماً؛ بل استُخدمت أحياناً داخل الخطاب الوطني نفسه.
وهنا يصبح مفهوم كويخانو مفيداً: الاستعمارية يمكن أن تستمر دون وجود مستعمر، لأنها تصبح جزءاً من الطريقة التي تصنف بها الدولة مواطنيها وتوزع الموارد بينهم (كويخانو، 2000).
وتظهر نظرية ممداني بصورة خاصة في استمرار الإدارة الأهلية. فالدولة الوطنية لم تبدأ من الصفر، وإنما ورثت جهازاً يستطيع الوصول إلى المجتمعات الريفية من خلال النظار والشيوخ والسلطات المحلية. وعندما حاولت بعض الحكومات إلغاء الإدارة الأهلية أو إعادة تنظيمها، واجهت مشكلة حقيقية: هل تستطيع الدولة المركزية أن تقدم بديلاً مؤسسياً فعالاً في المناطق الريفية؟ وإذا لم تستطع، فإنها تعود غالباً إلى الوسيط المحلي.
أما نظرية فانون فتساعد في تفسير لماذا يمكن أن تصبح الدولة الوطنية نفسها أداة لإعادة إنتاج عدم المساواة. فإذا كانت النخبة التي وصلت إلى السلطة تتنافس على الدولة بدلاً من تغيير قواعد توزيع الموارد، فإن الاستقلال القانوني لا يؤدي تلقائياً إلى الاستقلال الاجتماعي.
ومن منظور المؤسسية التاريخية، فإن قوة الإرث البريطاني المصري تأتي من تعدد مؤسساته. فلم يكن إرثاً واحداً، وإنما شبكة مترابطة: الخدمة المدنية تعتمد على المركز، والمالية تعتمد على المركز، والجيش مرتبط بالمركز، والتعليم العالي متركز في المركز، والسكك الحديدية والموانئ تربط الإنتاج بالمركز والتصدير، والإدارة الأهلية تصل الدولة إلى الريف، والقانون يوزع الاختصاصات بين مؤسسات مختلفة. ولهذا كان تفكيك أي عنصر منفرد أقل تأثيراً من إصلاح الشبكة كلها.
الفصل الحادي عشر: من الإرث إلى إعادة الإنتاج — ماذا فعل السودانيون بعد الاستقلال، وما الذي لا يجوز نسبته إلى الاستعمار؟
من أخطر أخطاء تحليل ما بعد الاستعمار تفسير كل شيء حدث بعد 1956م باعتباره نتيجة مباشرة للاستعمار. فذلك يحول التاريخ إلى حتمية، وينفي فاعلية السودانيين أنفسهم.
لقد أعادت الحكومات السودانية بعد الاستقلال إنتاج بعض البنى الاستعمارية، لكنها غيّرت أخرى، وألغت بعضها، وأنتجت مؤسسات جديدة تماماً.
كان قرار إلغاء الإدارة الأهلية أو إصلاحها في فترات مختلفة مثالاً على محاولة تغيير بنية الحكم المحلي. وكان مشروع التأميم والتصنيع في عهد نميري محاولة لإعادة تشكيل الاقتصاد. وكانت سياسات التعريب والأسلمة في مراحل مختلفة مشروعاً وطنياً، حتى عندما كان مثيراً للصراع، وليست مجرد استمرار آلي لسياسة استعمارية.
ثم جاءت ثورة الإنقاذ سنة 1989م بمشروع مختلف تماماً، يقوم على الإسلام السياسي وإعادة هندسة الدولة والحزب والاقتصاد والأمن. وأنتج النظام شبكة جديدة من المحسوبية والتمكين والاقتصاد العسكري والأمني. ولا يمكن تفسير هذه الشبكة كلها بالاستعمار البريطاني.
وفي عصر النفط، خصوصاً بعد تصاعد الإنتاج النفطي في التسعينيات وبداية الألفية، دخل السودان مرحلة ريعية جديدة. أصبح النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات والعملات الأجنبية، وأعيد توزيع السلطة والموارد حوله. وهنا انتقل الاقتصاد من تبعية زراعية ـ تصديرية إلى نمط ريعي نفطي، وهو تحول لا يمكن نسبته إلى مشروع الجزيرة أو الاستعمار البريطاني.
وبالمثل، فإن الاقتصاد العسكري والأمني الذي توسع خلال العقود الأخيرة لا ينبغي وصفه بأنه «إرث بريطاني» بصورة مباشرة. جذوره الحديثة تشكلت في سياقات الانقلابات والحرب والإنقاذ وتحرير الاقتصاد وتوسع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية والأمنية.
لكن الإرث الاستعماري ساهم في توفير بعض الشروط البنيوية التي جعلت إعادة الإنتاج ممكنة: مركزية السلطة، ضعف المؤسسات المدنية، عدم التوازن الإقليمي، الدور السياسي للجيش، وضعف اللامركزية المالية.
وهذا هو الفرق بين «الإرث» و«السبب المباشر». الإرث يغير مجموعة الخيارات المتاحة ويجعل بعض المسارات أكثر احتمالاً، لكنه لا يجبر المجتمع على اختيارها.
ويقدم تاريخ الانقلابات دليلاً قوياً على هذه الفكرة. فقد شهد السودان منذ الاستقلال انقلابات عسكرية ناجحة ومحاولات عديدة، وأصبح الجيش لاعباً سياسياً مركزياً. وترى بيريدج أن هذه الظاهرة ارتبطت جزئياً بالبنية العسكرية الاستعمارية والانقسام بين المركز والأطراف، لكنها تتبع أيضاً تاريخاً سودانياً وطنياً من استخدام الجيش كطريق إلى التغيير السياسي (بيريدج، 2023).
ومن ثم لا يصح القول إن الاستعمار «سبب» حرب 2023م بطريقة مباشرة. الأدق أن بعض البنى التي نشأت أو ترسخت في الحكم الاستعماري، ولا سيما الفصل بين الجيش المركزي والقوات الإقليمية، والمركزية، والإدارة غير المتكافئة للأطراف، ساهمت في تشكيل بيئة تاريخية أصبحت فيها المنافسة المسلحة على الدولة أكثر احتمالاً. أما الحرب نفسها فنتاج عقود من القرارات الوطنية والصراعات والانقلابات وسياسات الأمن والاقتصاد والتحالفات الإقليمية والدولية.
وهنا يجب إضافة عامل بالغ الأهمية: ما بعد الاستعمار ليس مجرد علاقة بين الماضي والحاضر، بل سلسلة من إعادة الإنتاج. فالدولة الوطنية قد تستخدم مؤسسة استعمارية لهدف وطني، ثم تستخدمها حكومة عسكرية لهدف سلطوي، ثم تستخدمها حكومة ديمقراطية لهدف مختلف. ولذلك لا يمكن أن نضع كل استخدامات المؤسسة في سلة واحدة.
ولا ينبغي مثلاً وصف كل مركزية سودانية بأنها بريطانية؛ فقد كانت التركية المصرية نفسها مركزية، كما أن حكومات سودانية مستقلة اختارت المركزية لأسباب تتعلق بالسيطرة السياسية والموارد.
ولا ينبغي وصف كل صراع قبلي بأنه نتيجة للإدارة الأهلية؛ فقد كانت الهويات الاجتماعية والسياسية موجودة قبل الاستعمار، وتغيرت بعده نتيجة عوامل كثيرة.
ولا ينبغي وصف كل تدخل عسكري بأنه استمرار للجيش الاستعماري؛ فالجيش السوداني بعد 1956م طور مصالح ومؤسسات وأيديولوجيات خاصة به، وشارك في مشاريع سياسية وطنية متباينة.
ولا ينبغي وصف الاقتصاد الريعي النفطي بأنه استمرار للاقتصاد الاستعماري للقطن؛ فالنفط أنتج بنية مختلفة، وإن كانت المركزية والتوزيع غير المتكافئ قد أعادا إنتاج بعض المشكلات القديمة.
ولا ينبغي تحميل الاستعمار البريطاني مسؤولية كل فشل اقتصادي لاحق. فقد لعبت السياسات الوطنية، والانقلابات، والحرب الأهلية، والجفاف، وسوء الإدارة، والفساد، والتضخم، والاقتراض، وتقلبات الأسواق، وسياسات الإصلاح، أدواراً مستقلة.
ولا ينبغي كذلك اعتبار كل مؤسسة أنشأها الاستعمار مؤسسة ينبغي هدمها. فالجامعة والمستشفى والسكك الحديدية والسجل المدني وبعض النظم القانونية والمالية يمكن أن تصبح مؤسسات وطنية نافعة إذا تغيرت ملكيتها ووظيفتها وعلاقاتها بالسلطة.
وهذه نقطة مركزية: إزالة الإرث الاستعماري لا تعني تدمير الدولة، بل تحويل الدولة من أداة مركزية للاستخراج إلى مؤسسة للمواطنة والتنمية والعدالة.
الفصل الثاني عشر: نحو «الاستقلال المؤسسي الثاني» — تفكيك ما يجب تفكيكه والحفاظ على ما يجب الحفاظ عليه
إذا كان الاستقلال السياسي قد تحقق سنة 1956م، فإن السودان لم ينجح بصورة كاملة في تحقيق استقلال مؤسسي واجتماعي واقتصادي. ولذلك يمكن استخدام مفهوم «الاستقلال المؤسسي الثاني» بوصفه مشروعاً لإعادة بناء الدولة على أساس مختلف.
أول ما ينبغي تفكيكه هو المركزية المفرطة. لا يكفي نقل بعض الوزارات إلى الولايات؛ المطلوب توزيع حقيقي للسلطات السياسية والمالية والإدارية، مع نظام واضح لتقاسم الموارد بين المركز والأقاليم، وضمان حد أدنى وطني موحد للخدمات.
ثاني ما ينبغي تفكيكه هو التفاوت المالي بين المركز والأطراف. يجب أن تتحول اللامركزية من شعار إلى نظام مالي دستوري، يقوم على معايير موضوعية للسكان والفقر والحاجة والبنية التحتية والمساحة وتكلفة تقديم الخدمات.
ثالثاً، يجب إعادة بناء الإدارة الأهلية. لا ينبغي إلغاؤها بالضرورة ولا إبقاؤها كما هي. المطلوب تحديد وظائفها الاجتماعية والثقافية والوساطية، ومنع احتكارها للسلطة التنفيذية أو القضائية أو الأرض، وربط أي سلطة عامة فيها بالمواطنة والقانون والرقابة.
رابعاً، يجب إصلاح نظام الأرض من خلال إطار وطني يعترف بالحقوق الفردية والجماعية والرعوية والزراعية، ويمنع تحويل الأرض إلى أداة للتهجير أو المحسوبية أو الاحتكار.
خامساً، ينبغي إعادة تعريف الجيش. يجب الانتقال من مفهوم الجيش الذي يحكم الدولة إلى الجيش الذي يخضع للدولة المدنية. ويشمل ذلك توحيد القوات المسلحة، وإنهاء الجيوش والميليشيات الموازية، وإخضاع الميزانيات والشركات العسكرية للرقابة المدنية، وإنشاء رقابة برلمانية حقيقية على قطاع الأمن والدفاع، مع إصلاح جذري لعلاقة المركز بالأقاليم داخل المؤسسة العسكرية.
وهنا يجب التعامل مع درس التاريخ بوضوح: إنشاء جيش وطني موحد لا يعني فقط دمج الأفراد؛ بل يعني أيضاً تفكيك النظام التاريخي الذي جعل بعض المناطق مصدراً للقوة العسكرية غير النظامية ومناطق أخرى مصدراً للضباط والقيادة. وتشير دراسة بيريدج إلى أن هذه الثنائية التاريخية كانت من جذور التوتر بين الجيش والقوات الإقليمية حتى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م (بيريدج، 2023).
سادساً، ينبغي إعادة بناء التعليم الوطني على أساس المواطنة والتعدد اللغوي والتاريخ النقدي. فلا يمكن بناء دولة موحدة إذا كان تاريخها المدرسي يقدم المركز بوصفه «الوطن» والأطراف بوصفها هامشاً.
سابعاً، يجب بناء نظام صحي وطني عادل لا يكرر التفاوت التاريخي في توزيع المستشفيات والأطباء والتمويل. فالإرث الاستعماري في الصحة لا يُعالج برفض الطب الحديث، وإنما بجعل الطب الحديث حقاً عاماً لا امتيازاً مركزياً.
ثامناً، ينبغي الانتقال من اقتصاد استخراج وتصدير المواد الخام إلى اقتصاد إنتاجي متنوع. وهذا هو التطبيق الأكثر مباشرة لفكرة أمين عن إعادة ترتيب العلاقة مع الاقتصاد العالمي: التجارة الدولية ليست المشكلة، وإنما موقع السودان داخلها.
يجب أن تشمل الاستراتيجية الزراعية القيمة المضافة والتصنيع الغذائي، وأن تشمل الثروة الحيوانية التصنيع والتسويق والخدمات البيطرية، وأن تتحول المعادن من مجرد صادرات خام إلى جزء من استراتيجية صناعية، وأن تستخدم عائدات الذهب والنفط والزراعة لبناء رأس المال البشري والبنية التحتية والإنتاج المحلي.
تاسعاً، يجب بناء دولة قانون واحدة تعترف بالتعدد الاجتماعي دون أن تسمح بتعدد درجات المواطنة. ويمكن أن تستفيد من القانون العرفي في مجالات مناسبة، لكن تحت سقف دستوري واضح للحقوق الأساسية والمساواة أمام القانون.
عاشراً، ينبغي إنشاء مشروع وطني للذاكرة التاريخية يدرس التركية المصرية، والمهدية، والحكم البريطاني المصري، والاستقلال، والحروب الأهلية، والانقلابات، والإنقاذ، والثورة، والحرب الحالية دون انتقائية. فالمجتمع الذي لا يفهم تاريخه يعيد إنتاجه.
ما ينبغي الحفاظ عليه، وما ينبغي تحويله
لا تعني إزالة الاستعمارية هدم كل المؤسسات التي نشأت في العهد الاستعماري. فبعض البنى المادية، مثل شبكات الري والسكك الحديدية والموانئ والمستشفيات والمدارس والسجل المدني، يمكن أن تكون أساساً ممتازاً لدولة حديثة. المشكلة ليست في تاريخ المؤسسة وحده، بل في الوظيفة التي تؤديها، والجهة التي تملكها، ومن يستفيد منها، ومن يخضع لها.
ومن هنا يجب اعتماد قاعدة عملية: المؤسسة التي تحقق منفعة عامة متساوية يجب الحفاظ على وظيفتها وتوطينها؛ المؤسسة التي تركز السلطة والثروة يجب إصلاحها؛ والمؤسسة التي تقوم على الإكراه أو التمييز أو الاحتكار يجب تفكيكها.
ويعني ذلك أن مشروع الجزيرة، مثلاً، لا يحتاج إلى الإلغاء لمجرد أن جذوره استعمارية. لكنه يحتاج إلى إصلاح الملكية والإدارة والتمويل والري والتسويق والعلاقة بين المزارعين والدولة. وبالمثل، فإن الجيش لا يحتاج إلى الإلغاء لأن جذوره استعمارية؛ بل يحتاج إلى تحويله إلى مؤسسة عسكرية وطنية مهنية خاضعة للسلطة المدنية. وكذلك الإدارة الأهلية لا ينبغي أن تُمحى من الوجود، وإنما يجب إعادة تعريف وظائفها بما يمنع تحول السلطة الاجتماعية إلى امتياز سياسي أو قانوني غير خاضع للمساءلة.
الدرس الأكبر من الحرب الحالية
تكشف الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م بصورة مأساوية أن المشكلة السودانية لم تعد مجرد مشكلة «حكومة سيئة» أو «نخبة فاسدة»، وإنما مشكلة بنية دولة.
لقد أصبح الصراع على الدولة صراعاً على الجيش والاقتصاد والأرض والعاصمة والموارد والشرعية. وهذا يفسر لماذا لا يكفي الاتفاق بين قادة عسكريين أو سياسيين لتأسيس سلام مستدام.
والدرس التاريخي من الاستعمار هنا بالغ الأهمية: عندما تُبنى الدولة بحيث تتركز القوة في المركز، ويصبح الجيش طريقاً إلى السلطة، وتصبح الأطراف مناطق للتعبئة العسكرية أكثر من كونها مراكز متساوية للمواطنة، فإن تغيير النخبة لا يغير بنية الصراع.
ولهذا فإن السلام السوداني المستدام يجب أن يكون في جوهره إعادة بناء للدولة وليس مجرد تسوية بين المتحاربين.
إن إنهاء الحرب لا بد أن يترافق مع إصلاح العلاقة بين المركز والأقاليم، وتوحيد القطاع الأمني، وإعادة توزيع الموارد، وإصلاح الأرض، وإعادة بناء الإدارة المدنية، وتوسيع الخدمات، وإنتاج عقد اجتماعي جديد.
خاتمة نقدية: الاستعمار انتهى، لكن التاريخ لم ينتهِ
تكشف القراءة التاريخية والنظرية أن السؤال «هل انتهى الاستعمار في السودان سنة 1956م؟» يحتاج إلى إجابة مزدوجة.
نعم، انتهى الاستعمار بوصفه سيطرة سياسية أجنبية مباشرة على الدولة. وأصبح السودان دولة مستقلة ذات سيادة دولية، وأصبح السودانيون هم أصحاب السلطة القانونية على الدولة.
لكن لا، لم تنتهِ في ذلك اليوم جميع البنى التي تشكلت في ظل الحكم الأجنبي. فقد استمرت المركزية، وبعض أشكال الإدارة الأهلية، وتفاوت التنمية، والاقتصاد التصديري، والمؤسسات العسكرية، والتعدد القانوني، والتفاوت التعليمي والصحي، وبعض التصنيفات الإقليمية والاجتماعية.
غير أن هذه الاستمرارية لا تعني أن السودان ظل مستعمراً. وهذا تمييز علمي حاسم. ما استمر بعد 1956م كان إرثاً مؤسسياً، وأحياناً اعتماداً على المسار، وأحياناً إعادة إنتاج وطنية، وأحياناً تحولاً إلى بنى جديدة لا يمكن نسبتها إلى الاستعمار.
ومن هنا فإن التركية المصرية والحكم البريطاني المصري لا ينبغي دمجهما في مفهوم واحد. فالتركية المصرية كانت أقرب إلى دولة إمبراطورية عسكرية ـ مالية ذات منطق استخراجي قوي، وأسهمت بصورة حاسمة في توسيع الدولة المركزية وإعادة تنظيم المجال السياسي. أما الحكم البريطاني المصري فكان استعماراً بيروقراطياً مرتبطاً بالإمبراطورية الرأسمالية العالمية، وأعاد تشكيل الإدارة والقانون والتعليم والجيش والزراعة والبنية التحتية والمالية بطريقة أكثر عمقاً واستدامة.
لكن الأهم من الاختلاف بينهما هو تراكمهما. فالبريطانيون لم يبدأوا من الصفر، والدولة الوطنية لم تبدأ من الصفر بعد 1956م. كل طبقة تاريخية بنت جزءاً من الطبقة التالية.
ومن منظور سمير أمين، تكشف الحالة السودانية كيف يمكن أن يؤدي الاندماج غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي إلى إنتاج اقتصاد حديث في بعض قطاعاته لكنه تابع في بنيته. ومن منظور ممداني، تكشف الإدارة الأهلية كيف يمكن للدولة الاستعمارية أن تحول سلطات اجتماعية محلية إلى أدوات إدارية وقانونية. ومن منظور فانون، تكشف تجربة ما بعد الاستقلال خطر انتقال الدولة إلى نخبة وطنية من دون تحول عميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية. ومن منظور كويخانو، يمكن أن تستمر أنماط التصنيف والهيمنة المعرفية بعد اختفاء الحكم الأجنبي. ومن منظور المؤسسية التاريخية، يمكن فهم استمرار هذه المؤسسات باعتباره نتيجة لاعتماد الدولة على مسارات سبق أن أنشئت، وارتفاع تكلفة تغييرها.
لكن السودان ليس أسيراً لهذا التاريخ.
فالاستعمار لا يفسر المستقبل. التاريخ يحدد القيود والموارد والمسارات المحتملة، لكنه لا يلغي الاختيار السياسي.
ولهذا فإن «الاستقلال المؤسسي الثاني» لا يعني العودة إلى الماضي، ولا يعني هدم كل ما بناه الاستعمار، ولا يعني رفض المؤسسات الحديثة، ولا يعني استبدال المركزية الاستعمارية بمركزية وطنية جديدة.
إنه يعني شيئاً أكثر دقة: الاحتفاظ بما هو صالح من مؤسسات الدولة الحديثة، وتحريرها من منطق السيطرة والاستخراج، وإعادة توزيع السلطة والثروة والمعرفة بصورة عادلة، وتحويل الجيش من حاكم إلى مؤسسة وطنية، وتحويل الإدارة المحلية من أداة للضبط إلى أداة للمشاركة، وتحويل الاقتصاد من التصدير الخام إلى الإنتاج والقيمة المضافة، وتحويل التعدد الاجتماعي من مصدر للتمييز إلى أساس للمواطنة المتساوية.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال الحقيقي بعد أكثر من سبعة عقود من الاستقلال ليس «هل بقي الاستعمار؟»، وإنما: هل استطاعت الدولة السودانية أن تتحول من الدولة التي ورثت بنية الاستعمار إلى دولة وطنية أعادت تصميم مؤسساتها وفق احتياجات مواطنيها؟
والإجابة التاريخية حتى الآن هي: جزئياً فقط.
لقد نجح السودانيون في إنهاء الحكم الأجنبي، وبناء دولة ذات سيادة، وتطوير مؤسسات وطنية، وإنتاج نخب علمية وسياسية وثقافية، وإقامة جامعات وخدمات عامة ومشروعات اقتصادية ومؤسسات سياسية لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل الاستقلال. لكنهم لم ينجحوا بصورة مكتملة في تحويل الدولة المركزية إلى دولة مواطنة متوازنة بين أقاليمها، ولم ينجحوا في إخضاع القوة العسكرية للسلطة المدنية بصورة مستقرة، ولم يحولوا الموارد الطبيعية إلى تنمية شاملة، ولم يغلقوا الفجوة التاريخية بين المركز والأطراف.
ولهذا فإن المخرج من الأزمة السودانية الراهنة لا يكمن في البحث عن «مستعمر جديد» نحمّله المسؤولية، ولا في تبرئة الداخل من مسؤولياته، وإنما في فهم كيف التقت البنى التاريخية مع خيارات النخب الوطنية ومع الاقتصاد العالمي ومع الحروب والانقلابات لتنتج السودان المعاصر.
إن أخطر إرث للاستعمار ليس مؤسسة بعينها يمكن هدمها، وإنما طريقة في بناء الدولة: مركز قوي، وأطراف ضعيفة، واقتصاد استخراج، وجيش فوق السياسة، ومجتمع يُدار عبر وسطاء، ومعرفة تنتجها النخبة المركزية، وحقوق متفاوتة بحسب الموقع الاجتماعي والجغرافي.
وإذا كان هذا هو جوهر الإرث، فإن تجاوزه يتطلب تغييراً في بنية الدولة نفسها.
وعندها فقط يصبح الاستقلال السياسي الذي تحقق في 1956م بداية فعلية لاستقلال مؤسسي واجتماعي واقتصادي لم يتحقق كاملاً بعد.
وتقود هذه النتيجة إلى استنتاج أكثر تركيباً: لا يوجد «استعمار باقٍ» في السودان بوصفه كياناً واحداً يمكن إزالته بقرار سياسي واحد، بل توجد طبقات متفاوتة من الاستمرارية. بعضها مادي، مثل البنية التحتية؛ وبعضها مؤسسي، مثل المركزية والإدارة والقانون؛ وبعضها اقتصادي، مثل الاعتماد على صادرات أولية؛ وبعضها عسكري، مثل العلاقة غير المتوازنة بين القوات المركزية والقوات الإقليمية؛ وبعضها معرفي، مثل تصنيف السكان والأقاليم؛ وبعضها سياسي، مثل الاعتقاد بأن السيطرة على المركز هي الطريق الأقصر للسيطرة على الدولة.
ولذلك فإن التحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد إعلان القطيعة مع الماضي، بل بتحويل هذه الطبقات واحدة بعد الأخرى. وهذه مهمة أطول وأصعب من الاستقلال القانوني، لكنها أيضاً أكثر واقعية؛ لأنها لا تتطلب محو التاريخ، وإنما إعادة توجيه مؤسساته.
إن أفضل قراءة لتاريخ السودان بعد الاستقلال ليست أن السودانيين «فشلوا لأن الاستعمار بقي»، ولا أن الاستعمار «انتهى تماماً ولذلك لا علاقة له بالحاضر»، وإنما أن السودان دخل بعد 1956م مرحلة ثالثة: مرحلة إعادة التفاوض الوطني على مؤسسات نشأت جزئياً في ظل الحكم الأجنبي. وقد نجحت الدولة الوطنية في تغيير بعضها، وفشلت في تغيير بعضها الآخر، وأعادت إنتاج بعضها في صور جديدة.
وبذلك يصبح «ما بعد الاستعمار» في السودان ليس وصفاً لمرحلة زمنية فقط، وإنما سؤالاً عن السلطة: من يملك الدولة؟ ومن يقرر توزيع الموارد؟ ومن يعرّف المواطنة؟ ومن يملك القوة؟ ومن يحدد ما هو «حديث» وما هو «تقليدي»؟ ومن يستفيد من الاقتصاد؟ ومن يكتب التاريخ؟
والإجابة عن هذه الأسئلة هي في جوهرها الإجابة عن سؤال السودان في القرن الحادي والعشرين.
المراجع
Amin S. Underdevelopment and Dependence in Black Africa: Historical Origin. Journal of Peace Research. 1972;9(2):105–119.
Amin S. Accumulation on a World Scale: A Critique of the Theory of Underdevelopment. New York: Monthly Review Press; 1974.
Amin S. Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. New York: Monthly Review Press; 1976.
Amin S. Delinking: Towards a Polycentric World. London: Zed Books; 1990.
Abushouk AI. The Anglo-Egyptian Sudan: From Collaboration Mechanism to Party Politics, 1898–1956. Journal of Imperial and Commonwealth History. 2010;38(2):207–236.
Bell H. Frontiers of Medicine in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1940. Oxford: Clarendon Press; 1999.
Berridge W. Western Sudanese marginalization, coups in Khartoum and the structural legacies of colonial military divide and rule, 1924-present. Journal of Eastern African Studies. 2023;17(4):535–556.
Bhabha HK. The Location of Culture. London: Routledge; 1994.
Bjørkelo A. The Territorial Unification and Administrative Divisions of Turkish Sudan, 1821–1885. Sudan Notes and Records. 1997;1:25–46.
Daly MW. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press; 1986.
Fanon F. The Wretched of the Earth. New York: Grove Press; 1963.
Frank AG. Capitalism and Underdevelopment in Latin America. New York: Monthly Review Press; 1967.
Göksoy IH. Some Aspects of the Anglo-Egyptian Condominium Rule in Sudan (1899–1914). 2019.
Mamdani M. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press; 1996.
Mollan S. Business, State and economy: cotton and the Anglo-Egyptian Sudan, 1919–1939. African Economic History. 2008;36:95–123.
Mollan S. Imperialism and Economic Development in Sub-Saharan Africa: An Economic and Business History of Sudan. Cham: Palgrave Macmillan; 2020.
Natsios AS. Sudan, South Sudan, and Darfur: What Everyone Needs to Know. New York: Oxford University Press; 2012.
Pierson P. Increasing Returns, Path Dependence, and the Study of Politics. American Political Science Review. 2000;94(2):251–267.
Prebisch R. The Economic Development of Latin America and Its Principal Problems. New York: United Nations Economic Commission for Latin America; 1950.
Quijano A. Coloniality of Power and Eurocentrism in Latin America. International Sociology. 2000;15(2):215–232.
Sachs JA. Native Courts and the Limits of the Law in Colonial Sudan: Ambiguity as Strategy. Law & Social Inquiry. 2013;38(3):603–631.
Said EW. Orientalism. New York: Pantheon Books; 1978.
Seri-Hersch I. Education in Colonial Sudan, 1900–1957. Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford: Oxford University Press; 2017.
Sikainga AA. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. Austin: University of Texas Press; 1996.
Spivak GC. Can the Subaltern Speak? In: Nelson C, Grossberg L, editors. Marxism and the Interpretation of Culture. Urbana: University of Illinois Press; 1988.
Suliman KM. The Political Economy of Fiscal Institutions and Macroeconomic Management in Sudan. In: Mohaddes K, Nugent JB, Selim H, editors. Institutions and Macroeconomic Policies in Resource-Rich Arab Economies. Oxford: Oxford University Press; 2019.
Thelen K. Historical Institutionalism in Comparative Politics. Annual Review of Political Science. 1999;2:369–404.
Vaughan C. Darfur: Colonial Violence, Sultanic Legacies and Local Politics, 1916–1956. Woodbridge: James Currey; 2015.
Verhoeven H. Surviving revolution and democratisation: the Sudan armed forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023.
Wallerstein I. The Modern World-System: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century. New York: Academic Press; 1974.
Warburg GR. Administration in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1916. London: School of Oriental and African Studies; 1968.
World Bank. The World Bank and the Gezira Scheme in Sudan: Political Economy of Irrigation Reforms. Washington, DC: World Bank; 2010.
Young C. The African Colonial State in Comparative Perspective. New Haven: Yale University Press; 1994.
Bernal V. Cotton and Colonial Order in Sudan: A Social History with Emphasis on the Gezira Scheme. In: Isaacman A, Roberts R, editors. Cotton, Colonialism, and Social History in Sub-Saharan Africa. Portsmouth, NH: Heinemann; 1995. p.96–118.
Amin S. Sous-développement et dépendances en Afrique noire: les origines historiques et les formes contemporaines. Tiers-Monde. 1972;13(52):753–778.
عبدالكريم وآخرون. Sudan’s Catastrophe: The Role of Changing Dynamics of Food and Power in the Gezira Agricultural Scheme. 2024.
البنك الدولي. World Development Report 1980. Washington, DC: World Bank; 1980.
البنك الدولي. The World Bank and the Gezira Scheme in Sudan: Political Economy of Irrigation Reforms. Washington, DC: World Bank; 2010.
سيري ـ هيرش إ. Education in Colonial Sudan, 1900–1957. موسوعة أكسفورد للبحوث في التاريخ الأفريقي. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد؛ 2017.
بيل هـ. Frontiers of Medicine in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1940. أكسفورد: Clarendon Press؛ 1999.
سيكينغا أ. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. أوستن: University of Texas Press؛ 1996.
فوغان ج. Darfur: Colonial Violence, Sultanic Legacies and Local Politics, 1916–1956. وودبريدج: James Currey؛ 2015.
بيريدج و. Western Sudanese Marginalization, Coups in Khartoum and the Structural Legacies of Colonial Military Divide and Rule, 1924–Present. Journal of Eastern African Studies. 2023;17(4):535–556.
مولان س. Business, State and Economy: Cotton and the Anglo-Egyptian Sudan, 1919–1939. African Economic History. 2008;36:95–123.
مولان س. Imperialism and Economic Development in Sub-Saharan Africa: An Economic and Business History of Sudan. تشام: Palgrave Macmillan؛ 2020.
بيوركيلو أ. The Territorial Unification and Administrative Divisions of Turkish Sudan, 1821–1885. Sudan Notes and Records. 1997.
ممداني م. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. برينستون: Princeton University Press؛ 1996.
كويخانو أ. Coloniality of Power and Eurocentrism in Latin America. International Sociology. 2000;15(2):215–232.
فانون ف. The Wretched of the Earth. نيويورك: Grove Press؛ 1963.
سعيد إ. Orientalism. نيويورك: Pantheon Books؛ 1978.
بهابها هـ. The Location of Culture. لندن: Routledge؛ 1994.
سبيفاك غ. Can the Subaltern Speak? In: Nelson C, Grossberg L, editors. Marxism and the Interpretation of Culture. أوربانا: University of Illinois Press؛ 1988.
بريبيش ر. The Economic Development of Latin America and Its Principal Problems. نيويورك: United Nations Economic Commission for Latin America؛ 1950.
فرانك أ.غ. Capitalism and Underdevelopment in Latin America. نيويورك: Monthly Review Press؛ 1967.
والرشتاين إ. The Modern World-System: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century. نيويورك: Academic Press؛ 1974.
بيرسون ب. Increasing Returns, Path Dependence, and the Study of Politics. American Political Science Review. 2000;94(2):251–267.
ثيلن ك. Historical Institutionalism in Comparative Politics. Annual Review of Political Science. 1999;2:369–404.
ناتسيوس أ.س. Sudan, South Sudan, and Darfur: What Everyone Needs to Know. نيويورك: Oxford University Press؛ 2012.
دالي م.و. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. كامبريدج: Cambridge University Press؛ 1986.
ووربرغ غ.ر. Administration in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1916. لندن: School of Oriental and African Studies؛ 1968.
