“حتماً ، لن يتمردوا” ..! .. بقلم: عبد الله الشيخ
1 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
36 زيارة
خط الاستواء
حزنٌ دفيق في هذا العيد ، قادني إلى “حدّ الدُنيا”، الى قريتي النائية، إلى “دنقلا العجوز”، في أقصى الشمال..رفعت الفاتحة، ولملمت دثار نفسي، وخرجت من بيت البكاء، أتفقّد مراتع صِباي..
دورب زمني الخائن، إمتلأت بأرتال الحديد الخُردة..سيارات متهالكة من مستهلكات عُربان ما وراء البحر المالِح، بعضها يزحف، وبعضها رابض أمام البيوت..!
مضت الأيام التي كنا نكرُب فيها “الصّريمي” ونركب حميرنا، و لا نتكلّف إلا عناء سقياها في الجنّابية،وتقييدها في ” البَرَوِدْ”..! لا بنشرجي ولا اسبيرات، ولا بنزين،، كان النزول إلى “الجزيري”، والعوم في البحر، كافياً للمعاش والسلوى..!
وجدتهم قد هجروا ضفاف النيل، و الطنابير، وقعدة الليل فوق رمال القمر..! لقد “شَدَهتْهُم” الحياة، و جار عليهم النهر سنةً بعد أُخرى، فجافوه حتى جفاهم.. ضفاف النيل ظمأى هذا العام.. رائحة الطمي وأنفاس النهر، التي كنت أكرُفها وأنا في “القبولاب”، أصبحت ذكرى..دخلت الكهرباء إلى المشاريع ، لكن الشطئان الخضراء تقلّصت ،كما تتقلّص أيام العمر.. الجروف التي كانت ترتوي من ماء الفيضان، أضحت جديبة تسفّها الرياح..نبات السِّعدة العِطري، كان أحد وشائجي بالبلد، وبقول الشطئان،، كل ذلك أضحى وشماً في الخيال..!
لا شيئ أخضر فوق القيف، غير شجيرة الفأس، و”الكَدْرَباس” الذي تتقاتل عليه عصابات المافيا في أميركا اللّاتينية..!
آلاف الافدنة كانت تنتج اللوبيا وعيش الريف، والطماطم والفاصوليا، بعد كل موسم من مواسم فيضان النيل، أضحت قاعاً صفصفاً، بينما القماري لم تيأس بعدُ من انتظار الفجر الطالع.. هدير الكسّارات الاسثمارية يدوي في صحراءنا.. جرارات المال الخليجي، تمخر رمال “آمون رع”، غير عابئة بما في جوفها من أسرار الكنداكات..! كان الطمي والـ “كلّلرو”/ الأرض العفا في قلب العتامير، كان كله لنا.. يقال، أنهم باعوا كل شيئ هناك، لصاحب الرِّيال والعُقال..! قريتي المحشورة بين جبل وماء، التي استعصت على دورايش المهدية، هي الأخرى ، بيعت لمطوّعينَ من بلاد النفط، بوعد “من لا يملك لمن لا يستحق”..!
الله ، على غرسنا القديم،الذي نحيا به ونموت عليه،، الله الله، على جضول النخل في موسم الضنى، إنها تسبر غور الأرض و لن تموت إن كان الحياء في الصدور.. ومع ذلك، فلن يتمرّد أهلى، حتى يستيقنوا، من أين جاءت الضّربة..!
لن يتمردوا حتى يعرفوا ، ما إذا كانت مصيبتهم، آتية من الشمال العربي، أم من خرسانات النهضة، أم هي ذات الفاجعة، التي تحدّث عن نفسها في الخرطوم..!
سمعت الخطيب يدينهم، ويجرّعهم مزيداً من التنويهات، ويقول لهم ” بيِّضوا النيّة ، فأن مصيبتكم تنبع من سويداء نفوسكم”..!
الحكومة التي لم نكن نعرفها، ولا تعرفنا إلا في موسم الانتخابات، أصبح لديها مسجدها في كل حي..! الحرُّ شديدٌ ، لكأني لم أعش يوماً في هنا..حقاً إن درجة حرارة الارض قد ارتفعت ، ومعها الاسعار، والمدينة التي هربتُ منها، دخلت حتى “تُكل” البيت.. أجيال جديدة تمُر أمامي، فلا أعرف منهم أحد، ولا يعرفني إلا العواجيز.. أمي أيضاً قد تغيّر “كيفها” مع مرّ السنين..وجدتها تستبدل حُقة التمباك بالكمُّون الأسود،، تكرفه مرّة وتمضغه تارةً، كلما وطئت خزاز الصمت..!
لم يعد ممكناً تضرُّعي في جزيرتنا التي خرشها الهدام ، وتناثر فوقها نبات الحلفا الأصفر ، وشجر البسكيت الذي يمتص الرواء حيث كان ..!
كان موطني جميلاً، وكانت الشبابيل على قفا من يشيل..! موطني يمتلئ اليوم بالقوارض، والدبايب، وأهلي مقبلون على موسم جفاف لا مثيل له، لكنهم حتماً لن يتمردوا، لأنهم ينتظرون عودة المسيح، وبعضهم يتطلع في ناشئة الليل، وبعضهم يصبر،، والصابرات روابِح..!