محمد أحمد شقيلة
محاضر بقسم العلوم السياسية – جامعة بحري
8 أبريل 2019
بات سقوط نظام الإنقاذ ورحيل رئيسه البشير أمر وشيك، وأصبح ولوج الفترة الانتقالية قاب قوسين أو أدني، وذلك للدرجة التي تستدعي معها التطرُّق لها والتنبيه للأخطار التي يمكن أن تتعرّض لها ثورة إرحل وفي مقدمتها سرقة الثورة نفسها من الثوار وتجمع المهنيين سيما أن لصوص الثورات يبدأون تخطيطهم لسرقتها في هذه المرحلة، أي عندما يستبين ويصبح في حكم المؤكد نجاحها، وهو النجاح والانتصار الذي ينتظر الثورة السودانية الحالية.
وحتي لا يُطلق القول على عواهنة أو إطلاق الأحكام الجزافية، فإن سقوط النظام أصبحت تحكمه أشياء ثلاثة: استمرار الثوار في الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية لعدد من الأيام المتواصلة، وثانيها هو تمسُّك القوى السياسية المعارضة بشقيها المدني والعسكري بعدم التفاوض مع النظام خاصة أن المُتوّقع أن يبدأ الآن مناوراته معها لمشاركته حكم فترة انتقالية، ومستغلاً في ذلك ضعف إرادة بعضها في مقاومة طبق السلطة إن عُرض عليها، ومما يتيح للنظام فرصة شقّها عبر انقسامها ما بين مؤيد ومعارض وبين مشارك ورافض، وهذا بجانب إعطائه مساحة للحركة والاستمرارية بعد حالة الشلل التام التي اصابته جراء إعلان المعارضة بكل فصائلها على عدم التحاور أو التفاوض معه، وأن عليه فقط أن يرحل، وهو ما جعله أن يكون واقفاً أمام خيارين: إما أن يموت ذاتياً أو أن يجد له طريقة ليعمل ويتحرك، فالحركة لأي نظام هي بمثابة الأوكسجين الذي يُبقي الكائن الحي علي قيد الحياة، وهو الأمر الذي فهمته المعارضة أخيراً من أن تقطع أوكسجينها عن النظام الذي أصلاً مقطوع منه الأوكسجين الخارجي، حيث يعيش في حالة عزلة خارجية، وقررت أن تتركه ليموت وحده، وهو ما سيحدث بالقطع إن صمدت في موقفها مجتمعة بعدم التحاور مع النظام أو التفاوض معه في شيء خلاف رحيله.
ثالث الأشياء التي تؤكد على أن النظام سيسقط بعد سويعات من الآن هو إنحياز الغالبية العظمى من عناصر الجيش إلى الشعب، والذي تأكده كل الشواهد، وأن كل الذي يجري داخل أروقة مؤسساته في الوقت الحالي هو ما يقوم به من مفاوضات مع تلك الجهات الخارجية التي يمكن أن تحتضن الرئيس خلال الفترة القادمة، والتي لكل منها شروطه لذلك بالطبع، فقطر ستطالب بأن يستمر الإسلاميين وحزبهم المؤتمر الوطني في الحكم، أما السعودية والإمارات ستحاولان أن تجدان ضمانات بعدم سحب قوات الجيش السوداني التي تقاتل في اليمن، والغالب أن أردوغان تركيا سيعتذر بتبرير (أن الذي هو فيه يكفيه هذه الأيام).
الأمر الآخر الذي يدور داخل الجيش بكل تأكيد هو تلك المفاوضات التي تجري بين الضباط الوطنيين وأولئك الممثلين لتنظيم الإسلاميين والنظام، حيث يحاول هؤلاء الأخيرون أن يقودوا هم المجلس العسكري في الفترة الإنتقالية، وهو الذي يجد مقاومة ورفض من الضباط الوطنيين، والذين يشكلون الأغلبية، وأن رأيهم هو أن المجلس العسكري لا ينبغي أن يضم عناصر النظام الحالي من العسكريين سيما أن الضباط الوطنيين لديهم مرارات عظيمة ذاقوها من الإسلاميين وعناصر المؤتمر الوطني على مدار 30 عاماً من حكمهم، وكما أن لهم طموح في القيادة، وهذا حقهم خاصة أن الشعب قد إستجار بهم هم وليس بالعسكريين الموالين للنظام، وقد أجاروه وإلا لكان الجيش قام بالتواطؤ مع الأجهزة الأمنية الأخرى وقمعوا سوياً المتظاهرين المعتصمين أمام قيادته العامة، وذلك بدلاً من قيامه بما يقوم به من حماية بطرق مختلفة لهم من بطش الأجهزة الأمنية الأخرى.
كل ذلك يؤكد أن النظام باتت أمامه ساعات معدودة في الحياة يموت بعدها، وسيدخل الناس مرحلة نظام سياسي جديد، وهذا حال أن إستمرت هذه الأشياء الثلاثة على ما هي عليه: إستمرار إعتصام الجماهير بكثافتهم هذه أمام القيادة العامة للجيش، ورفض القوى السياسية لأي نوع من التفاوض مع النظام، وإستمرار قيادة الجيش الوطنية، وهي الأغلبية في صفوفه، في إنحيازها لجانب الشعب، ولا يبدو أن شيء من هذه الأشياء الثلاث سيحدث فيه تغيير، وهو ما يعني أن النظام سقط لا محالة، وهي مسألة وقت لساعات فقط حتى يكون سقوطه واقعاً يعيشه الشعب.
في مثل هذه الأجواء يتحرك لصوص أو سارقي الثورات ويبدأون في التخطيط لسرقة الثورة، وقد نجح هذه الأمر في إنتفاضتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985. في ثورة أكتوبر، والتي كان بسبب سرقتها وعدم حدوث التغيير المنشود أن تحولت لإنتفاضة لم تفعل شيء سوى أن غيرت حاكم بحاكم لا أكثر. كان من قام بتلك الثورة هما الشعب وقيادته المتمثلة في جبهة الهيئات (جسم مماثل لتجمع المهنيين السودانيين)، حيث كانت الثورة ماركة مسجلة باسمهما.
لكن الذي حدث بعد إسقاط نظام عبود وتكوين الحكومة الإنتقالية برئاسة سر الختم الخليفة عميد المعهد الفني (جامعة السودان حالياً)، وهي الحكومة التي انعكس في تشكيلها الدور القيادي الذي لعبته جبهة الهيئات في إسقاط النظام العسكري، حيث ضم مجلس الوزراء الانتقالي سبعة وزراء ممثلين لها من مجمل عدد وزرائها الأربعة عشر، ووزيرين لتمثيل الجنوب (منطقة الحرب الأهلية والنزاع وقتها) وخمسة وزراء لتمثيل أحزاب: الأمة، والوطني الاتحادي والشعب الديموقراطي (الاتحادي الديمقراطي حالياً)، وجبهة الميثاق الإسلامي (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي حالياً)، والحزب الشيوعي، وذلك بواقع وزير لكل حزب، وهي الأحزاب التي واضح أنها ما زالت قائمة في واقع السودان اليوم.
لكن، وبدلاً عن العمل المشترك تجاه التأسيس والوصول إلى دستور دائم للبلاد، بدأت الخلافات بين هذه القوى المتعددة تطل برأسها بعد فترة قصيرة من تكوين الحكومة الإنتقالية، وقد كانت موضوعات الخلاف الأساسية تتركز حول الاتفاق على أسس وضع الدستور والمبادئ العامة لذلك أولاً، وإيقاف الحرب في الجنوب ثانياً، ومن ثم شروط إجراء الانتخابات للعودة للحكم الديمقراطي، وهذا ثالثاً.
كانت جبهة الهيئات التي يمكن اعتبارها ممثلة للقوى الحديثة أو المهنية (النقابات والاتحادات المهنية) وكذلك ممثلة للشعب تطالب ب 50% من مقاعد البرلمان الجديد على أساس وظيفي أو مهني (نصف أعضاء البرلمان يكونوا من المهنيين والخبراء والاكاديميين المتخصصين)، كما كانت تطالب أيضا بتأجيل إجراء الانتخابات حتى يتم التوصل إلى تسوية لقضية الجنوب، وكذلك بهدف توفير وقتٍ كافيٍ للحكومة الانتقالية لتدعيم موقفها وبناء قاعدة لصعود حكومة أفضل في فترة ما بعد الإنتخابات.
أما في الجانب الآخر، فقد بدأت الأحزاب الرئيسية (والتي ما تزال قائمة وموجودة في صفوف المعارضة الحالية) في تجميع نفسها وتنظيم صفوفها، خاصة حزب الأمة والوطني الإتحادي، وأخذت تعمل على تكثيف ضغوطها على رئيس وزراء الحكومة الإنتقالية (الأكاديمي غير المتمرس سياسياً)، وبما في ذلك من تهديد حزب الأمة بدفع جماهير الأنصار في البلاد إلى داخل العاصمة وخروجهم بمظاهرات صاخبة.
كل ذلك قاد في النهاية لأن يضطر سر الختم الخليفة لتقديم إستقالته، وفتح الطريق واسعاً أمام إجراء انتخابات ونظام حكم جديدين يقومان على نفس الأسس القديمة، أو كما يعبر عنه المثل القائل: “نبيذ قديم في قناني جديدة”، ودون وضع المبادئ التي سيقوم عليها الدستور أو حل لقضية الجنوب، والذي يعني بدوره قيام انتخابات جزئية لا تشمل الجنوب بشكل رئيسي.
هكذا سرقت الأحزاب الثورة من الشعب وقيادته الممثلة في جبهة الهيئات، ولم يحدث تغيير سوى التحول من حكم العسكريين إلى حكم المدنيين وبإستمرار ذات السياسات، ومضافاً إلى ذلك اشتداد الصراعات السياسية بين الأحزاب، وذلك حتى قيام نميري بإنقلابه والعودة للحكم العسكري مرة أخرى، ولمدة 16 سنة قادمة، وكان الهشيم هو الحصاد الذي جناه أهل الثورة من الشعب وجبهة الهيئات وأصبح الأمر بالنسبة لهما (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت).
ثورة أبريل 1985، والتي تحولّت من ثورة إلى انتفاضة أيضاً بعد سرقتها، ومن ذات لص الأحزاب وبذات الطريقة، بشكلٍ عام. المعروف أن ثورة أبريل كان قد قام بها الشعب بقيادته المتمثلة في التجمع الوطني لإنقاذ البلاد (يقابله تجمع المهنيين السودانيين حالياً)، وكان الاختلاف الأساسي بين حكومتي أكتوبر وأبريل الانتقاليتين هو أن الأخيرة كان الجيش جزء منها (وهو الذي سيحدث في الفترة الإنتقالية التي ستبدأ بعد أيام معدودات أيضاً)، فقد تم تكوين مجلس عسكري انتقالي من قيادات الجيش التي إنحازت للشعب بقيادة عبد الرحمن سوار الدهب (ليس من بينهم أحد من الضباط المنحازين لنظام نميري)، وتم تكوين مجلس وزراء يرأسه الجزولي دفع الله (رئيس نقابة الأطباء وقتها)، وضم 16 وزيراً كانوا في (غالبيتهم) من (المهنيين) غير المعروفين خارج نطاق نشاطهم المهني.
كان التجمع الوطني يرغب في الاتفاق على فترة انتقالية (طويلة) نسبياً بهدف التمكُّن من إعادة تعمير ما خربه النظام السابق، والاتفاق على خطط مناسبة لتطور البلاد والاتفاق على المبادئ العامة لوضع دستور دائم للحكم.
كان المقترح أن تستمر هذه الفترة الإنتقالية 3 سنوات، لكن الأحزاب رفضت قبول الاقتراح، وذلك نتيجة (خوفها) من احتمال تمكُّن قوى التجمع من إجراء (تغييرات جوهرية) على المسرح السياسي سيما أن (الجماهير تلتف حوله)، وأن يتبنّي التجمع طريقة التمثيل الوظيفي في الإنتخابات التشريعية، وبالتالي تهديد وإضعاف النفوذ السياسي والاجتماعي للأحزاب. لذلك بدأت الأحزاب، ومنذ وقتٍ مبكر، بالضغط من أجل تخفيض الفترة الانتقالية إلى 6 شهور فقط، وفي النهاية حددها المجلس العسكري، الذي لا يجيد أعضائه مناورات ومراوغات السياسيين ونتيجة لضغوط الأحزاب كذلك، في عامٍ واحدٍ فقط تقوم خلالها الحكومة الانتقالية فقط بالتهيئة والإعداد للأسس القانونية والدستورية اللازمة لإعادة الحكم المدني أو الديمقراطي مرة أخرى (ثالثة) في البلاد. وإتضحت بذلك معالم إستراتيجية سوار الدهب وزملائه في المجلس العسكري، والتي تقوم بشكلٍ رئيسيٍّ على حقيقة وضعيتهم كسلطة انتقالية لعام واحد فقط، ورغبتهم في تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة في نهاية هذه الفترة كهدف رئيسي لهم له الأولوية المُطلقة على ما عداه، وهي الإستراتيجية التي اتضح، فيما بعد، أنها لم تكن سليمة، أي أن يتم تسليم البلاد للأحزاب قبل حل قضية الحرب أو النزاع، وقبل الاتفاق على مبادئ الدستور، وقبل وضع لبِنات بناء الدولة، وغيره من عمليات سياسية ذات صلة.
نتيجة لذلك تحوّلت مؤسسات الحكم الانتقالي إلى مؤسسات (سلبية) و(عاجزة)، لحدود كبيرة، عن مواجهة مسؤلياتها، وفي مقدمتها ترتيبات وضع دستور دائم للبلاد وإيجاد تسوية سياسية للحرب الأهلية خاصة في الجنوب، وذلك قبل الانتقال لنظام الحكم الديمقراطي، وإجراء الانتخابات اللازمة في ذلك.
في ضوء كل ذلك، أُجريت الانتخابات العامة في مارس 1986 مُعلنة عودة الحكم الديمقراطي، وعودة ممارسات الأحزاب السياسية ومناوراتها القديمة وصراعاتها إلى المسرح السياسي بشكلٍ قويٍّ وواسعٍ، وكما هو مُتوقّع.
لكن كان الأهم هو خروج التجمع الوطني لإنقاذ البلاد والشعب أسياد الثورة نفسهما وهما (خالييّ الوفاض)، وأعاد التاريخ نفسه للمرة الثانية بأن تمكّنت الأحزاب من سرقة الثورة منهما، وذلك بجانب ضياع الفرصة مرة أخرى لوضع أسس البناء الوطني للدولة السودانية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم