حرب العاصمة آخر مراحل فشل دولة ما بعد الاستقلال

 


 

 

من يُنكِر أنّ دولة ما بعد الاستقلال في السودان، خاصة في عُقودها الأربعة الأخيرة، هي واحدة من أكثر نماذج الدول الفاشلة وضوحاً يستطيع أن يُنكِر كلَّ شيء آخر. معظم السودانيين الذين ينظرون إلى الأمور بطريقة موضوعية قد فطنوا إلى هذه الحقيقة، حتى قبل أن ينتشر إصدار مؤشِّرات* وقوائم الدول الفاشلة. ومن لم يُدرك ذلك من السودانيين في حينه، هو الآن في طريقه إلى إدراكه، مع هذه الحرب الشرسة التي تدور في العاصمة للظفر بالسلطة والانفراد بها، والتي تمثل الذُروة لهذا المسلسل الكئيب.
سيظهر إلى الوجود سودان آخر ودولة أخرى بعد هذه الحرب. هذا هو الشيء الوحيد المؤكّد حدوثه. ومع ذلك سيبقى السؤال: هل ستنضمّ الدولة الجديدة إلى زُمرة الدول الفاشلة، أم سيطلّ على ديارنا فجر جديد يبدأ فيه التعافي وبناء دولة الحُرِّيّة والعدالة والسلام والازدهار التي أفنينا العمر ونحن نحلم بها. كُلّ من تابع عن كثب ثورة ديسمبر المجيدة وعرِف عزم وتضحيات الثوار وعدالة قضيتهم سيكون على الأرجح موقِناً بحتميّة انتصار شباب الثورة. ولكِن، لا أظنُّ أنّ بوسع أحد التكهُّن بما سيحدث في المدى القصير، فقد تسوء الأمور قبل أن تبدأ في التحسن.
ما يُمكِننا القيام به الآن هو النظر بعمق وتجرُّد للعوامل التي أدّت إلى هذا الفشل الذريع لدولة ما بعد الاستقلال وأخذ الدروس منها، لأنّ ذلك هو الشرط الأول اللازم لعدم تكرارها.
لقد قيل إنّ واحدة من أروع العبارات الافتتاحية في الأدب العالمي، هي استهلال تولستوي لروايته أنا كاريننا: " كلّ العائلات السعيدة تشبه بعضها البعض، ولكِن لكلِّ عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة." هل يمكن أن نستلهم روح عبارة تولستوي ونقول بتصرُّف إنّ لكلِّ دولة فاشلة ترِكتها الخاصة التي قادت إلى ذلك الفشل؟
فيما يلي، قائمه بأهمّ الأسباب والعوامل التي قادت إلى هذا الوضع، قابلة بالتّأكيد للإضافة والتنقيح والتصويب، عساها تُثير نقاشاً يسهم في إنارة الطريق للوصول إلى مستقبل أفضل للأجيال القادمة:
1-: التنوّع الإثني والثقافي الهائل في بلد ٍشاسعٍ حكمته نُخب عسكرية ومدنية لم تستوعب البتّة المُقوِمات الأساسية السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية المطلوبة لإدارة هذا التنوّع، وتحويله إلى مصدر قُوّة ونهضة، وليس مصدر عدم استقرار وانقسام وحروب.
فالثابت أنّ الاحتجاجات قد تنامت مع الوقت منذ الاستقلال في المناطق التي سُمِّيت بالمناطق المُهمَّشة والتي تختلف اثنياً وثقافياً عن أهل المركز. والجدير بالذكر في هذا السياق، أنّ البعض قد وسّع تعريف المركز ليضمّ بالإضافة إلى العاصمة مناطق الوسط والشمال، على اعتبار أنّ هذه المناطق تنتمي اثنياً وثقافياً إليه، بدلاً عن حصره في الفئات التي تملك النفوذ والثروة في العاصمة والمناطق المذكورة.
وللأسف، لم تنفذ هذه الاحتجاجات، على مشروعيتها، إلى العوامل الجوهرية القابعة في ثنايا قضايا التهميش، كالمصالح الاقتصادية الضيّقة للمجموعة الحاكمة، وغياب الديمقراطية، وضعف المُساءلة وحكم القانون. وهي العوامل التي خلقت مناخاً اقتصادياً وتجارياً شجع على ممارسات الفساد وعلى استشراء الأنشطة الطفيلية سريعة العائد على حساب المشاريع التنموية التي يتطلّب قيامها نظرة طويلة الاجل. كما أنّها قادت أيضاً إلى تراجع دور الرأسمالية الوطنية في انتاج السلع والخدمات وتوفير فرص العمل.
ولقد جنحت الاحتجاجات في الغالب الأعمّ إلى اعتبار أنّ مُعضِلة التهميش قد أنتجتها سياسات لا تخرج عن كونها محض تكريس لنظرة دونيّة من المركز، بحسبانه كتلة صمّاء، لأهل المناطق المُهمَّشة. ولم يكن من المُستغرَب أن يترتّب على هذا المنهج القاصر في فهم قضية مُعقّدة كالتهميش، تجاهل حالات الفقر المُدقِع الموجود بشكل واسع في الوسط والشمال بل وفي العاصمة نفسها، ناهيك عن تجاهل أثر الفقر المعرفي وقلة الحكمة والأنانية وتغليب المصلحة الشخصية لدى من تولوا مقاليد الأمور في سودان ما بعد الاستقلال.
ولهذا أنتج السودان ظاهرة ربما تكون فريدة في نوعها، كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين، وهي قيام العديد من حركات المقاومة المُسلّحة ضد المركز، دون أن يكون لأيّ منها رؤية ثورية مُتماسِكة لنوع ومحتوى التغيير الذي ترغب في إحداثه، رغم ضخامة التضحيات التي قدّمها أفرادها، والخسائر الفادحة البشرية والمادية التي حاقت بمناطق الصراع. وهو الشيء الذي دفع الكثيرين إلى التشكيك في نُبل دوافع هذه الحركات المُسلّحة، وإلى القول بأنّ قادتها يهدفون فقط إلى استخدامها كمطِيّة للوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، مع بقاء الأوضاع المُتأزِّمة في البلاد على حالها. وغنيٌّ عن الذكر، أنّ قادة الكثير من هذه الحركات قد انتهوا بالفعل إلى هذه النتيجة.
لا يعني ما تقدّم بالطبع، أنّه لا دور للعُنجُهيّة الثقافية وللشوفينيّة الاثنية، إن صحّت العبارة، في تأجيج الإحساس بالغُبن لدى المُكوِّنات الإثنية المختلفة في المناطق المُهمَّشة التي ترى أنّ المركز يتعالى عليها بالاستقواء بالثقافة العربية والروابط الحقيقية أو المتوهّمة التي تربطه بالمحيط العربي. فالمناهج الدراسية السودانية، تمتلئ بقصائد من الشعر العربي القديم وغيره من الكتابات التي ينضح بعضها باحتقار السُود واللون الأسود بشكل عامّ، رغم أنّ البلد اسمه السودان وليس سوريا أو لبنان. واللغة الشعبية السودانية حافلة بالعبارات التي تسير في نفس الاتجاه، بل إنّ عدداً من الكوميديين السودانيين أقام شهرته على النكات المبنية على السخرية الإثنية. ويمثل هذا على أقلِّ تقدير غياباً مُحزناً للحساسية، وجهلاً بالشروط المطلوبة لتحقيق السلام الاجتماعي وبقيم المواطنة المشتركة.
ومع ذلك، فإنّ اختزال قضية الفشل في إدارة التنوّع في الاستعلاء الإثني والثقافي لأهل المركز، أيّاً كان تعريفه، يمثل في اعتقادي ابتذالاً كبيراً لهذه القضية الشائكة. كما أنّه لا يوفِّر تفسيراً للاستقطاب الإثني الحادّ بين "العرب والزُرقة"- يا له من تعبيرٍ بائس- الذي أحدث جراحاً غائرة في الجسد الدار فوري، علماً بأنّ دارفور هي أكبر المناطق المُعتبرة مُهمّشة وزناً. ولا يوفِّر في المقابل، تفسيراً للإحساس الشديد بالغبن لدى القبائل العربية في دارفور من الاستعلاء الثقافي والإثني لأهل المركز إذا كان مصدر هذا الاستعلاء هو الاستقواء بالثقافة والروابط العربية التي تمتلكها هذه القبائل أيضاً.
2-: خضوع السودان للحكم العسكري معظم سنوات ما بعد الاستقلال، بحيث كاد يصبح تولّي العسكر للسلطة هو المُهِمّة الأساسية للجيش، وبحيث تعدّدت محاولات الانقلابات العسكرية في البلاد، ليس فقط لأنّها أقصر الطرق للقفز إلى مقاعد الحكم، بل لأنّ البعض في "المركز" قد أيقن أنّه لا طريق إلى ذلك غيرها. ولم يعُد من المُستغرَب في وضعٍ بهذه الأولويّات، أن يحدث تفريط في سلامة الأراضي في المناطق الحدودية البعيدة عن المركز، وأن يقوم قادة الجيش في لهاثهم نحو مقاعد السلطة وامتيازاتها، بخصخصة بعض مهامه الأساسية وإحالتها إلى مجموعات قبلية مُسلّحة يصعُب، لطبيعة تكوينها، ضبط مُمارساتها، كالجنجويد، ولاحقاً الدعم السريع رغم محاولات تقنينه.
وبكلِّ ذلك، سُدَّ الطريق أمام التبادل السلمي للسلطة، الذي لا شيء غيره يمنح الناس الفرصة للتقييم الموضوعي لأداء الحُكام، ومنحهم التفويض للاستمرار في الحكم، أو الإتيان بغيرهم في حالة إخفاقهم البيِّن في تنفيذ مهام الحُكم.
3-: التوظيف المُكثّف للدين واستغلال العاطفة الدينية القويّة لدى الشعوب السودانية، بهدف أساسي واحد هو الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها. وتعود جذور هذا التوظيف إلى الثورة المهدية، رغم طابع التحرُّر الوطني الذي ميّزها. واستمرّ ببروز طائفتي الأنصار والختميّة في تنافسهما لحكم البلاد، ثم بإعلان الجنرال جعفر نميري، في سنوات حكمه الأخيرة عندما حاصرته الاحتجاجات المعيشية، نفسه إماماً للمسلمين لا يتورّع عن تطبيق الحدود في صغار اللصوص في عام المجاعة والمسغبة. وتحوّل الدين بذلك إلى سلاحٍ ماضٍ شديد الفاعلية في التنازع السياسي المحض، على حساب قيمه الروحية والإنسانية وخصوصية العلاقة فيه بين المرء وربه.
ولكِنّ التجلِّي الأكبر لاستخدام الدين مطيّة للانفراد بالسلطة قد تبدّى، كما هو معلوم، خلال فترة حكم الإنقاذ الطويلة التي بدأت بانقلاب يونيو 1989، حيث تحوّلت مُنازلة الدولة الرسمية للجماعات المُتمرِّدة ضدها إلى حربٍ جهادية بطقوسها الكاملة المُستعارة من تاريخ الحروب الدينية القديم أو المنسوجة على منواله. كما أصبح من المألوف في ذلك العهد إيجاد المُبرِّرات المريحة لإخفاقات الحكام من خلال اعتبارها محض ابتلاءات.
وقد تكون أخطر النتائج الجانبية التي تترتّب على نموذج الدولة الدينية، الذي يُعطي الأولوية للتضامن مع أهل العقيدة أينما وجدوا، هي إضعاف الإحساس بروابط المواطنة المشتركة وقيمها الضرورية للسلام الاجتماعي في بلد بتنوّع السودان الثقافي والإثني الهائل واتِّساع مساحته وجواره لعدد كبير من الدول. وهذا الإحساس بروابط المواطنة المشتركة وقيمها المطلوبة، لا ينشأ من تلقاء ذاته بالطبع، فلابُدَّ من أن ترعاه وتتعهّده الدولة ومن أن يُعَّبر عن أهمِّيّتِه في المناهج الدراسية والبرامج الثقافية.
4-: الوفرة في الموارد الطبيعية في بلد هشّ، بسبب ما به من شقوق اثنية وثقافية واسعة تسمح للطامعين الأجانب من دول أو شركات خاصة، وما أكثرهم، بالتسلّل من خلالها، وإقامة تحالفات انتهازية تتيح لهم وضع أيديهم على هذه الموارد واستغلالها، بالدرجة الأولى، لمصلحتهم بموافقة وحماية شركائهم المحليين. وهو الوضع الذي يصفه البعض ب "لعنة الموارد" في البلاد التي تغيب فيها الرؤية القومية التي تعظِّم وتحمي المصلحة الوطنية لعموم أهل البلد.
السودان ليس نسيج وحده في هذا المجال في القارة الإفريقية المنكوبة، فهناك على سبيل المثال الكونغو وليبيريا وسيراليون، وهي دول غنية بالمعادن، وشهدت كلّها معارك أهلية طاحنة وتدخُّلات أجنبية كثيفة وفجّة في شؤونها الداخلية بصورة تكاد تُماثِل ما حدث أزمنة التكالب الأوروبي على إفريقيا في القرن التاسع عشر، ممّا جعل منها في بعض الأوقات دولاً مُستقِلّة بالاسم فقط.
الشيء المُحزِن الذي يميّز السودان في هذا المجال، هو النزعة التي تكاد تكون صبيانية الشائعة لدينا للتفاخر بمخزون بلادنا من الموارد الطبيعية، ودعوة الأجانب من كلِّ حدبٍ وصوب للاستثمار فيها بدون وجود خطة قومية للاستثمار مُتبصِّرة ومُتَّفق عليها. ولقد نُشِر، ولم يتمّ نفيه، أنّ عدداً من الجهات المُستثمرة الخارجية تمكّنت في السنوات السابقة، وبشروط هزيلة، من إبرام عقود استثمار تصِل آجالها في حالة الأراضي الزراعية لما يُناهز المائة من الأعوام، وهو ما يجعلها من الناحية العملية بمثابة عقود تمليك لا فائدة تذكر لها للمواطن السوداني.
وما هو أدهى وأمرّ من كلِّ ذلك، التجاهل المُتعمّد أو غير المُتعمّد- لا فرق- لتنمية وتطوير المورد البشري، الذي هو قطب الرحى المُقدَّم على غيره من الموارد، ليس من الناحية النظرية البحتة فحسب، وإنّما بالقراءة المُتأنِّية لتجارب كلّ الدول التي حقّقت تغييراً جوهرياً ونهضة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.
5-: بجانب التدخُّلات الخارجية المُتعدِّدة المصادر في الشؤون السودانية، فإنّ واحداً من أخطر القرارات في تاريخ الدولة السودانية الحديث، والذي مهّد بشكلٍ كبيرٍ الطريق للانفجار الحالي للأوضاع في البلاد، هو قرار الحكومة السابقة غير الأخلاقي بالزجِّ بالجنود السودانيين، وجُلّهم من منسوبيّ الدعم السريع في الحرب الأهلية في اليمن. وهو، أي اليمن، مع عميق الأسف، بلد ربطته على الدوام أفضل الصلات الشعبية والرسمية بالسودانيين. لقد رفض البرلمان الباكستاني المُشاركة في حرب اليمن، رغم الدعم الهائل الذي ظلّت باكستان تتلقّاه من السعودية ودول الخليج والذي مكّنها، كما يُشاع، من تطوير سلاحها النووي. وامتنعت مصر عن إرسال جنودها للمشاركة في هذه الحرب الاهلية، رغم أنّ ما تلقّته مصر من معونات من الدول الخليجية في عام واحد قد يفوق كلّ ما تلقّته الدولة السودانية في تاريخها من هذه البلدان.
ولكِن، وكما قال الشاعر:
لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
فقد اكتشفت الدول التي عندها الخَيْل والدراهم، في واحدة من حالات سخريّة القدر العجيبة، فائدة مجموعة الدعم السريع وقُوّة شكيمة مقاتليهم وإمكانية إقامة روابط معهم تتجاوز أجهزة الدولة التقليدية التي أرسلتهم إلى اليمن في المكان الأوّل. وما حدث بعد الحصول على هذا الصيد الثمين معروف، والباقي تاريخ كما تقول العبارة الإنجليزية الشهيرة.
6-: رغم مظاهر التحديث التي قد تبدو في السودان، من توسُّع نسبي في التعليم الأكاديمي، واستخدام لمنتجات ومعدّات الحضارة الحديثة، إلا أنّه، إذا توخّينا الدِقّة في استخدام المُصطلحات، تحديث لم يتجاوز القشرة الخارجية. فنهج التعليم الذي اتُبِع هو في جوهره نهج تلقيني يقوم على اجترار المعارف السائدة، لا حافز فيه لتجاوزها أو إنتاج معارف جديدة، إن لم نقُل إنّه بطبيعته يقود إلى ما هو عكس ذلك تماماً. كما أنّه، على علاته، قد شهد في العقود الأخيرة زيادة كبيرة في الكمّ قابلها حدوث تدنٍ مقلِق في المستويات كما أشار إليه عدد من المُختصّين.
لذلك فإن الشروط المطلوبة للانعتاق من ذهنيّة القرون الوسطى، وأعني بالتحديد في هذا السياق، شروط الاحتكام إلى العقلانية وانتهاج التفكير النقدي، وبمعنى آخر، التعامل مع القضايا المطروحة كما هي عليه في حقيقتها وليس كما تصوِّرها رغباتنا وتمليها علينا ولاءاتنا وقناعاتنا المسبقة، لم تتحقّق بصورة ذات معنى على المستويين الرسمي والأهلي. وجعل ذلك من تحديثنا ما يُشبِه مدّ الايدي في محاولة للإمساك بمنجزات القرن الحادي والعشرين وقوفاً على أرجل غائرة في وحل القرون الوسطى.
كنت قد سعيت إلى التنبيه في مقال سابق إلى التسابق في التباهي بخاصيّة "الرجالة" بين الفصيلين المُتقاتلين على السلطة في الحرب الدائرة الآن في العاصمة، والذي هو في الواقع امتداد لنمط من السلوك والثقافة مُتجذِّر في المجتمع. وأشرت إلى أنّه على الرغم من أنّه يبدو كمسعى لاجترار مفهوم الفروسيّة الذي عُرِف عند العرب القدماء ووجد رواجاً في أوروبا خلال القرون الوسطى، لكِنّه في الحقيقة اجترار يشوِّه بعض قِيم القرون الوسطى نفسها لأنّه اختزل منظومة الفروسيّة في مُمارسات العُنف والغلبة. وخلق ذلك مناخاً مؤاتياً، ليس فقط لأعمال العنف الجسدي المُباشر، وإنّما أيضاً لاستشراء العنف اللفظي والإرهاب الفكري للمخالفين في الرأي والتوجّهات السياسية وغيرها.
إنّ علامات فشلنا في السودان لا تقتصر بطبيعة الحال على الدولة كجهاز للحكم، بل تتعدّاها إلى المجتمع الذي أنتجها أو على الأقلّ سمح لها باختطافه والتقرير في شؤونه، وفي طليعة هذا المجتمع مُتعلميه الذين يجب أن يوجّه لهم القدر الأكبر من النقد. فعلى المستوى الاجتماعي، ألا يحدث عندنا كثيراً أن يرى الشخص الخطأ ماثلاً بين أهله ومعارفه ويكتفي بالصمت، أو بإصدار إشارات مُبهمة حوله لا تُفصح عن موقف ولا تُغيّر شيئا؟ والذي هو أسوأ من ذلك، أن يقوم الشخص بمسايرة ما يجري حوله من ممارسات هو مقتنع بعدم سلامتها مخافة التعرّض لحملات هجوم غير عقلانية على ملاحظاته وآرائه الحقيقية حولها إذا ما أبداها.
لذلك، لم يكُن غريباً ذلك الشحّ المؤسف في الانتقادات التي وجِّهت إلى تجاوزات الجيش في حروبه في الجنوب وجبال النوبة ودارفور. وبنفس الدرجة غياب الانتقادات، من مُثقفي دارفور المُنتمين إلى القبائل المعروفة بالعربية لتجاوزات الجنجويد، ومن مثقفي القبائل المعروفة فيها بالإفريقية لتجاوزات الحركات المُسلّحة المنتمية اليها. وجُلُّ هؤلاء الناس لا يضيعون فرصة لإظهار مساندتهم (المشروعة بالطبع) لشعوب العالم الأخرى المستضعفة.
وإن كان هناك استثناء فيما يخص صنوف هذا الصمت المعيب، فهو ما حدث لحظة السُّموّ الثوري عندما صدح شباب وشابات ثورة ديسمبر المجيدة بهتافهم الشهير: يا عنصري ومغرور، كلّ البلد دارفور.
7-: القبول غير المُتبصِّر للعبارة التلفيقية الزائفة بأنّ السودان يمثل جسراً بين العرب والأفارقة. فهذه العبارة فوق أنّها تُلغي خصوصية السودانيين وتتجاهل تاريخ بلادهم القديم، فإنّها قد أسهمت في اعتقادي في خلق تلك الصورة غير الواقعية لأهل السودان التي تزعم بأنّهم يمثلون أفضل ما في العرب وأفضل ما في الأفارقة. ولقد راجت في السنوات الأخيرة، الروايات الصادرة عن أهل الخليج والجزيرة العربية بشكل خاصّ أو المنسوبة إليهم، التي تشير إلى أنّه ليس كمثل السودانيين أحد في أمانتهم ووفائهم ونُبل طباعهم وعلمهم. بالطبع يوجد الكثير من السودانيين الذين يتحلّون بهذه الصفات الطيِّبة، كما يوجد عندنا أيضاً المجرمون و"الربّاطة" والمرتشون والحمقى والأدعياء، وإلا لما تركت بلادنا وهاجرت منها هذه الأعداد الهائلة إلى دول الخليج هذه نفسها وإلى بقاع العالم المختلفة التي قبلت بقدومنا إليها.
إنّ محاولة إضفاء صفات فوق بشرية على أفراد أي مجتمع هو أمر لا جدوى منه، وعلى الأرجح ستنتج عنه أضرار جانبية مثل خلق مناخ عامّ في ذلك المجتمع تزداد فيه ممارسات النفاق وبُعد الشُّقة بين القول والآراء المُعلن عنها، وبين المواقف والأفعال الحقيقية.
ما حدث من أعمال عنف وسرقة وتدمير من قبل مجموعات من المدنيين بعد اندلاع الحرب، لم يكُن إعراباً مُباغتاً عن طباع طارئة هبطت علينا من سماء التقاتُل، وإنّما هي بالأحرى تعبير عن استعداد كامن في بعض النفوس للقيام بالممارسات الهمجية والوضيعة عندما تنتفي الخشية من إمكانية المُحاسبة عليها. وهو ليس بالأمر الجديد، لأنّه ظلّ يحدث في هذا البلد منذ الاستقلال، أولاً في الجنوب، ومن بعد في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وقبل اندلاع هذه الحرب في مدن العاصمة الثلاث، من سينسى أنّ الخرطوم نفسها شهدت واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في مجزرة الثالث من يونيو الشنيعة ضد المدنيين العُزّل الذين مارسوا حقهم المشروع في الاعتصام والمطالبة بالتغيير السلمي.
ولا يوجد دليل أوضح من ذلك، على أنّه في نهاية المطاف إمّا أن تكون هناك دولة قانون وحكم رشيد أو لا تكون هناك دولة، بغضِّ النظر عن حجم الجيوش الموجودة وعتادها.

محمد حامد الحاج
يونيو 2023

* تشمل مؤشِّرات فشل الدولة من الجانب السياسي، الاقتتال الداخلي وفقدان الدولة السيطرة على كامل أراضيها وانتهاكات حقوق الإنسان واضطرار المدنيين المتأثّرين للنزوح الداخلي أو اللجوء إلى الخارج وزيادة تدخلات الدول الخارجية في شؤونها. كما تشمل من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، ضعف التنمية وانتشار الفساد خاصة لدى النخب الحاكمة وغياب المساءلة وقصور وتردي الخدمات العامة وهجرة العقول والكفاءات.

melhaj@gmail.com

 

آراء