حرب الفجار النتنة

 


 

 

عناصر عديدة -ليس بينها الحكمة- تدفع أطراف حرب الفجار القذرة لجهة قاعات التفاوض. بين تلك العناصر نزول القتلة السفاحين من ربوة وهم الانتصار الحاسم العاجل إلى سفح الشعور بالقلق من الانكسار الحتمي الخاسر. منطق سيرة الاقتتال لدى هذه الهاوية يفضح مدى تمكن الإنهاك من المتقاتلين . لا أحد منهم يتحدث البتة عن عدد القتلى من الجنود في صفوف الجيش أو وسط أفراد (الدعم السريع ). لا أحد كذلك يذكر عدد الفارين من لهيب الحرب القذرة من طرفي الحرب لأسباب متباينة. كما يعري منطق الحرب لدى المنحنى الراهن الشح في مخزون الذخائر والعتاد أو ما أصاب شبكات الاتصال من التقطيع وكذلك الوهن والإعياء في خطوط الامداد .عند سفح الإحباط الحالي حيث تدحرج الطرفان باتا أقرب إلى محاولة الجلوس إضطرارا إلى طاولة التفاوض وتحت إبط كل منهما ما يشعره بالقدرة على المساومة قبل معاقرة الخسران المهين .
******

منطق حرب الفجار الحمقاء هذه يوكد تعالي موجات الرأي العام الصاعدة من تحت الانقاض ،المصاحب بعويل النساء وصراخ الأطفال الرافضة ليس لعمليات التدمير والتكسير البلهاء فقط بل استنكار عودة كل مثيري هذه الحرب القذرة إلى دائرة اَي من أشكال العمل العام. ذلك يعني بالفعل تهشيم قواعد القبول الشعبي لزعامات الحرب ، الرابح فلعل ولوج قاعات التفاوض يخرجهم من هذه النهاية المأساوية .طوال ستة عشر عاماً قطّعت حرب طائفية دامية جسد المجتمع اللبناني ظل مطار بيروت صامدا لم يمسسه سوءٌ يذكر من لهب حارق أو صاروخ مدمر .الحرب اللبنانية كانت غارقة في التوحش لكن مقاتليها المتمترسين في خنادق هوياتهم الطائفية الضيقة لم يهبطوا إلى درك هؤلاء الهمج الغوغاء فاقدي الشعور بالانتماء الوطني
******

أطراف الحرب جميعا من معسكر واحد ، الإسلاميين ،لا أحد منهم يجرؤ على الاعتراف دع عنك التجمل بفضيلة الاعتذار . هم من أهمل عمدا بناء وتطوير الجيش الوطني من الرجال والعتاد . هم من صنع بأيديهم وبأموال الشعب من الجنحويد جيشا، رديفًا حتى غدا حميدتي صنمًا يتبتل إليه رأس الدولة استجداء لتأمين بقائه في السلطة . تحت بصر ورعاية رئيس رأس الدولة اتسعت قوة ونفوذ ذلك الصنم صنيعة أيديهم حتى لم يعد في وسعهم إبقاءه في محبسه حيث توهموا. الآن فقط يخرج علينا شركاء الفعلة الذنيمة ليحدثونا عن اعوجاج داخل المؤسسة العسكرية يطالبون بالصبر حتى تضع حربهم أثقالها بينما يطلقون زخات من الالتهامات بالعصيان والتمرد على صنمهم المحبوب.
*****

بحنكة المقاتلين الأشاوس وجرأة المغامرين المتهورين هز الرجل الصاعد من بين كسبان الصحراء والسهول إلى قمة هرم السلطة والثروة من هز شجرة الشعب بأسره ،كأنه احد ابطال روايات الواقعية السحرية وحكايات ما قبل النوم .ذلك الصعود الخرافي لم يكن ليتأتى لولا شبق اكتناز المال العام واستباحة الدولة واحتقار الرأي العام من قبل حفنة دجالين فقراء إلى الحد الأدنى من قيم الشعب ومُثل الدين وحقوق الوطن.هذا المقاتل لم يجرح فقط كبرياء الجيش الوطني بل أهان اساتذة الاستراتيجية العسكرية وخريجي أكاديمية الأركان المرفعين بلا جدارة
******

كلهم تآمروا على الخرطوم .الساسة الأفاكون ادخلوها في جب الاظلام فاعتموا قاعات الثقافة وأندية الترويح و صالات السينما والمراقص، أطفاوا قناديل ليالي الخرطوم الملونة بمباهج الفرح ، الغناء والمرح . ضيقوا على فتياتها مساحات الشعور بالاعتداد بالثقة والخير والجمال عندما نصبوا على أجسادهن (شادو رات )الحزن والسواد .حشروا صباياها وصبيانها التلاميذ في أزياء الميليشيات فجردوهم من ابسط مظاهر البساطة والبراءة. ثم جاءالهمج الرعاء المشحونون بكل توترات الصراع الطبقي فأستباحوا عمرانها وعمارها. المدينة سقطت على نحو مباغت فريسة للظلام والظمأ ، للطوى والمرض . يا للفاجعة لم تعد تشكو العاصمة المهملة على أيامهم أكوام النفايات المكدسة في الطرقات بل باتت تكابد مشهد وروائح الجثث الممبثوثة في العراء .إنها حرب الفجار النتنة.
******

هم تخنقهم رياح الحرية وأنفاس الديمقراطية لذلك يتآمرون كلهم بغية قمع توق الخرطوم إلى ممارسة الحياة كما تود الأنفس الذكية المشبعة بالانتماء إلى التراب بتقاليد الشعب السمحاء المشرئبة إلى آفاق الغد الوارف بالعدل والرفاهية والطمأنينة والسلام.اسكات البنادق مطلب وطني ملحٌّ . على اتجاهٍ مواز ٍ مضاد فإن مغادرة مثيري هذه الحرب النتنة المشهد الوطني قضية ليست عرضة للتفاوض أو قابلة للتفاوض . من بين ركام الحرب تنبثق حتما روحا سودانية بارادة مغايرة .

aloomar@gmail.com

 

آراء