محمد صالح محمد
تتعدد القصص في هذا العالم منها ما يُكتب بماء الذهب ليُخلد كأساطير ومنها ما يُكتب بدموع العجز على أوراق الخريف الذابلة. وحكايتي مع “حبيبتي” تنتمي للنوع الثاني؛ حكاية لم تبدأ لتنتهي بل بدأت لتبقى جرحاً مفتوحاً على غيابٍ لا يرحم.
حين أزهر الوقت …
لم تكن حبيبتي مجرد امرأة عابرة في زحام الحياة ، كانت هي “الحياة” في أبهى تجلياتها و أذكر أول لقاء بيننا؛ كان الجو مشبعاً برائحة المطر وكانت هي تقف هناك كأنها قطعة من ضوء سقطت في ليلٍ دامس لم تكن عيناها مجرد لون بل كانتا وطناً أضعت فيه جواز سفري وقررت الاستيطان للأبد.
كنا نقتسم رغيف الوقت بحب نسرق من الأيام لحظاتنا المسروقة أصلاً من قدرٍ يتربص بنا. كانت تهمس لي دائماً “لا تترك يدي فالطريق موحش “. وكنت أشد على يدها واثقاً كأحمق أن الحب وحده يكفي لهزيمة الموت والغياب.
الذبول المفاجئ …
الحزن في قصص الحب لا يأتي طارقاً الباب بل يتسلل كاللصوص في عتمة السكون. بدأت نبرة صوتها تتغير أصبح ضحكها الذي كان يشبه عزف الكمان يميل إلى الشجن. كانت تنظر إليّ بنظرة طويلة كأنها تحاول حفظ ملامحي لرحلة طويلة لا عودة منها.
قالت لي ذات مساء والنار تخبو في الموقد:
“يا حبيبي إذا ما اختفيت يوماً لا تبحث عني في الطرقات بل ابحث عني في الأغاني التي أحببناها وفي رائحة الياسمين”
لم أفهم حينها أن تلك كانت وصيتها الأخيرة وأن القدر كان قد بدأ ينسج كفناً لحلمنا الجميل.
الفراق: الوجع الصامت
رحلت حبيبتي و لم يرحل جسدها فقط بل رحلت معها ألوان الكون. أصبح الصباح باهتاً والقهوة مرة والقصائد التي كنت أكتبها لها غدت مجرد حبرٍ يلطخ وجه الورق.
أقسى ما في رحيلها ليس الغياب بحد ذاته بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تركتها خلفها. عطرها الذي لا يزال يسكن ثيابي و كتابها المفتوح على صفحة “الوداع” وصوتها الذي يتردد في زوايا الغرفة كلما حلّ الصمت. أحياناً أضبط نفسي وأنا أتحدث مع مقعدها الفارغ أنتظر منها تعليقاً ساخراً أو ابتسامة حانية لكن الصدى هو ردي الوحيد.
حبٌ على قيد الذاكرة …
الحب في غياب المحبوب يتحول إلى صلاة صامتة و إلى انتظارٍ لا يرجو وصولاً. حبيبتي اليوم ليست سوى طيف يزورني في أحلامي يمسح على قلبي المكلوم ثم يختفي مع خيوط الفجر الأولى.
لقد تعلمت أن الحب الحقيقي ليس هو الذي ينتهي بالزواج والبيت والأطفال فقط بل هو ذلك الذي يجعلك تحب شخصاً غائباً أكثر مما أحببته وهو حاضر.
سأظل أكتب عنها ليس لأنني أريد تخليد ذكراها فهي خالدة في قلبي بل لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي ألمس بها طيفها دون أن يتلاشى.
حنينٌ لا يغيب وغيابٌ لا ينتهي …
وفي ختام هذه الحكاية أجدني لا أكتب كلماتٍ على ورق بل أنزفُ قطعاً من روحي التي ترفض التصديق. لقد رحلتِ أنتِ وبقيتُ أنا هنا عالقاً في “المنتصف”؛ لا أنا قادرٌ على استعادتكِ ولا أنا قادرٌ على نسيانكِ.
أفتقدكِ افتقاد الأرض للمطر في جدبها، وافتقاد الغريب لوطنٍ سُبت منه هويته كل ليلة حين يطبق الصمت على أرجاء المكان أفتح صندوق الذكريات المتهالك وأتحسس تفاصيلنا الصغيرة التي أصبحت اليوم هي جحيمي ونعيمي في آنٍ واحد.
أفتقد ضحكتكِ التي كانت تملأ ثقوب قلبي وأفتقد نبرة صوتكِ حين كانت تنطق اسمي وكأنه أغنية مقدسة.
“يقولون إن الوقت يداوي الجراح لكنهم لم يخبروني ماذا يفعل المرء حين يكون الجرح هو الشيء الوحيد المتبقي له من حبيبه؟”
عزائي الوحيد يا حبيبتي أنني أحببتكِ بصدقٍ يفوق احتمال البشر، وأن ذكراكِ ستظل تنبض في عروقي كوشمٍ لا يمحوه الزمن و سأظل أفتقد حكايتنا
وسأنتظر على أرصفة الأمل المستحيل لعلَّ الأقدار التي فرقتنا في الدنيا تجمعنا في عالمٍ لا يعرف الفراق ولا يذوق طعم الحزن.
binsalihandpartners@gmail.com
