حكم البروجنسيا .. بقلم: د.أمل الكردفاني
13 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
51 زيارة
باعلان الاستقلال كان الشعب السوداني داخلا تحت احد ثلاثة اصناف .. اما تحت لواء الختمية وهذا صنف ، او لواء الانصار وهذا صنف ثاني ، واما الصنف الثالث فهو كل من خرج من التصنيفين السابقين ، ونتيجة لفرصة التعليم التي وفرها الاستعمار الانجليزي فقد قفز البعض من البروليتاريا الى انتلجنسيا البروليتاريا ، او البروجينسيا ، طبقة من المتعلمين الذين يعتزون ويفخرون بتعليمهم وثقافتهم في ظل اسر فقيرة جاهلة ، وهؤلاء من شكلوا وكانوا مؤثرين على الصنف الثالث ، هذه البروجينسيا كانت ترفض تماما ان تسحق هويتها وكبرياءها بالخضوع للبيتين وكانت تبحث عن هويات جديدة تستطيع ان تنافس غلبة آلة البيتين على السياسية ، ولذلك لجأت هذه البروجينسيا الى افكار خارجة عن السياق العام للمجتمع الذي كان يميل الى التصوف وتقديس الشيوخ ، فخرج تياران كبيران وهما التيار الشيوعي والاسلام السياسي ، وكان ذلك المخرج مهما جدا ومتنفسا كبيرا للبروجينسيا ليعبروا عن رفضهم للاحتكار الطائفي للسلطة والثروة … وعندما اطلق على هذه الطبقة الجديدة طبقة البروجينسيا فذلك لأن هذه الطبقة ارتفعت ثقافيا لكنها لم تستطع ان تتجاهل ثقافتها التي نشأت فيها وهي ثقافة الفقر … لقد كان ماو تسي تونغ ابن الطبقة الكادحة ، ورغم انه ونتيجة توفر فرصة التعليم العالي له الا انه لم يستطع ان يتخلص من ثقافة البروليتاريا ، وكانت الثورة الثقافية التي اعلنها وبالا على الطبقة الوسطى الراسخة، فقد كان يلقي بالمهندسين والاطباء والمحامين في اعمال الفلاحة والمناجم معتقدا انه بذلك يخلق مساواة بين الطبقات ، ولولا الاصلاحات اللاحقة لحقبته لانهارت الصين تماما ، فالبروجنسيا طبقة تحمل ثقافة البروليتاريا وحظا من علم البرجوازية ، وهي طبقة تتعصب للايدولوجية التي تتبناها لأنها تعتبرها هويتها وسلاحها في مواجهة البرجوازية الراسخة الكلاسيكية ، فلنلاحظ ان الاسلاميين ما ان جاءوا للسلطة حتى اتخذوا قرارات خطيرة جدا وكارثية مستقاة من ثقافة البروليتاريا ، كرفع شعار امريكا روسيا قد دنا عذابها ، وكمعاداة دول الخليج وكاستقطاب المجموعات والتنظيمات المتطرفة ، ناهيك عن عمليات التعذيب والقتل بدم بارد للمعارضين ، رغم ان اغلب كبار الاسلاميين كانوا من المتعلمين والمثقفين لكنهم في الواقع كانوا من البروجينسيا ، انتقلوا من قاع المجتمع الى السلطة ، وكان هذا الانتقال صدمة كبيرة اكبر من سقف وعيهم ، فالادارة الرشيدة للدولة تحتاج للطبقة البرجوازية الراسخة بدون ادنى شك لتتجاوز رواسب البروليتاريا و سذاجتها ونرجسية البرجوازية العليا وخفتها … ولذلك فسنجد ان وصول البروجينسيا الى السلطة دمر خط السير التقدمي الذي بدأه الاستعمار البريطاني ثم هجمت البروجنسيا على الخزينة العامة فنهبتها ولم تبق منها شيئا … في الواقع ان البروجنسيا اقل من ان تكون فئة مفكرة ، ففي الاتجاهين النقيضين اليميني واليساري لم تتمكن هذه الفئة من تطوير ايدولجيتها ، بحيث تتجانس مع خصائص الدولة والمجتمع والثقافة العامة والامكانيات الاقتصادية للدولة ، عندما وصل الشيوعيون الى السلطة في عهد نميري عاثوا في الدولة افسادا دون فهم واع للفكر الشيوعي ولما انقلب عليهم نميري حاولوا الانقلاب عليه وحدث ما حدث من مجازر ، وذات الامر حدث من الاسلاميين الذين تفسخوا بعد صدامهم مع البشير ، وهاهم اليوم منقسمين الى اجزاء فاقدة لأي محتوى فكري يمنحها القدرة على الاستقطاب الجماهيري بعد فشل تجربتهم… انتهت شعارات البروجينسيا الاسلامية والتي عبرت عن امكانيات ضعيفة وعقليات فقيرة فكريا ، وهاهو البشير اليوم يحاول اصلاح ما افسدته البروجنسيا الاسلامية . ما فعلته فئة البروجنسيا هي انها فرغت الدولة من الطبقة الوسطى الكلاسيكية التي تحمل لواء الاستنارة ، والتي بامكانها وحدها مقاومة الانهيار ، وايقاف كرة الثلج … والطبقة الوسطى هي وحدها التي كان بامكانها ان تشكل ضمان حقيقي للتحول السياسي الآمن ، بما لها من خبرات طويلة في ضمان اضطراد وانتظام حركة مؤسسية الدولة ، ولنلاحظ ان البدائل المطروحة على الساحة هي ايضا من البروجنسيا كقيادات الحركات المسلحة ، او قيادات أشباه الاحزاب الكثيرة الموجودة ، وخرجت الارستقراطية الطائفية من اللعبة تماما بعد قرارات غير مدروسة حاولت فيها الحفاظ على مصالحها ومستواها الاقتصادي على حساب مستواها السياسي… ان المطروح على الساحة كبديل هم ايضا بروجنسيا ، وهذا يعني ان التاريخ سيعيد نفسه اذا سقط هذا النظام … قد تختلف مقاسات الأحذية لكنها ستبقى في النهاية أحذية…=
amallaw@hotmail.com