بقلم: د. أسامة محي الدين خليل
في زمن تشتد فيه وطأة الحياة على المواطن السوداني، يصبح أي قرار يخفف عنه عبئًا إضافيًا أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنه رسالة تقول إن الدولة ما زالت ترى الإنسان، وتدرك حجم ما يتحمله.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار حكومة الأمل بإلغاء جميع الرسوم الحكومية المفروضة على منظومات الطاقة الشمسية للاستخدام المنزلي، وإعفاء المواطنين من رسوم المياه حتى نهاية العام الحالي، إلى جانب تخفيض سعر غاز الطهي، يمثل خطوات تستحق التقدير، لأنها تلامس احتياجات أساسية في حياة المواطن اليومية.
قد تبدو هذه الإجراءات بسيطة في ظاهرها، لكنها في واقع المواطن السوداني ليست كذلك. ففاتورة الكهرباء والمياه والغاز والطاقة أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة الأسرة اليومية من أجل الاستمرار. وكل تخفيض في تكلفة هذه الخدمات يعني مساحة إضافية للأسرة لتوفير الغذاء أو الدواء أو التعليم.
والأهم من القرار ذاته هو الاتجاه الذي يعكسه: أن تنظر الحكومة إلى المواطن باعتباره إنسانًا يحتاج إلى الحماية، وليس مصدرًا دائمًا للإيرادات.
لقد عانى المواطن السوداني لسنوات طويلة من تراكم الأعباء والرسوم والجبايات، حتى أصبحت بعض الضروريات أكثر كلفة مما يحتمل دخله. ولذلك فإن المرحلة الحالية لا تتطلب من الدولة أن توفر للمواطن كل شيء؛ فهذا مطلب قد يكون صعبًا في ظل الظروف الراهنة، وإنما المطلوب أولًا أن تضمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة: طعامًا وشرابًا وصحة وتعليمًا وطاقة وخدمات أساسية، بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا، فإننا نتطلع إلى أن تمتد هذه الروح إلى بقية السياسات الحكومية، بحيث تصبح السلع والخدمات الأساسية خارج دائرة الرسوم والجبايات قدر الإمكان، سواء كانت الرسوم اتحادية أو ولائية أو محلية.
بل إن الأمر ينبغي أن يشمل السلع الغذائية والأدوية التي تضطر البلاد إلى استيرادها لعدم توفرها محليًا. فمن غير المنطقي أن يجد المواطن نفسه في مواجهة ارتفاع أسعار هذه الضروريات، ثم يجد الدولة تضيف إلى كلفتها رسومًا وضرائب وجبايات أخرى، مهما كانت المبررات المالية.
الدولة في الظروف الاستثنائية ينبغي أن تكون سندًا للمواطن لا خصمًا منه.
وقد يقول البعض إن الدولة تحتاج إلى الإيرادات لتمويل خدماتها ومؤسساتها، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن السياسة المالية الرشيدة لا تقاس فقط بحجم ما تجمعه الخزينة، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة وقدرة المواطن على تحمل الأعباء.
فحين تُرهق الضرائب والرسوم المواطن والتاجر والمنتج، ترتفع الأسعار، ويتراجع الاستهلاك، وينكمش الإنتاج، ويضعف النشاط الاقتصادي، وفي النهاية قد تخسر الدولة من اتساع الوعاء الاقتصادي أكثر مما تكسبه من الجباية المباشرة.
أما حين تخفف الدولة الأعباء عن الناس، وتشجع الإنتاج والاستثمار والطاقة البديلة، وتخفض تكلفة السلع والخدمات الأساسية، فإنها لا تقدم دعمًا مؤقتًا للمواطن فحسب، بل تهيئ البيئة اللازمة لتعافي الاقتصاد نفسه.
ولعل إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم يحمل دلالة خاصة؛ فالسودان بلد يتمتع بموارد شمسية هائلة، والطاقة الشمسية يمكن أن تصبح جزءًا من الحل لمشكلة الطاقة، خصوصًا في الاستخدامات المنزلية والإنتاجية. ولذلك فإن إزالة الرسوم عنها لا ينبغي أن تكون خطوة مؤقتة فحسب، بل يمكن أن تكون بداية لسياسة وطنية تشجع انتشار الطاقة النظيفة وتخفض كلفة استخدامها على المدى الطويل.
إن المواطن لا يطلب المستحيل. إنه يريد أن يعيش في وطنه بكرامة، وأن يجد احتياجاته الأساسية دون أن تتحول كل خدمة إلى فاتورة جديدة وكل سلعة إلى عبء جديد.
ولهذا فإننا ننظر إلى هذه القرارات باعتبارها اتجاهًا ينبغي البناء عليه وتوسيعه، لا مجرد إجراءات منفصلة.
فإذا كانت حكومة الأمل تنظر إلى المواطن بهذه الطريقة، وتضع معاناته في مقدمة حساباتها، فإنها تسير في الطريق الصحيح.
والأمل لا يبقى أملًا بمجرد أن نحمله اسمًا؛ بل يصبح حقيقة عندما يلمس المواطن أثره في حياته اليومية.
حين يشعر المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه، يبقى الأمل. وحين يصبح تخفيف معاناته هدفًا للسياسات العامة، يبدأ الوطن في استعادة عافيته.
osamamohyeldeen@gmail.com
