بقلم: هشام الحلو
من المرات القلائل التي أجد نفسي فيها مسكوناً برغبة الارتداد إلى نصٍ روائي سوداني بعد القراءة الأولى، هي تلك التي تدفعني للعودة إلى “شوق الدرويش” لحمور زيادة؛ إنها عودة تشبه الاستقاء من نبعٍ لا ينضب، تماماً كما نفعل مع “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. وبالرغم من الفارق الزمني الشاسع بين صدور الروايتين، وتباين السياقات السياسية والاجتماعية التي كُتبتا فيها، إلا أن “شوق الدرويش” تفرض نفسها كـ “مجايلة” روحية وفنية لعبقرية الطيب صالح، وكأنها الجواب المتأخر على أسئلة الهوية والذات التي طرحها “مصطفى سعيد” في حقول بريطانيا وضفاف النيل. ولعل هذا ما دفع الكاتب والصحفي الأستاذ فيصل محمد صالح لوصفها بدقة حين قال: “هي رواية ممتعة ومشوقة، يستمتع بها من يقرأها، وسيعود لها مرة أخرى”؛ وهي نبوءة تتحقق في كل مرة نفتح فيها صفحات هذا السفر الإبداعي.
وعندما أتحدث عن احتفائي بحمور زيادة، فإني أتحدث عن ذلك “التمكن” الذي جعل من “شوق الدرويش” روايةً “يتيمة” في عظمتها، تماماً كما ظلت “موسم الهجرة” الرواية التي اختزلت عبقرية صاحبها في الوجدان الكوني رغم إنتاجه الغزير الآخر. لقد استطاع حمور في هذا العمل أن يقبض على “جمرة” الكتابة الحقيقية؛ سكب فيها عصارة روحه، ومعرفته بالتاريخ، وحساسيته تجاه المظلومين والمهمشين، فخرج النص مشبعاً برائحة العرق، والدم، والبخور، والدموع. وإذا كان الصدام بين الشرق والغرب هو المحرك في “موسم الهجرة”، فإن الصدام في “شوق الدرويش” صدام داخلي، عميق، ومحزن. إن حمور زيادة لم يكتب رواية تاريخية بالمعنى التقليدي الذي يسرد الوقائع، بل مارس عملية “كيميائية” معقدة؛ أخذ حطام الدولة المهدية، وأنين العبيد في “الملازمين”، وأشواق الدراويش في حلقات الذكر، وصهرها جميعاً ليعيد صياغة “الإنسان السوداني” في لحظة تشكله الكبرى.
لقد جعل حمور من بطل الرواية “بخيت منديل” معادلاً موضوعياً لـ “مصطفى سعيد”؛ فإذا كان الأخير قد ضاع في برودة الشمال وبحث عن انتقامه في أجساد النساء، فإن بخيت منديل ضاع في سعير “أم درمان” وبحث عن خلاصه في “ثيودورا”. كلاهما غريب، وكلاهما ضحية لزمانٍ ومكانٍ لا يرحمان. ويأتي احتفائي بحمور زيادة أيضاً من لغته التي تقطر عذوبة وقسوة في آن واحد؛ إنها لغة تتكئ على التراث الصوفي لكنها لا تغرق فيه، بل تستخدمه كأداة تشريحية للنفس البشرية. وفي كل مرة أعود فيها للرواية، أكتشف طبقات جديدة من المعنى؛ أكتشف أن “الشوق” ليس مجرد عاطفة، بل هو حالة وجودية، وبحث دائم عن حرية مستحيلة في واقع مكبّل بالأغلال الأيديولوجية والاجتماعية.
إن المقارنة بين حمور زيادة والطيب صالح ليست مقارنة تفضيل، بل هي إقرار بأن الرواية السودانية بخير ما دامت قادرة على إنجاب نصوص بهذه الفخامة. لقد كسر حمور زيادة صمت السنين العجاف بـ “شوق الدرويش”، وأثبت أن الأدب السوداني قادر على إنتاج “كلاسيكيات حديثة” تُقرأ في كل العصور؛ إنها رواية تُقرأ باحتفاء، وتُدرس بتأمل، ويُرجع إليها كلما ضاقت بنا سبل الفهم لواقعنا المعقد، مؤكدةً أن الوجع الإنساني والبحث عن الذات هما الخيط الرفيع الذي يربط عباقرة الرواية السودانية مهما تباعدت أزمانهم.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم