حوار الشجعان… المحاسبة طريق العدالة والسلام (5)

osamamohyeldeen@gmail.com
د. أسامة محي الدين خليل
من دون عدالة لن يكون هناك سلام، ومن دون محاسبة لن تكون هناك عدالة. هذه هي المعادلة التي يتهرّب منها كثيرون، لكنها تظل الحقيقة التي لا مفر منها في السودان اليوم. بعد سنوات من الدماء والانقسامات، لا يمكن الحديث عن مصالحة أو إعادة بناء من دون أن نقف أمام المرآة ونسائل أنفسنا: من أخطأ؟ كيف أخطأ؟ ومن سيدفع ثمن ما جرى؟
المحاسبة ليست وجهًا واحدًا، بل ثلاثة وجوه متكاملة: سياسية، حقوقية، وذاتية. ولكل وجه منها دوره في رتق جراح الوطن وصناعة مستقبل لا يقوم على الكراهية أو الإفلات من العقاب.
أولًا: المحاسبة السياسية… المكاشفة شرط للمصالحة
السياسة بطبيعتها فن التسويات، لكنها بلا صدق ومكاشفة تتحول إلى صفقة عابرة. هنا تبرز أهمية المحاسبة السياسية: مواجهة الحقائق، كشف ما جرى، والاعتراف بالأخطاء أمام الناس.
لقد فعلها نلسون مانديلا في جنوب إفريقيا عندما فتح أبواب الحقيقة والمصالحة، فاستمع إلى الضحايا والجناة معًا، وخلق مساحة للبوح والاعتراف. ولنا في السودان أن نتعلّم من التجربة، لا أن ننقلها بحذافيرها. المطلوب هو لجنة وطنية تُنصت للضحايا، وتوثّق الجرائم، وتكتب للتاريخ رواية صادقة تُمكّن الأجيال القادمة من فهم الماضي دون تزوير.
ثانيًا: المحاسبة الحقوقية… القانون فوق الجميع
الجرائم لا تسقط بالتقادم، والعدالة ليست هبة من حاكم أو حزب. من قتل مدنيًا أو انتهك حقًّا من حقوق الإنسان يجب أن يواجه القضاء، مهما كانت رتبته أو موقعه.
لكن العدالة المطلوبة هنا ليست «قانون المنتصر»، بل قانون الدولة الذي يطبق على الجميع دون تمييز. قد تكون البداية بمحاكم وطنية نزيهة، أو محاكم هجينة تشارك فيها خبرات دولية إذا عجز القضاء المحلي. الأهم أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه، لا أن يتحول إلى أداة لتصفية الخصوم.
ثالثًا: المحاسبة الذاتية… أصعب الامتحانات
قد ينجو السياسيون بصفقة، وقد ينجو الجناة بمحاكمة، لكن لا أحد ينجو من سؤال الضمير. المحاسبة الذاتية هي أرفع درجات العدالة، حين يسائل كل فرد نفسه: ماذا كان دوري؟ ماذا فعلت لأمنع الخراب؟ وهل قصّرت في واجبي كمواطن أو موظف أو قائد؟
من دون هذه المراجعة الصادقة، لن يتغير شيء. على المؤسسات أن تُصلح ذاتها، وعلى الأحزاب أن تعترف بأخطائها، وعلى المجتمع أن يربي أبناءه على ثقافة الاعتراف لا ثقافة الإنكار.
سلام الشجعان لا يُبنى على طاولة تفاوض فحسب، بل على قاعدة صلبة من العدالة والمحاسبة. المكاشفة السياسية تفتح الأبواب، المحاكمات الحقوقية تُرسي القواعد، والمحاسبة الذاتية تُغيّر النفوس. عندها فقط يمكن أن ينشأ عقد اجتماعي جديد، يوزع السلطة والثروة بعدل، ويضمن المساواة بين جميع أبناء السودان.
إنها لحظة تاريخية، لحظة اختيار بين أن نعيد إنتاج الماضي بكل مآسيه، أو أن نصنع مستقبلًا مختلفًا. الخيار بين أيدينا، فهل نملك الشجاعة لنمضي في طريق المحاسبة، أم سنبقى أسرى الخوف والمجاملات؟

عن أسامة محي الدين خليل

أسامة محي الدين خليل

شاهد أيضاً

حوار الشجعان (2) … خريطة طريق نحو سلام الشجعان

د. أسامة محي الدين خليلosamamohyeldeen@gmail.com مع دخول الحرب في السودان نصف عامها الثالث، بات واضحًا …