حوار الشجعان… ضرورة تاريخية لوقف نزيف السودان

د. أسامة محي الدين خليل
osamamohyeldeen@gmail.com
منذ اندلاع الحرب المدمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المتمردة، باتت البلاد أسيرة حلقة جهنمية من الدمار المادي والانهيار المعنوي. لم يعد الصراع محصورًا في ساحات القتال، بل تمدد ليطال ما تبقى من النسيج الاجتماعي الهش، وليترك الاقتصاد على شفا الانهيار الكامل. وفي ظل تعقّد المشهد السياسي والإقليمي، يبرز سؤال مصيري: هل نملك الشجاعة الكافية للجلوس إلى طاولة واحدة من أجل إنقاذ الوطن؟

الولايات المتحدة الأميركية تدرس اليوم تصنيف قوات الدعم السريع كـ”قوة إرهابية”. هذا التوجه قد يبدو للبعض خطوة رادعة، لكنه في جوهره يحمل فرصة تاريخية إذا ما تم توظيفه بذكاء سياسي. فالدعم السريع — رغم سجل الانتهاكات الذي لا يمكن تجاهله — يملك أهدافًا اجتماعية ويطمح لشرعية سياسية يقرّ كل الأطراف بضرورة وجود صيغة ما لدمجه أو تحييده. وعلى الطرف الآخر، تدرك القيادة العامة للقوات المسلحة أن إقصاء هذه القوة بالقوة وحدها لن ينهي الصراع، بل سيطيل أمده ويضاعف تكلفته البشرية والاقتصادية.

إن ما أطرحه هنا هو “حوار الشجعان”: حوار مباشر، صريح، وبدون وسطاء متكسبين، بين قادة القوات المسلحة وقادة الدعم السريع، بهدف واحد وواضح — وضع خطة عملية لدمج هذه القوة في بنية القوات المسلحة، مع ضمانات أمنية وسياسية واجتماعية تقي البلاد من الانزلاق نحو جولات جديدة من الحرب.

هذا الحوار ليس ترفًا سياسيًا ولا تنازلًا عن المبادئ، بل هو فعل إنقاذ وطني. التجارب الدولية تثبت أن كثيرًا من الجيوش القومية الحديثة تشكّلت عبر دمج قوى متنازعة بعد اتفاقات شجاعة، حين أدرك قادتها أن المعركة الحقيقية هي مع الفقر والتقسيم والجهل، لا مع أبناء الوطن.

المكاسب المحتملة من هذا الحوار واضحة: وقف فوري لإراقة الدماء، إعادة توجيه الموارد نحو إعادة الإعمار، استعادة قدر من الثقة المجتمعية، وفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بتهدئة أعراضها.

لكن لنجاح هذه الخطوة، لا بد من شرطين أساسيين:

إرادة سياسية صادقة من الطرفين، تعلو على الحسابات الشخصية والانتقامية.

رعاية وضمانات وطنية من قيادات دينية، مجتمعية، وأكاديمية تحظى بالاحترام، لتكون شاهدة على تنفيذ الالتزامات.

السودان يحتاج اليوم إلى قرارات شجاعة توقف النزيف وتفتح الطريق أمام مصالحة تاريخية. هذا هو الوقت المناسب لحوار الشجعان، قبل أن تتحول كل أرض السودان إلى ساحة حرب لا تنتهي.

عن د. أسامة محي الدين خليل

د. أسامة محي الدين خليل

شاهد أيضاً

سلام الشجعان (3): الدمج المنظم وإعادة التأهيل… بين التحدي والضرورة الوطنية

د. أسامة محي الدين خليلosamamohyeldeen@gmail.com تشهد الساحة السودانية هذه الأيام جدلًا واسعًا بعد القرار الذي …