حول مفهوم الدولة القومية وأفق الدولة السودانية  .. بقلم: إبراهيم حمودة/أمستردام 

إن كان لا بد من نقطة بداية، لتسجيل بعض الخواطر هنا حول فكرة الدولة وأفق انجاز شكل راسخ من الدولة السودانية، فلنبدأ من فكرة الدولة كنظام غير مرئي حين يكون موضع بحث ونقد.. وإن أردنا أن نسبغ عليه صفة التجسيم فإننا سنفكر في مؤسسات مثل البرلمان والسجن والمحكمة ومبنى قيادة الجيش كمؤسسات هامة تترجم مفاهيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وفكرة الفصل بين هذه السلطات داخل بنية الدولة الحديثة ذات النظام الديمقراطي.
بالنظر لنموذج الدولة الموروث عندنا، والتصورات السائدة عن الدولة كجهاز إداري وكفكرة جامعة تضم بداخلها حزمة من المفاهيم حول شخصية الدولة وهويتها وارثها التاريخي الذي تستند عليه، نرى جملة الكثير من التحولات التي حدثت لهذا النموذج في ظل الأنظمة السياسية المختلفة التي مرت على السودان.
هذه والتحولات تمت، وتتم في مناخ عالمي أثر باستمرار بشكل مباشر فاعل، أو غير مباشر، على درجة تسامح أو طغيان الدولة كجهاز في مواجهة مواطنيها، وعلى إعادة النظر والتعديلات التي حدثت في هيكلها، والجسور التي تفتحها لاستيعاب وادراج البنى التقليدية للمجتمع، وفي أحوال أخرى استيعاب البنى التنظيمية للأحزاب المهيمنة ضمن المؤسسات الرسمية لهيكلها. ألقاب الأمراء مثلا التي تم اطلاقها على بعض رموز الإدارة الأهلية والصفة الرسمية والامتيازات التي حصلوا عليها في عهد الإسلاميين، أو وظيفة المعتمد التي هي وظيفة سياسية أكثر منها إدارية، إضافة لغرابتها على قاموس الإدارة الحديث في السودان منذ خروج المستعمر.
مثل آخر، وفي مشهد فريد بعد مظاهرات سلعة السكر الشهيرة خرج الوزير والقيادي بحزب الأمة الدكتور عمر نور الدائم في مخاطبة عبر التلفاز يهدد جماهير المتظاهرين متوعدا بالقول:
“نحنا جينا “بمانديت” ما جينا بانقلاب عسكري، ومن باكر جماهير الأنصار حتنزل الشارع” في إشارة لاستخدام قاعدة الأنصار في استعارة صلاحيات الأجهزة الرسمية للدولة التي تحتكر العنف مثل الشرطة والجيش من أجل كبح جماح التظاهرات وحسم الاحتجاجات المدنية السلمية التي تعبر عن الاحتجاج على سياسات الحكومة الاقتصادية.
هذا الأمر يشير إلى نظرة وزير حزب الأمة لفكرة الدولة كحيازة تخص الحزب ومن يناط به الدفاع عنها هي جماهير الحزب وقاعدته. الدفاع هنا ليس من خطر محدق وحقيقي يهدد مجمل شرائح الشعب السوداني، بل من فعل يقع ضمن الأدوات المتاحة لرجل الشارع العادي في رد طغيان الدولة وعنفها متعدد الاشكال الممارس على المواطن.
الاحتجاج السلمي ضد قرارات الدولة التي تمس حياة الموطن تقع في خانة صيانة الدولة كفكرة متسامية ومثالية باستخدام الاحتجاجات الرمزية المعلنة عن الرفض بدلا عن الاقتتال الفعلي لفرض وجهة نظر ما لأحد الطرفين وهي محطة تم تجاوزها في الكثير من المجتمعات الإنسانية وانظمتها السياسية التي تنظم خلافاتهم.
في الحقيقة يتعدى الأمر، في المثال المشار إليه، الدفاع عن حيازة شخصية، إلى منع الآخرين من استخدام حقهم الديمقراطي الأصيل في الاحتجاج والرفض والتعبير عن الرأي وهو مبدأ سامي عادة ما يضمن في المواد الأولى في صياغة دساتير الشعوب.
المتأمل للمشهد سيرى بالتأكيد العديد من الأمثلة المتباينة التي تكشف عن نظرة القوى السياسية والشرائح الاجتماعية المهيمنة عبر الحكومات المتعاقبة لفكرة الدولة. واحدة من أخطر هذه التطورات اللاحقة التي تعبر عن هذه النظرة للدولة هي تعامل الاخوان المسلمين مع البلد وحكومته المغتصبة عن طريق الانقلاب كغنيمة، ولسيت وضعية مؤقتة قابلة للتداول يمكن أن تنتقل لجماعية سياسية.
ومع العلم بأنهم جاءوا على ظهر دبابة للاستيلاء على مقاليد الحكم، ولكن تحقيق درجة معقولة من القبول كانت تحتم عليهم ممارسة نوع من القيادة الرشيدة على غرار الديكتاتور المستبد العادل بأمل تثبيت أركان الحكم وتحقيق نوع من الديمومة لنظامهم، إذا أغفلنا تماما دعاويهم عن دولة الصحابة والأيدي الطاهرة المتوضئة.
وبالفعل لم يكتفي الكيزان برمزية الغنيمة بل شرعوا بالفعل في اقتسامها، وهكذا بدأت أكبر عملية نهب للدولة ومواردها وأراضيها وجعلها حيازات شخصية لكبار لصوص ومشايخ الاخوان اعتبارا من قمة الهرم التنظيمي.
في تصرف يعري نظرة الإسلاميين للدولة كجهاز أقدموا على انتهاك حيادية مكان العمل ورمزيته كأرض مخصصة لخدمة المواطن، وهدموا الجدار الفاصل بين الخاص والعام، لذا جعل بعض الاخوانيين من قادة المؤسسات مكان عملهم في دواوين الحكومة سكنا لهم، فاعتنوا بالأسرة والفرش في المكاتب، وصارت السكرتيرة امتدادا للزوجة الأخرى القابعة في البيت. عدم الفرز بين العام والخاص ترتب عليه أيضا تجاهل الموجهات والضوابط الصارمة التي كانت تنتهجها الدولة فيما يخص التعامل مع المال العام والتقاليد المتوارثة الخاصة بالنزاهة والشفافية التي لم تكن في السابق قبل انقلاب الانقاذ تترك للتقدير الشخصي أو دعاوى السمو الأخلاقي بسبب الانتماء لتيار ديني معين كجماعة الاخوان المسلمين.
مما تقدم نرى هنالك التباسا كبيرا بين مفهومي الحكومة والدولة. الحكومة كطاقم سياسي اداري وفني يأتي ببرنامج يترجم تصوره لبناء البلد وتطوير مقدرات ومكتسبات انسانه من أجل حياة أفضل، وبين الدولة كمجموعة أجهزة و مؤسسات وتقاليد تحكم هذه المؤسسات باقية مهما تغيرت الحكومات وتنوعت.
صحيح أن أي رؤية ثورة وأي لحظة زخم ثوري تحتاج لتغيير الروح التي تحكم هذه المؤسسات والعلاقات التي تحكم تعاونها والتنسيق بينها كمنظومة واحدة تحركها روح ودوافع ترتبط بالمواطن وتضع مصلحته في المرتبة الأولى، وبشكل مجمل تقديم الخدمات وتنفيذ السياسات والتصورات التي تضعها حكومة معينة.
الحديث عن دولة وطنية سودانية، أو دولة قومية، لم تتحقق بعد ولم تنجز حتى الآن، يجيء في ظرف عالمي أصبح فيه مفهوم الدولة القومية ذاته في مأزق نتيجة لتغول العولمة وتراجع مبدأ سيادة الدول كوحدات سياسية مستقلة بقرارها وتحويل مركز اتخاذ القرار إلى تحالفات سياسية واقتصادية إقليمية وعابرة للقارات أشار إليها الأستاذ حسن موسى مثل الاتحاد الأوربي والنافتا وتحالف مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومجموعة الايقاد عندنا في ا فريقيا..
بالنظر للحالة الأوربية التي تعطي النموذج الأكثر وضوحا، الملاحظة الأولى التي نسجلها أن الفئات الأعلى صوتا في البكاء على الدولة القومية وسيادتها المنهوبة هي أحزاب اليمين الشعبوية والأحزاب ذات الطابع العنصري، والأمر ليس مجرد صدفة كما يبدو.
 أحد الأمثلة البارزة هنا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسبب انتقاص سيادتها في اتخاذ القرار، كما رأى ذلك اليمين الشعبوي وعمل على تنظيم الاستفتاء الذي أفضى للخروج، وعلى رأس هذه المجموعة بوريس جونسون و”نايجل فاراج”.. ولكن قبل أن تكتمل إجراءات ومساومات خروج بريطانيا من الاتحاد، ظهر ترامب من خلف السياج يلوح بمراودة الجارة عبر المحيط والتلويح باتفاقات تجارية تعوض خسران السوق الأوروبي، وهو أمر يكشف أن بريطانيا العظمى تظل صغيرة جدا على العالم المحيط بها وعلى غول العولمة.
هذا يعني أن الدول كوحدات سياسية واقتصادية منفردة لا تستطيع التعامل بمفردها مع غول السوق الهائل ولا بد لها من حلفاء كبار حتى يكون وضعها التفاوضي أفضل وصوتها مسموعا.. مثلا بعد خروج بريطانيا واستعادة سيادتها الرمزية على مياه بحر الشمال، فرح الصيادون في المملكة المتحدة وذهبوا لاصطياد كميات كبيرة من الاسماك بعد أن خلا لهم البحر من السفن الأوربية المنافسة.. ولكن المشكلة أن ما اصطادوه من سمك ظل يتعفن ويتحلل ببطء في مراكبهم الصغيرة تحت اشعة الشمس، لأن بيعه لدول الاتحاد الأوروبي يتطلب منذ اللحظة كمية من الإجراءات الورقية والضوابط الصحية والجمركية، الأمر الذي يعجز عنه أي صياد بسيط بمفرده في مدة وجيزة.
الأمر الثاني فيما يتعلق بالدولة القومية ومأزق النموذج الأوروبي الأمريكي منها هو أن الثقة في الدولة كنظام وفي الشرائح السياسية عموما أخذة في التآكل والتناقص بسبب حالة عدم الرضا التي تسود بين الكتل الانتخابية في هذه الدول.
الصعود المفاجئ لترامب مثلا الذي ينادي بأمريكا أولا، كان بسبب هذا التململ وعدم الثقة وسط جمهور الناخبين. ليجيء ترامب ويحاول اكمال مهمة هدم المعبد بالعمل منذ يومه الأول على تلغيم وتفكيك، والتشكيك في مؤسسات الدولة الديمقراطية: القضاء، الصحافة، العلماء، المؤسسات الاكاديمية، لجنة الانتخابات وبقية المؤسسات الأخرى التي لا غنى لدولة تفصل بين المؤسسات عنها.
نفس نموذج ترامب نراه عند فيكتور أوربان في المجر، في بولندا، في إيطاليا في فترة حكومة اليمين الشعبوي السابقة، إضافة لأحزاب سياسية أوربية ذات طابع شعبوي كثيرة لم تصل لسدة السلطة مثل حزب “ماري لوبان” في فرنسا وحزب منبر الديمقراطية في هولندا FVD الذي يبدي زعيمه “تيري بوديت” تعاطفا كبيرا مع اليمين النازي ومن أكبر الأحزاب التي حصلت على مقاعد إضافية في الانتخابات الأخيرة قبل شهرين.
الأمر الثالث يكشف عن واحدة من العلل الملازمة للأحزاب الشعبوية المدافعة عن الدولة القومية، وهي الايمان العريض بنظرية المؤامرة وسط اتباعها وقواعدها الجماهيرية وصولا لمستوى القيادة، الرئيس البرازيلي “بولسنارو” ينكر وجود الكورونا منذ البداية، بوريس جونسون استخف بها ولم يأخذها مأخذ الجد إلا بعد مضي شهر ونصف من ظهور الموجة الأولى.. نظرية المؤامرة وعدم الثقة في العلم والعلماء يسيران دائما جنبا إلى جنب.
ما ساعد على تمدد مساحة المؤمنين بنظرية المؤامرة هو الثورة المعلوماتية وسهولة استخدام الميديا، والمفارقة هنا أن ما يراه منظرو الرأسمالية والليبرالية الجديدة من متطلبات حيوية لنجاحها مثل حرية حركة رؤوس الأموال والبضائع والأشخاص، وحرية الوصول للمعلومة تكاد تصيح جزئيا الداء الذي سيوقف من مدها وربما السبب في انهيارها. فالدول القومية الأوربية أصبحت تنادي بشكل منفرد لحجر حركة الأفراد. وواحدة من أسباب خروج بريطانيا أيضا من الاتحاد الأوروبي هي العمالة الوافدة إليهم من شرق أوروبا، فهي كدولة رأسمالية تنافح وتدافع عن حرية حركة رؤوس الأموال ولكن وللمفارقة تنادي بتحجيم حركة الأفراد (الذين لا يملكون مالا لإنفاقه).
قنوات تبادل المعلومات أصبحت هي قنوات نشر الاشاعات والأخبار الكاذبة، ساعدت التقنية الرقمية وتطبيقات مثل الـ Deep fake في تعزيز نشر اخبار عن وقائع كاذبة لم تحصل في الواقع لدرجة اختلاط الأمر على قطاع كبير، وهو أمر يهدد بأن تغرق هذه الميديا في بحر نجاحها المتمثل في سهولة الحصول على المعلومة ونشرها على أوسع نطاق.
بهذا ليس أمام الساسة والقادة الذين لا تعجبهم الحقيقة ولا يستطيعون منع الوصول إليها سوى اتلاف وتخريب مصداقية الوسيط الناقل لها.
رابعا وأخيرا: الدعوة لاستعادة الدولة الوطنية في الغرب هنا بسيادتها المطلقة وتحكمها في قرارها بالشكل المألوف القديم أمر يتعذر جزئيا بالشكل القديم لأسباب كثيرة منها، على سبيل المثال: طبيعة الدولة الحديثة ذات الطابع الليبرالي التي تعد شعبها بالرخاء تقتضي تبني “دوغما” النمو بشكل لا فكاك منه، لأن الكل يعتقد أن توقف النمو يعني انهيار النظام كله، ويعني في المبتدأ وصم الحكومة الجالسة بالفشل. والنمو يتطلب انتاج كثير واستهلاك أكثر وتلوث متزايد يهدد باحتباس حراري أكبر وبكارثة بيئية يمكن أن تقضي على الحضارة الماثلة، وهذه معضلة لا تستطيع دولة بشكل منفرد مواجهتها وحلها.
(2)
الحاجة للنمو تذكرنا بالجذور الأولى لتكون الدول وتطورها من دولة المدينة إلى مجموعة تحالفات بين المدن لأسباب تتعلق بالحرب أو لأسباب اقتصادية وصولا لشكل الدولة الحالي الذي قد يشمل بداخله مجموعة من الشعوب التي يمكن أن تكون متنافرة بشكل خفي كما نرى في البلقان ولكن فوائد وجودها ككيان متوحد في ظرف تاريخي محدد أفضل بكثير من خيار البقاء كوحدات صغيرة متباعدة مستقلة.
ما يميز تطور الحضارة الإنسانية هو قدرة الانسان ككائن على التعاون والاتحاد، وهذ ما جعل البشر كجنس يقضون على سابقهم ومنافسهم انسان “النياندرثال” الأضخم حجما والأعظم قوة، فالكثرة تغلب الشجاعة وتغلب القوة، خاصة إن كانت هذه الكثرة على درجة عالية من مقدرات التواصل والتنسيق.
يمكن لهولندا مثلا أن تنتج طاقة خضراء تكفي اغراضها الاقتصادية والاستهلاكية ولا تساهم بمقدار مئوي واحد من تلوث، ولكن ذلك لا يعفيها من الأثار البيئية للملوثين الآخرين والكارثة المشتركة المنتظرة.. اذن التعاون واجب والانصياع لأوامر جماعية تتعارض مع مصالح الدولة الوطنية الصغيرة أمر لا مفر منه، وقس على ذلك في كل المشاكل الكبرى التي أنتجتها الحضارة الاستهلاكية الحالية من تهديدات الحروب والهجرة والأوبئة التي أصبحت سهلة التمدد بحكم حرية الحركة وسهولة الانتقال من قارة لأخرى في ظرف ساعات.
مرحلة العولمة التي نحن فيها هي نتاج لخيارات كيانات سياسية تبنت نمطا اقتصاديا بعينه يخدم فكرة الاستهلاك والنمو المتواصل. كما أنها أيضا في الأصل، (الكيانات السياسية أعني) تعبر عن وضعية تتطابق فيها إلى حد كبير مصالح الشرائح المؤثرة في الاقتصاد والإنتاج، والحكومات التي تمثلها على المستوى السياسي، ولكن رغم ذلك فإن إحساس انعدام الثقة والأمان، نتيجة طبيعة التنافس الحادة من أجل البقاء في سوق العمل، والالحاح المتجدد والضغط على الأفراد من أجل اكتساب مهارات جديدة، كل ذلك خلق حالة من عدم الرضا والتبرم في مجتمعات الدول الغربية، تطور إلى نوع من انعدام الثقة بين شريحة الساسة والمواطن العادي الذي أصبح يصنفهم كنخبة، وهو ما أشرت إليه في ظهور وصعود ظاهرة ترامب.
حالة التبرم وعدم الثقة هي من أكثر العوامل التي تفتح الباب على تهديد الأنظمة الديمقراطية التي بدا من الواضح أن أساسها غاية في الهشاشة رغم طول التجربة نسبيا في دول الغرب. الدليل الناصع على ذلك ما حدث في عهد ترامب الذي، كما أسلفت، بدأ بالعمل على هدم دولة المؤسسات والعمل على تفكيكها بالسيطرة على جهاز القضاء وتعيين قضاة تابعين له في المحكمة العليا، تغيير تقسيم الدوائر الانتخابية لوضع صعوبات وعراقيل أمام المهاجرين والافرو- امريكان لممارسة حقهم الانتخابي، ومهاجمة الصحافة كسلطة رابعة تعمل على الرقابة وحراسة مبادئ دولة المؤسسات..
أن كان ذلك يحدث في أمريكا معقل الحريات كما رسخ في الاذهان فما بالك ببلد مثل السودان لم تكتمل تجاربه الديمقراطية جميعها منذ الاستقلال، وذلك يعني، فيما يعني، أن مؤسسات الدولة لا يكتمل نضجها لأداء دورها وافراز ثقافتها وإنتاج تقاليدها الخاصة ضمن مبدأ استقلالية السلطات؟ بل يتم بالمقابل التأكيد مرة تلو الأخرى في الديمقراطيات والديكتاتوريات التي مرت على حكم السودان، يتم تأكيد القناعة بأن الحزب الحاكم هو الدولة بشحمها ولحمها الأمر الذي يستدعي استبدال قادة الأجهزة الحكومية وربما في مرحلة من المراحل كافة موظفي الدولة من أجل ضمان الطاعة في تنفيذ ما يتم رسمه من سياسات تخص ذلك الحزب.
أمر آخر جدير بالإشارة إليه، يتمثل في الاتجاه المنظور نحو الأتمتة وتمدد مصالح وأعمال الشركات العابرة.. مثلا وبسبب الكورونا والإجراءات الاحترازية المصاحبة لها تكاد مصانع السيارات في أوربا تتوقف عن العمل، لأن كل السيارات الحديثة مزودة بتقنية رقمية تعتمد على الشرائح التي تصنع بنسبة كبيرة في أجزاء أخرى مثل الصين وبعض دول جنوب شرق آسيا.
هذا فضلا عن تطور التكنولوجيا الرقمية وتكنولوجيا الذكاء الصناعي التي تهدد استخدام العمالة التقليدية وتحويل قطاعات كبيرة من المواطنين في الغرب وفي دول العالم الثالث التي تعتبر بمثابة حظائر انتاج رخيصة للشركات العابرة إلى “سقط متاع” تنفق عليهم الدولة من احسانها لأنها ثرية في المحصلة النهائية بغض النظر عن الشريحة المشاركة في عملية الإنتاج. ولكن الأمر يعتبر أكبر كارثية في دول العالم الثالث التي تعاني أصلا من البطالة، والتي لا تتمتع بأي مظلة تأمين اجتماعي توفرها الدولة للمواطن. هذه يعني بدوره أن تتحول هذه الشريحة إلى عالة لا تستطيع التأثير في القرار السياسي لتجريدها من مفعول قوتها الإنتاجية والاقتصادية مما يجعل مفهوم الدولة ومؤسساتها وكيفية عملها نفسه في محك في مستقبل تاريخنا السياسي في السودان ودول أخرى مشابهة.
ما تطرقت إليه أعلاه شديد الأهمية، في ظني، لإعادة تأمل الدولة القومية السودانية. فيما يتعلق بموضوع الهوية الجماعية التي يتبناها شعبا من الشعوب، والقواسم المشتركة التي تطبع طرائق حياتهم وتفكيرهم وتطلعاتهم ونظرتهم لأنفسهم، نراها أيضا أصبحت محل شك.
يعود هذه الشك في الانتماء الجمعي لهوية واحدة نتيجة انعزال الفئات الاجتماعية العليا عن بقية الشعب بحيث لا تتعرف كل فئة على نفسها في الآخر. في السابق كان ابن العامل والسباك يجلس في نفس الصف مع ابن الوزير ومدير البنك المركزي في المدرسة ويلعبان في نفس نادي كرة القدم أو السلة.
الفوارق الكبيرة في الدخول المالية أدت لتباعد اجتماعي بحيث أصبح لكل فئة أماكن ترفيهها وقضاء وقتها. عرف بعض علماء الاجتماع هذه الظاهرة بالـ Skyboxification إشارة لانعزال كل فئة كما يحدث في الـ Skybox الذي نراه يحجب المشاهير والاثرياء في الحفلات والمناسبات الجماهيرية الكبيرة.
للمفارقة هذه الظاهرة موجودة عندنا في السودان ومنذ فجر نشوء الدولة السودانية بشكلها الحديث واستمرت وأخذت أشكالا جديدة تحت حكم الانقاذ. أبرز مثال يمكن أن أكتفي به هو لأحد أبناء السيد الميرغني الذي ورد في التعريف الرسمي لسيرته الذاتية، حين تم توليه أحد المناصب، أنه درس في روضة دار الحنان وأغفلت السيرة أي دراسة له في مدرسة عامة معروفة أو خاصة، الأمر الذي يكشف أن أبناء السادة رعاة الأحزاب السياسية الكبرى ينعزلون في هذا “السكاي بوكس” منذ ولادتهم ولا قاسم مشترك أو ذاكرة مشتركة تجمعهم بأبناء الشعب من الشرائح العادية.
هذا الأمر ليس بالشيء الهامشي، ولكنه أساسي في تأسيس هوية مشتركة ونظام دولة ديمقراطية ناجحة.
الوضع العادي الذي كان سائدا في السودان أن يدرس ابن عامل اليومية والمزارع في فصل دراسي واحد مع أبناء الأثرياء وكبار الموظفين والوزراء، هذا ما يؤدي لتكوين ذكريات مشتركة وذاكرة جماعية واحساس هوية مشتركة. هكذا تعمل الهوية التي وصفت بأنها في الأصل غير مضيافة وتعتمد على مبدأ الفرز وابعاد الآخر، غير المنتمي للمجموعة، الذي لا يعرف تفاصيلها واسرارها الصغيرة وذكرياتها.. فكرة خصخصة التعليم والقضاء على مجانية توفره هي من أكثر الأشياء التي أضرت وستضر بالتماسك الاجتماعي وخلق جزر اجتماعية غير مفيدة، إن لم يكن وجودها عاملا من عوامل بث المزيد من الغبن الاجتماعي والتنافر بين مختلف المجموعات السكانية والشرائح الاجتماعية المكونة للنسيج الاجتماعي.
 نقطة أخرى يجب الإشارة إليها، وهي ان أكثر الشرائح المساهمة في الإنتاج وتوفير الفائض النقدي لتسيير دولاب الدولة تتوزع ومنذ فجر الاستقلال على أكثر المناطق فقرا حتى تاريخ اليوم.
مناطق انتاج الصمغ العربي والسمسم والفول السوداني، والماشية في كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان هي أكثر المناطق، وبحكم آخر الدراسات المتعلقة بمؤشرات الفقر واحتمالات المجاعة المعرضة المجاعة منذ الآن وحتى العام القادم.
هذه المعلومة تكشف لنا أن القوى المؤثرة اقتصاديا لم تفلح حتى الآن بالتعاون مع أي حلفاء في انتاج نظامها السياسي الذي يعبر عنها. هذا في الوقت الذي يكون فيه تغيير الأطقم الحاكمة إثر الهبات الشعبية والثورات لحظة تبادل أدوار بين ممثلين من نفس الشبكة القديمة.
بهذا المعنى يمكن الزعم أن الدولة السودانية ظلت تتعرض لحالة اختطاف ولم يتحقق أي تغيير ثوري جذري يعيد تعريف الدولة بالصورة التي توحد كل ألوان الطيف السوداني.
(3)
الثورة فعل مستمر ومتواصل، وربما يكون غير ملحوظ، ولكن يجب الإمساك بلحظة تغيير ما، لإرساء الشروط اللازمة لديمومة مثل هذه الثورة، ففكرة الدولة بدأت في نواتها الأولى بمتطلبات أولية بسيطة: الحرية والحفاظ على الملكية.. أن تقول رأيك دون خوف من أحد، وأن تضمن ألا يعتدي أحدهم على ما في جيبك. والشاهد أن ردحا طويلا من التاريخ السياسي السوداني طبعه مصادرة الحريات من قبل مختلف الحكومات يمينا ويسارا والسطو على مقدرات الشعب وثرواته وما كسبه الأفراد بعرق جبينهم.
لهذه الأسباب ظل هنالك خلل دائم في تصور الدولة لدى النخب الحاكمة التي ظلت تحور تركيبة مؤسسات هذه الدولة والقواعد التي تنظم عملها والقواعد الأخلاقية والثقافة الداخلية التي تحكم عملها، أمر يبدو في ظاهره مرونة ولكنه تخريب متعمد لأجهزة الدولة لتحقيق جملة من الأغراض منها إطلاق اليد في اتخاذ القرارات مع إمكانية التنصل من عواقبها، والصرف من الأموال العامة وتوجيهها للمصلحة الحزبية أو الشخصية وذلك بالتلاعب ببروتوكولات الصرف وقواعد الرقابة على المال العام.
في أي دولة عادية يعمل المواطن ويدفع ضرائبه للدولة التي تترجم هذه المساهمة لخدمات تعتبر حقا اصيلا للمواطن من صحة وتعليم وبنى تحتية وأمن.. ولكن التحول الذي رأيناه يحصل في ثقافة الأجهزة المختلفة، ونظرتها لرسالتها ودورها الذي تستمد منه شرعية وجودها، نتج عنه ألا يحس الشرطي في عمله اليومي بواجبه تجاه حفظ الأمن، وألا يرى جهاز الشرطة بكامله حفظ الأمن كواجب أسمى الفشل في القيام به يستوجب المساءلة والمحاسبة.  وترتب على هذا أن صارت الدولة تمتن على المواطن بتوفير الأمن.
 وكما حدث في السيناريو المصري حين تجاهلت الحكومة عمدا حفظ الأمن وحدث انفلات كبير في الشارع أدى لخوف المواطنين فرأوا قشة الخلاص في استيلاء الجيش على مقاليد الأمور، فإن نفس السيناريو يمكن أن يحدث الآن في السودان، أو هو قيد الحدوث في هذه اللحظة، وما يسمح بحدوثه هو عملية التجاهل المتعمد لتقاليد المؤسسة الشرطية والمؤسسة العسكرية وعقيدتها القتالية وولائها الذي تم إعادة توجيهه من الولاء للقسم ولدستور البلاد إلى ولاء للحزب ولأفراد بعينهم هم أولياء نعمة كبار الضباط.
عملية احتكار العنف وأدواته والقوى العسكرية والمدنية المنوط به تنفيذ هذا العنف لصالح المجتمع وإنابة عنه، تخضع في أي مجتمع لضوابط صارمة ودرجات رقابة معروفة ودرجة عالية من النزاهة والشفافية في التعامل معها. وهذا مبعث الثقة التي تجعل المواطن العادي ينصاع لسلطة الشرطي وشرطي المرور والعسكري.
يحدث كل هذا في ظل روح سيادة المواطن أو الشعب كمصدر أصيل لهذا التفويض. وحتى في ظل الأنظمة الديكتاتورية تحافظ الأجهزة العسكرية والنظامية على هذه الثقة كي تستطيع أداء عملها.
المحزن أن نلاحظ اليوم يومنا، وكأن بسط الأمن خدمة إضافية من قبل مؤسسات الجيش والشرطة التي تتلقى رواتبها من دافع الضرائب، والتي يجب أن يتعرض قادتها للمحاسبة في حال التقصير، ولكن تركيبة الحكومة الحالية لا تمكن رئيس الوزراء، فيما يبدو، من مساءلة وزراء الدفاع والداخلية واقالتهم إذا دعا الأمر.
الحقيقة التي يجب الانتباه إليها أن شكل الدولة السودانية التي شهدت فصلا واضحا بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وجهاز خدمة مدنية يتمتع بتقاليده الخاصة وصحافة حرة، أخذ في التحور والانحدار برعاية تامة من القوى الغربية خاصة، التي ظلت تبشر بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وتزاوج هذه الدعوة برعاية أعتى الديكتاتوريات في افريقيا وآسيا وبقية دول العالم الثالث.
هذه الازدواجية أصابت الكثير من الشعوب المتطلعة للحرية باليأس والإحباط من فكرة يوتوبيا الدولة الديمقراطية الأمر الذي سمح بتعزيز القمع السياسي والاضطهاد الاجتماعي والتهميش الثقافي من قبل الطبقات المهيمنة التي بدأت تفرز وتوطد ثقافتها المناهضة للحقوق ولمبدأ المساواة. وفي ذات الوقت بذر نواة التطرف الديني والعرقي والثقافي داخل المجتمعات.
حقيقة أخرى هي أن النظام الرأسمالي في كل مراحله ظل ينظر لمسألة الحريات الأساسية كامتياز أبيض، وأن الشعوب والاثنيات الأخرى يمكنها أن تفتقد القيم التي تدافع عنها الدول الغربية وتعيش بدونها.
 كي تعم الرأسمالية وتسود العالم، كان على الدول الغربية الرأسمالية الدفاع عن شكل الدولة الديمقراطية البرلمانية المقرونة بنظام حقوق انسان عالمي وسوق مفتوح وضمان حرية حركة البضائع ورؤوس الأموال والأشخاص.. كما في النظرية تماما، هذه هي الوصفة التي تضمن جوا من السلام يضمن المناخ المناسب للتبادل التجاري، وهكذا هو مستقبل العالم على المدى البعيد.
ولكنها تعجلت واستسهلت الكسب بتدشين الحملات الاستعمارية التي طبعت الحقبة الكولينالية التي نهبت فيها ثروات الشعوب بالمجان، ولم تندم على ذلك حتى اليوم، فهولندا ما زالت تسمي الحقبة الاستعمارية بالعصر الذهبي. وبالتالي كان احتلال البلدان والشعوب لا يتعارض مع مبدأ الحرية والديمقراطية داخل حدودها السياسية، والشاهد أن الديمقراطيات البرلمانية في أوروبا والغرب عموما تطورت في هذا المناخ.
يقال في تعريف الدول كوحدات سياسية بأنها عبارة عن شعب يربطه وجدان وقطعة أرض ونظام سياسي. ما نراه في الواقع السياسي السوداني والحروبات الطويلة التي لم تنته منذ فجر الاستقلال يشير إلى غياب الوجدان المشترك بسبب التعسف الحادث منذ البداية في اختيار هوية الدولة ذات اللسان والثقافة العربية والدين الإسلامي الأمر الذي لا يجتمع الكل في التعرف على ذواتهم من خلاله.
هذا الشيء المشترك يمكن الإشارة إلية بالـ (حكاية) في لغة الإدارة والشركات.. كل شركة تنسج حكايتها الخاصة بها التي تشير إلى هويتها التي تصبح مدعاة لفخر العاملين بها.. ولكن الوطن ليس بشركة والمواطنين ليسوا بأجراء، بحيث يجب أن يحدث الأمر بنوع من الطوعية ودون إملاء من طرف..
بنت اليابان نهضتها الصناعية والاقتصادية وقوتها العسكرية الضاربة التي استطاعت بها أن تعزو الصين وتحتل أجزاء كبيرة من آسيا وتهزم الوجود الأوروبي في عدد من البلدان الأسيوية، وتدمر الاسطول البحري الأمريكي في الحرب العالمية الثانية بناء على مزاوجة في الهوية بين تبني قيم حديثة وإيمان بالعلم والبحث وبين تقاليد الفروسية القديمة وتقديس الامبراطور ووضعه في مرتبة الالوهة.
فهل وجب علينا الاتفاق على بداية ما لحكايتنا كدولة قومية؟ وأي حكاية نختار؟  لدينا ما يكفي من الحكايات، نبتة ومروي والسلطنة الزرقاء وسلطنة الفور والمساليت والدولة المهدية، علي عبد اللطيف وثوار 1924 وطيف واسع من الأحداث التاريخية التي لا يمكن حصرها هنا والتي شكلت لحظات الإحساس بهوية جماعية، فما الذي يجمعنا كسودانيين؟ بماذا نفخر؟ إلى أي وجهة نسير؟
الهوية لا تصنع بهذا المعنى، ولا يتم التواضع عليها، ومسألة طرحها تحدث دائما في أوقات الأزمات بحيث يكون الجدال حولها مرتبط بمفردات مثل الظلم والمساواة والتعالي والحقوق. ولكن توفير مناخ العدالة والمساواة والكرامة في هذا السياق يعتبر المهمة الأكبر التي يحس الجميع بالتآخي لحظة إنجازها، كما حدث في اعتصام القيادة ولحظات الإحساس الجماعي بالمصير المشترك والعدو المشترك.
واجب المرحلة هو توفير الظرف السياسي و الاقتصادي المناسب لإشباع الحاجات الأساسية للفرد ولتطوير جهاز دولة يساند ويعزز مناخ الحرية والعدالة والأمان بمستوياته المختلفة من أجل خلق هوية جماعية جديدة يجد الكل نفسه فيها.. وبما أن للحرية والعدالة أعداء على طول الخط، فإن الفرز الاجتماعي يبدأ عند هذه النقطة.
يعلمنا التاريخ أن النقاط التي تم تجاوزها لا يمكن إعادة المفعول المترتب عليها. حققت معظم الدول الغربية والاستعمارية ثرائها ونهضتها الصناعية والنعيم الذي حققته لشعوبها من نهب موارد الشعوب الأخرى دون أن تدفع مقابله أقل القليل. الآن وكي تنهض دول العالم الثالث التي ينتمي إليها السودان عليها أن تدفع أضعافا مضاعفة من أجل العثور على موارد تساهم في نهضتها، في وقت تنضب فيه هذه الموارد غير المتجددة أصلا، وتختل شروط التبادل التجاري العادل أكثر فأكثر..
هذا يؤثر بدوره على استقلالية الدولة القومية عندنا في السودان ويضيق من حزمة الخيارات المتوفرة أمامها من أجل الإيفاء بحاجات الشعب وتحقيق رفاهيته وكرامته واستقلاله، وهو امر يشرع باب احتمالات متعظمة بسيادة تحالفات سياسية واجتماعية تختار مصلحتها الذاتية وتبيع ما يمكن بيعه، بما في ذلك السيادة، كما رأينا البشير يعرض منح الروس موطأ قدم في المياه الدافئة مقابل الحماية لنظامه البائس.. والطغمة العسكرية الحالية ليست بأكثر كرامة من البشير إن لم نقل رضعت من ثدي الانحطاط الذي وفره لها نظام البشير.
———————————-
إبراهيم حمودة
أمستردام – 14 يونيو 2021
ibrahimhamouda777@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً