دكتور محمد عبدالله
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي، في السنوات الأخيرة، مجرد مساحات للفوضى الكلامية أو ساحات لتبادل الشتائم السياسية. فقد تحولت، في كثير من الأحيان، إلى منصات منظمة للتحريض على العنف، وغرف عمليات مفتوحة لإدارة حملات التشهير والتخوين وإباحة الدم، تحت شعارات وطنية أو دينية أو ثورية زائفة.
ما نُشر أخيراً عبر حساب على «فيسبوك» يحمل اسم «الدكتورة أميرة كرار» لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انفعال سياسي منفلت أو خطاب كراهية عابر، بل هو نموذج صريح للتحريض على الاغتيال السياسي.
فاللغة المستخدمة في المنشورات التي استهدفت الدكتور النور حمد، القيادي بالحزب الجمهوري، وكذلك خالد عمر يوسف، القيادي بحزب المؤتمر السوداني، ليست لغة خلاف سياسي أو حتى خصومة أيديولوجية حادة، وإنما لغة تعبئة دموية مكتملة العناصر. نصوص تستدعي مفردات «التصفية» و«الرصاصة» و«القصاص»، وتتعامل مع القتل باعتباره فعلاً مشروعاً، بل واجباً مؤجلاً.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالتحريض على العنف لا يصبح أقل خطورة لأنه صادر عن حساب مجهول أو مكتوب بلغة إنشائية متورمة. تجارب كثيرة حول العالم أثبتت أن التكرار المستمر لخطاب الكراهية يصنع مناخاً نفسياً يسمح بتحويل العنف إلى فعل «مبرر» في أذهان بعض المتلقين، خصوصاً داخل المجتمعات المنهكة بالحروب والاستقطاب والتعبئة الأيديولوجية.
وفي السودان، حيث لم تجف الدماء بعد، وحيث يعيش المجال العام حالة احتقان غير مسبوقة، يكتسب هذا النوع من الخطاب أثراً مضاعفاً. إذ يكفي أن يقتنع شخص واحد مأزوم أو متطرف بأن تنفيذ التهديد يمثل بطولة وطنية حتى تنتقل الكلمات من شاشة الهاتف إلى أرض الواقع.
لذلك، فإن التعامل مع هذه الحسابات بوصفها مجرد «تفاهات إلكترونية» يمثل قدراً كبيراً من الاستهانة بالخطر. فهي جزء من البنية الدعائية التي تغذي الحرب الأهلية، وتسهم في تآكل ما تبقى من الحس المدني والأخلاقي في الحياة العامة.
والأرجح أن الحساب المذكور ليس حساباً شخصياً حقيقياً، بل واحد من مئات الحسابات الوهمية التي يديرها ما بات يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني»؛ شبكات تعمل على تضخيم الاستقطاب، وإنتاج الكراهية، وترويج الأخبار الكاذبة، واستهداف الشخصيات العامة بحملات منظمة. وهذه الحسابات لا تتحرك، في الغالب، بدافع فردي معزول، وإنما ضمن بيئة سياسية ترى في الفوضى النفسية أداة فعالة من أدوات الصراع.
لهذا لم يعد السؤال: من يقف وراء هذه الحسابات؟
السؤال الأهم هو: لماذا تُترك الساحة العامة نهباً لها؟
ما تزال غالبية القوى السياسية السودانية تتعامل مع الفضاء الرقمي بعقلية البيانات الورقية القديمة. هناك ضعف واضح في الرصد، وغياب شبه كامل للاستجابة المنظمة، وعدم إدراك بأن معركة المجال العام لم تعد تُخاض فقط عبر الصحف والمنابر، بل أيضاً عبر الخوارزميات، وحملات التبليغ، والتوثيق الرقمي، وكشف الحسابات الوهمية وشبكات التضليل.
ومواجهة هذا النوع من الخطاب لا تكون بالإدانة الأخلاقية وحدها، على أهميتها، بل عبر عمل منظم ومهني ومستمر. فالحاجة أصبحت ملحة لتنسيق جاد بين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والفاعلين الإعلاميين، من أجل إنشاء جسم مستقل ومتخصص تكون مهمته الأساسية رصد خطاب الكراهية والتحريض السياسي في الفضاء الرقمي، وتوثيق الحسابات الوهمية، والتعامل المهني مع المنصات الدولية، وقيادة حملات التبليغ والإغلاق، إضافة إلى إعداد تقارير دورية تكشف شبكات التحريض والتضليل للرأي العام.
وجود مثل هذا الجسم لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة لحماية المجال العام من الانحدار الكامل نحو لغة التصفية والعنف.
ومن المهم أيضاً أن يترافق ذلك مع إنتاج خطاب سياسي وإعلامي بديل، يعيد الاعتبار لفكرة الاختلاف المدني، ويقاوم تطبيع مفردات التخوين والإبادة والانتقام، إلى جانب الضغط القانوني والإعلامي على شركات التواصل الاجتماعي كي تتحمل مسؤولياتها تجاه المحتوى العربي، الذي ما يزال يُترك، في كثير من الأحيان، دون رقابة كافية مقارنة بالمحتوى في اللغات الأخرى.
ومن المؤسف أن بعض البيئات السياسية السودانية بدأت تتسامح تدريجياً مع مفردات كان مجرد التلفظ بها قبل سنوات يُعد فضيحة أخلاقية. اليوم تُكتب دعوات القتل علناً، وتُنشر، ويُعاد تداولها، وأحياناً تُستقبل بالتصفيق. وهذه ليست علامة قوة، بل مؤشر خطير على التدهور العميق في الحس المدني.
فليس المطلوب حماية السياسيين من النقد، ولا منح أي جهة حصانة فكرية أو أخلاقية، فالحياة السياسية بطبيعتها تقوم على الاختلاف الحاد. لكن هناك فارقاً جوهرياً بين المعارضة السياسية والتحريض على القتل. وما إن يُمحى هذا الخط الفاصل حتى يصبح الرصاص امتداداً طبيعياً للجدل العام.
السودان اليوم في حاجة إلى استعادة لغة السياسة، لا لغة الثأر، وإلى حماية المجال العام من جماعات تعيش على التخويف والابتزاز والتعبئة المظلمة. فالدول لا تنهار بالبندقية وحدها، بل أيضاً بالكلمات التي تمهد الطريق لها.
