باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 11 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل ود سهل
عادل ود سهل عرض كل المقالات

حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم… بين المأساة… وصناعة الأمل

اخر تحديث: 10 أغسطس, 2026 11:15 مساءً
شارك

عادل ود سهل يكتب…
من الاغتراب الاختياري، إلى النزوح القسري…
في المطارات، لا تبدو حقائب السودانيين متشابهة، غير أن شيئاً واحداً يجمع بينها… أنها تحمل من الذكريات والأوجاع ما لا تقيسه موازين المطارات.
ولم تكن تلك الحقائب تحمل الملابس وحدها.
حملت معها…
صور آباءٍ رحلوا وهم بعيدون.
وذكريات البيوت.
ومفاتيح منازل قد تكون سويت بالأرض، وقد لا يعود أصحابها إليها مرة أخرى.
ورسائل قديمة.
وشهادات جامعية.
وأسماء قرى لا يعرفها أحد خارج السودان.
وأحلاماً مؤجلة.
وقلوباً لم تكن ترغب في الرحيل.
وحملت شيئاً لا يُرى…
فقد حملت هذه الحقائب وطناً كاملاً، في حقائب صغيرة… ضاق بأبنائه، ولم يضق بهم حبهم له.
لكن السودانيين لم يغادروا وطنهم لأنهم أحبوا الغربة.
فمنهم من خرج يوماً يحمل خبرته، ليشارك في بناء أوطانٍ أخرى، ثم يعود إلى وطنه محمّلاً بالتجربة والحنين.
ومنهم من غادر لاحقاً بحثاً عن فرصة حياةٍ أفضل، وهو يعلّق على باب قلبه حلم العودة.

ثم جاءت الحرب…
فصار كثيرون يرحلون، لا لأن الغربة كانت خيارهم، بل لأن البقاء نفسه أصبح معركةً يومية، وأصبح الرحيل، في نظرهم، أقل قسوةً من الانتظار.
حين كان السوداني يُستدعى… ولا يُهاجر:
كان موظف الجوازات في مطار الخرطوم يبتسم وهو يختم جواز السفر.
وكانت الأم تمسح دمعتها بطرف ثوبها، ثم تقول وهي تحاول أن تبدو مطمئنة:
“لا تطوّل الغيبة يا ولدي.”
وكان الابن يبتسم بثقة، ويجيبها بالجملة التي حفظها السودانيون جيلاً بعد جيل:
“سأعود قريباً… إنها سنوات قليلة فقط.”
لم يكن أحد يومها يشعر أنه يغادر وطنه.
كان الجميع يعتقد أن الرحيل محطة، وأن العودة هي الموعد الحقيقي.
كانت الطائرة تقلع…
ويبقى السودان في القلب، كما بقي دائماً.

لم يكن السوداني في سبعينيات القرن الماضي يطرق أبواب العالم باحثاً عن فرصة عمل.
بل كانت الفرص هي التي تبحث عنه.
وكان الطبيب السوداني اسماً يبعث على الثقة أينما حل.
وكان المعلم السوداني عنواناً للعلم والانضباط.
وكان المهندس، والقاضي، والضابط الإداري، والصحفي، والمحاسب، والأستاذ الجامعي، يحملون معهم سمعةً صنعتها سنوات طويلة من التعليم الرصين، والخبرة، والاستقامة المهنية والأمانة.
لم تكن تلك السمعة تُمنح بالمجاملة…
بل كانت تُكتسب بالعمل.
ولهذا لم يكن غريباً أن تستعين دول الخليج، وليبيا، واليمن، وغيرها من الدول العربية، بآلاف الكفاءات السودانية في مراحل تأسيس مؤسساتها الحديثة، وأن تسند إليهم مسؤوليات كبيرة في التعليم، والإدارة، والقضاء، والهندسة، والطب، والبلديات، وسائر أجهزة الدولة.
لم يكن السوداني يذهب ليبحث عن مكان بين الناس…
بل كان يذهب لأن مكانه كان ينتظره.
وكان السودان، في تلك السنوات، ينظر إلى الاغتراب نظرةً مختلفة تماماً.
لم يكن الرحيل هروباً من وطن ضاق بأبنائه.
بل كان امتداداً طبيعياً لدور ظل السوداني يؤديه أينما حل.
كان يغادر وهو يعلم أن خلفه بيتاً ينتظره.
وأرضاً يعرفها.
وأهلاً يحصون الأيام حتى يعود.
ولذلك بقيت كلمة “العودة” جزءاً من عقد السفر، حتى وإن لم تُكتب في أوراقه.
ولم يكن ذلك الشعور وليد الحنين وحده، بل كانت له أرضٌ يقف عليها.
فقد كان السودان يومها يرسل أبناءه لأن العالم كان يطلب خبرتهم، لا لأنه عجز عن احتوائهم.
وكان الاقتصاد السوداني يعكس صورةً تختلف كثيراً عما عرفته الأجيال اللاحقة.
ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي بلغ الجنيه السوداني، وفق سعر الصرف الرسمي الثابت آنذاك، قيمةً ثلاث دولارات أمريكية، في واحدة من أقوى مراحل العملة الوطنية في أفريقيا والمنطقة عامة.
ولم تكن قوة الجنيه مجرد رقم في دفاتر المصارف، بل كانت انعكاساً لدولة تمتلك اقتصاداً مستقراً، وجهازاً إدارياً وتعليمياً جعل أبناءها مطلوبين في أنحاء المنطقة، قبل أن يصبحوا، بعد عقود، يبحثون هم أنفسهم عن فرصة عمل أو ملاذ آمن.
ولهذا كان السوداني يحمل جواز سفره وهو يعرف قيمة نفسه…
وقيمة ما تعلمه…
وقيمة الوطن الذي جاء منه.
وحين بدأت النهضة العمرانية والإدارية في عدد من دول الخليج، لم تكن أسماء السودانيين مجرد أسماء في كشوفات الموظفين، بل أصبحت جزءاً من قصة البناء نفسها.
ولم يكن حضورهم حضور عمالة تبحث عن رزق، بل حضور خبرات استُدعيت للمشاركة في تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة.

في الإمارات، أسهمت كفاءات سودانية منذ البدايات، في التخطيط والإدارة والعمل البلدي؛ فكان المهندس كمال حمزة من أبرز من قادوا العمل التنفيذي في بلدية دبي لعقود طويلة، وكان المهندس السني بانقا من أوائل من تولوا إدارة بلدية أبو ظبي، ثم جاء الأستاذ أحمد عوض الكريم ليواصل الإسهام في تطوير جهازها الإداري ومرافقها.

وتبقى العبارة المنسوبة إلى الشيخ زايد: ” أبغي دبي تصير مثل الخرطوم”، بما تحمله من دلالة رمزية، جزءاً من الذاكرة المتداولة التي تعبّر – مهما اختلفت الروايات حول ألفاظها الدقيقة – عن المكانة التي كانت تحظى بها الخبرة السودانية في تلك المرحلة، وعن الإعجاب الذي تركته الخرطوم، يوم كانت إحدى أكثر مدن المنطقة تنظيماً وتخطيطاً.

ولم تكن هذه النماذج سوى جزء من جيل كامل من السودانيين الذين شاركوا في بناء المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمحاكم، والوزارات، والبلديات، وشركات الهندسة، ووسائل الإعلام، في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان، واليمن، وليبيا، وغيرها.
كانوا يبنون أوطاناً أخرى…
لكنهم لم يتوقفوا يوماً عن حمل وطنهم معهم.
وكان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم… لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى العالم.
ولعل أجمل ما ميّز ذلك الجيل أنه لم يكن يعد سنوات الغربة أعماراً ضائعة.
كان يعدها استثماراً في العودة.
كان يبني بيتاً، حجراً فوق حجر.
ويشتري قطعة أرض.
ويزرع نخلة.
ويرسل حوالة شهرية.
ويؤجل كثيراً من رغباته الشخصية، لأنه كان يرى مستقبله الحقيقي هناك…
في السودان.
ولذلك لم تكن البيوت التي شُيدت في المدن والقرى مجرد مبانٍ من الطوب والأسمنت.
كانت رسائل حب طويلة، كتبها المغتربون إلى وطنهم بلغة الصبر والعمل.

لكن الزمن لا يبقى على هيئة واحدة.
فالحقائب التي كانت تحمل يوماً عقد عمل، وبعض الثياب، وصور الأسرة، وعنوان البيت…
ستحمل بعد عقود أشياء مختلفة تماماً.
وحين تغيّر معنى الرحيل…
تغيّر معه كل شيء.
ولم يعد السفر بداية طريق العودة…
بل صار، عند كثيرين، بداية حكاية أخرى.

حين أصبحت الغربة مشروع عمر:
في كل إجازة…
كانت الحقائب تعود ممتلئة بالهدايا.
وتغادر ممتلئة بالدعوات.
كان الأطفال ينتظرون حقائب آبائهم أكثر مما ينتظرون آباءهم.
ففي داخل تلك الحقائب كانت تختبئ ألعاب صغيرة، وساعات يد، وعطور، وقطع شوكولاتة، وأقمشة جديدة للأعياد، ورسائل محبة حملتها المسافات قبل أن تحملها الطائرات.
وكانت البيوت السودانية تعرف موعد الإجازات قبل أن تعرفه المطارات.
فالفرحة تبدأ قبل أسابيع، والعد التنازلي يبدأ منذ أن تصل رسالة قصيرة تقول:
“موعد الوصول يوم الخميس.”
ومع مرور السنوات…
لم تعد الغربة رحلة قصيرة كما وعد أصحابها في بداياتها.
صارت تمتد عاماً بعد عام.
ثم عقداً بعد عقد.
حتى اكتشف كثير من السودانيين أن أعمارهم تمضي بين إجازة وأخرى.
كانوا يظنون أنهم يؤجلون العودة قليلاً…
لكن الحياة كانت تؤجلها أكثر.

وفي الثمانينيات، ثم التسعينيات، تغيّر معنى السفر مرة أخرى.
لم يعد مجرد مشاركة في بناء مؤسسات الآخرين.
بل أصبح مشروعاً لبناء المستقبل.
كان المغترب يحسب راتبه بالأشهر…
ويحسب أحلامه بالسنوات.
قطعة أرض.
ثم بناء منزل.
ثم تعليم الأبناء.
ثم تزويج الإخوة.
ثم إعالة الوالدين.
ثم مسؤوليات لا تنتهي.
وكان كل إنجاز يتحقق هناك…
يرتبط بحلم صغير ينتظر صاحبه هنا.
كبرت المدن السودانية بأموال المغتربين.
وفي أحياء كثيرة، كانت البيوت الجديدة تُعرف باسم صاحبها الغائب.
فيقال: “هذا بيت فلان القادم من السعودية.”
أو: “ذلك منزل المهندس الذي يعمل في الإمارات.”
أو: “هنا يبني الطبيب العائد من قطر.”
كانت الحجارة تُرفع في صمت…
لكنها كانت تنطق بقصة عمرٍ كامل من الصبر.
ولم تكن الحوالات المالية مجرد أرقام تدخل البنوك.
بل كانت شرياناً امتد بين المغترب وأسرته، يحمل مصروف المدارس، وعلاج المرضى، ونفقات الجامعات، ومصاريف الزواج، وأحياناً قوت شهر كامل.
لكن الغربة، وهي تمنح الإنسان فرصة البناء، كانت تأخذ منه أشياء لا تُشترى.
فاتته موائد الجمعة.
وأعياد كثيرة.
وجنازات أحبّة لم يستطع وداعهم.
وأفراح أبناءٍ لم يشهدوا طفولتهم كاملة.
وكبر الأبناء، بينما ظل الآباء يطاردون موعد العودة.
وكانت السنوات تمرّ أسرع من كل الخطط.
وهنا بدأت المفارقة الكبرى.
فالبيت الذي بُني ليكون خاتمة الغربة… صار سبباً في إطالتها.
كلما اقترب موعد العودة، ظهرت مسؤولية جديدة.
جامعة.
زواج.
قرض.
التزام آخر.
فيؤجل المغترب قراره مرةً أخرى، وهو يقول لنفسه: “سنة واحدة فقط… ثم أعود.”
لكن تلك السنة كانت كثيراً ما تتحول إلى سنوات.
ومع مرور الزمن، لم تعد الغربة تغير مكان السكن فقط.
بل بدأت تغيّر شكل الحياة نفسها.
الأطفال الذين غادروا صغاراً…
لم يعودوا يرون السودان بالعين التي كان يراه بها آباؤهم.
كبروا بين مدارس مختلفة.
ولهجات مختلفة.
وأصدقاء مختلفين.
وأصبح سؤال العودة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ولم يعد الأب وحده هو الذي يقرر.
بل صار المستقبل نفسه يطرح أسئلته الصعبة.
كان السودانيون ما يزالون يحملون وطنهم في حقائبهم…
لكن الحقائب أصبحت أثقل.
لا لأنها امتلأت بالأشياء…
بل لأنها امتلأت بالسنوات.

وهكذا…
بينما كان المغترب القديم ما يزال يؤجل العودة عاماً بعد عام…
كان جيل جديد يولد بعيداً عن السودان، ويكبر وهو يعرف الوطن من حكايات الآباء، وصور الألبومات، ومكالمات الأعياد.
حين كبر الأبناء… وصغرت فكرة العودة:
في مساءات كثيرة…
كان الأب يجلس في شرفة المنزل، يتحدث بحماس عن السودان.
يحكي عن النيل.
وعن المدرسة الأولى.
وعن سوق المدينة.
وعن شجرة النيم التي كانت تظلّل باب البيت.
وكان الأبناء ينصتون باهتمام…
لكنهم كانوا يعرفون تلك الأماكن كما تُعرف المدن في الروايات.
يسمعون عنها…
ولا يعيشونها.
ومع مرور الأعوام…
كبر الأبناء.
لكن السودان ظل في أعين كثيرٍ منهم، مكاناً يزورونه في الإجازات، لا وطناً عاشوا تفاصيله اليومية.
كانت طفولتهم في مدارس أخرى.
ولغتهم اليومية تمتزج بلهجات البلدان التي نشأوا فيها.
وأصدقاؤهم هناك.
وأحلامهم هناك.
ومستقبلهم أيضاً.
أما الآباء…
فلم يتغير شيء في داخلهم.
ظل السودان بالنسبة إليهم بداية الحكاية ونهايتها.
وكانوا يؤجلون العودة عاماً بعد عام، وهم يعتقدون أن أبناءهم يحملون الحلم نفسه.
لكن الزمن كان يكتب حكاية مختلفة.
جاء اليوم الذي سأل فيه بعض الآباء أبناءهم:
“ما رأيكم أن نعود نهائياً إلى السودان؟”
ولم يكن الصمت الذي أعقب السؤال صمت اعتراض…
بل صمت حيرة.
فالوطن الذي يسكن ذاكرة الأب…
كان بالنسبة للابن صورةً جميلة، لكنه ليس المكان الذي تكوّنت فيه حياته.
هناك جامعته.
وهناك عمله.
وهناك أصدقاؤه.
وهناك أول أحلامه.

وهكذا…
لم تعد العودة قراراً فردياً.
بل أصبحت معادلةً معقدة، تتداخل فيها الأسرة، والتعليم، والعمل، ومستقبل الأبناء.
وللمرة الأولى، اكتشف كثير من المغتربين أن الغربة التي بدأوها وحدهم…
أصبحت حياةً كاملة لغيرهم.
ولم يكن هذا التحول خسارةً لأحد.
ولم يكن انتصاراً لأحد.
بل كان ذلك قانون الزمن.
فالطفل الذي وُلد بعيداً عن السودان، لا يستطيع أن يتذكر شوارع لم يمشِ فيها.
ولا أن يشتاق إلى بيت لم يعش فيه.
ولا أن يحنّ إلى صباحات لم يعرفها.
أما الأب…
فكان يحمل وطنه في ذاكرته كل يوم.
وكان يندهش، في كل مرة، عندما يكتشف أن أبناءه يحملونه في قصصه فقط.
ورغم ذلك…
حدث شيء جميل.
ظل السودان حاضراً داخل البيوت.
في رائحة القهوة.
وفي الكسرة التي تصر الأمهات على إعدادها.
وفي الأغاني القديمة.
وفي مكالمات الأعياد.
وفي الدعوات التي تبدأ دائماً بـ: “الله يرد الغربة.”
كان الوطن يتراجع على الخرائط…
لكنه كان يتقدم داخل الذاكرة.
ولعل أجمل ما في الإنسان السوداني أنه لم يورّث أبناءه الخوف من الوطن…
بل ورّثهم محبته.
حتى الذين لم يعيشوا فيه، كانوا يعرفون أسماء مدنه، ويحفظون لهجته، ويبتسمون كلما سمعوا أغنيةً سودانية أو التقوا سودانياً لا يعرفونه.
لقد نجح الآباء في أن ينقلوا لأبنائهم شيئاً أكبر من المكان…
نقلوا إليهم الإحساس بالانتماء.

وفي إحدى الأمسيات…
قال أبٌ سوداني لابنته وهو يحدثها عن الوطن:
“يوماً ما… سنعود.”
ابتسمت ابنته، ثم سألته في هدوء: “نعود إلى أين يا أبي؟”
قال: “إلى السودان.”
فسكتت قليلاً، ثم قالت: “لكن… كيف ولماذا نعود؟”
أنا…
لا أشعر بأني في غربة، فأنا أصلاً لم أغادر شيئاً.
أنا وُلدت هنا…
ودرست هنا…
وأصدقائي هنا…
وهذا هو الوطن الوحيد الذي عرفته.
يقول الأب…
وجمت ولم أجد جواباً.
حينها أدرك، للمرة الأولى، أن الغربة التي عاشها عمره كله…
لم تعد غربة أبنائه، فقد كانت غربة روحه وجسده.

لكن الزمن، الذي كان ينسج هذه الحكايات بهدوء، كان يخبئ مفاجأة لم تخطر على بال أحد.
فبينما كان المغترب القديم يناقش أبناءه في موعد العودة…
كانت الحرب تقترب من الوطن.
وفي لحظة واحدة…
تغيّر السؤال كله.
لم يعد السؤال: “متى نعود؟”
بل أصبح: “هل نستطيع أن نعود؟”
وهنا…
تنقلب الحكاية كلها.
ويبدأ الوضع الأكثر وجعاً وألماً…
حين أصبح الوطن نفسه يغادر أبناءه:
ثم جاءت الحرب، ولم يخرج الناس من الوطن… بل خرج الوطن معهم.
هذه المرة…
لم يكن أحد يودع المسافرين في المطارات.
بل كان الجميع يهربون منها.
لم تعد صالات المغادرة تمتلئ بالورود والابتسامات.
ولم يعد المسافر يَعِد أمه بأنه سيعود بعد عامين.
ولم يعد الأب يوصي أبناءه بالاجتهاد حتى يعود إليهم محملاً بالهدايا.
هذه المرة… كان كل شيء مختلفاً.

في صباحٍ واحد…
استيقظ السودانيون على حرب.
واستيقظ معها ملايين السودانيين على سؤال لم يعرفوه من قبل:
إلى أين نذهب؟
لم يعد السؤال عن الراتب.
ولا عن عقد العمل.
ولا عن الجامعة.
ولا عن تحسين مستوى المعيشة.
بل أصبح السؤال أكثر بساطة…
وأكثر قسوة.
أين نجد مكاناً آمناً لنعيش؟
ومنذ ذلك اليوم…
لم تعد الغربة تبدأ عند بوابة المطار.
بل بدأت عند باب المنزل.
حين خرجت أسرٌ كثيرة وهي تظن أنها ستعود بعد أيام.
فأغلقت الأبواب خلفها دون أن تدري أنها ربما لن تراها مرةً أخرى.
ترك الناس وراءهم الأثاث…
والصور…
والكتب…
وشهادات الميلاد…
وألعاب الأطفال…
وأشجار الليمون التي غرسوها بأيديهم.
تركوا أشياء لا تُشترى بالمال…
لأن الإنسان، حين يهرب من الموت، لا يحمل إلا ما يستطيع حمله.

أما العمر كله…
فقد بقي هناك.
ولأول مرة في تاريخ الاغتراب السوداني…
خرج الطبيب مع مريضه.
وخرج الأستاذ مع تلاميذه.
وخرج التاجر بعدما أغلق متجره إلى أجلٍ غير مسمى.
وخرج الطفل قبل أن يحفظ اسم مدرسته.
وخرج الشيخ تاركاً المسجد الذي صلى فيه عشرات السنين.
لم تكن الحرب تفرّق بين الناس.
كانت تقتلعهم جميعاً من جذورهم.
وهكذا…
التقت حكايتان ظلتا تسيران متوازيتين لعقود.
المغترب القديم… الذي ظل يؤجل العودة عاماً بعد عام.
والمواطن الذي لم يفكر يوماً في مغادرة السودان.
وفجأة…
وجد الاثنان نفسيهما يقفان في الطابور نفسه.
يحملان الحقيبة نفسها.
وينتظران المصير نفسه.
ولم يعد الاغتراب يعني عبور الحدود فقط.
فكثيرون أصبحوا غرباء داخل وطنهم.
نزحوا من مدينة إلى أخرى.
ومن ولاية إلى أخرى.
ومن مدرسة إلى مركز إيواء.
ثم إلى بيت قريب.
ثم إلى مدينة جديدة.
حتى صار بعض السودانيين يحملون عنواناً جديداً كل بضعة أشهر.
كأن الوطن نفسه أصبح يتنقل معهم.

وتبدلت معاني الكلمات.
كان الناس يقولون يوماً: “سافر.”
فكانت الكلمة تعني عملاً.
ثم أصبحت تعني دراسة.
ثم أصبحت تعني مستقبلاً.
أما اليوم… فقد أصبحت تعني النجاة.
وهنا اكتمل التحول الكبير الذي بدأ قبل نصف قرن.
في السبعينيات كان الرحيل شهادة نجاح.
وفي الثمانينيات كان الرحيل مشروع بيت.
وفي التسعينيات كان الرحيل مشروع مستقبل.
ثم أصبح الرحيل محاولةً لإنقاذ الأسرة.
ثم أصبح نجاةً من الحرب.
الرحيل واحد…
لكن معناه تغيّر خمس مرات.
ومع ذلك…
لم يحمل السودانيون معهم الكراهية.
حملوا أسماء مدنهم.
وحملوا لهجتهم.
وحملوا عاداتهم.
وحملوا قهوتهم.
وحملوا قدرتهم العجيبة على أن يصنعوا مجتمعاً جديداً أينما حلّوا.
وكأن الوطن، حين ضاقت به الأرض…
اختار أن يعيش داخل أبنائه.
ومن قلب هذا الألم… ولدت حكايات أخرى.
حكايات أناس بدأوا من الصفر مرةً ثانية.
وأطباء فتحوا عيادات في المنافي.
ومعلمين عادوا إلى الفصول من جديد.
وشباباً صنعوا أعمالاً صغيرة من لا شيء.
وأمهاتٍ حوّلن البيوت المؤقتة إلى أوطانٍ مؤقتة، حتى لا يشعر الأطفال أن العالم كله قد انهار.

وهنا…
وسط الركام…
بدأ السوداني يكتب فصلاً جديداً من حكايته.
ليس بعنوان الحرب…
بل بعنوان الإنسان.
الوطن الذي يسكن الناس:
بعد كل هذه الرحلة…
يكتشف الإنسان حقيقةً لم يكن ينتبه إليها وهو يعيشها.
أن الأوطان لا تسكن الخرائط وحدها.
بل تسكن الناس.
قد يغادر الإنسان مدينته…
وقد يبيع بيته…
وقد يحمل جواز سفرٍ آخر…
وقد يتعلم لغةً أخرى…
لكن هناك أشياء لا تعرف الهجرة.
تبقى في مكانها…
وتبقى معه.
في الوقت نفسه.
يبقى صوت الأم…
وهي تنادي أبناءها عند المغيب.
ويبقى دعاء الأب وهو يودع ابنه عند باب السفر.
ويبقى مذاق أول فنجان قهوة في صباحات الجمعة.
ويبقى طعم الكسرة الساخن.
ورائحة العصيدة.
وصوت الملاعق في صينية الشاي.
ويبقى ظل شجرة النيم… حين كان الأطفال يهربون إليها من شمس الظهيرة.
ويبقى النيل… حتى عند الذين يعيشون بعيداً عنه آلاف الكيلومترات.
فليس كل من اشتاق إلى النيل…
كان يشتاق إلى الماء.
بل كان يشتاق إلى نفسه…
حين كانت الحياة أبسط.
والوطن… ليس البيت وحده.
كم من بيتٍ بقي واقفاً… وغادره الوطن.
وكم من إنسانٍ فقد بيته… وظل يحمل وطنه في قلبه.
والوطن…
ليس جواز السفر.
فكم من إنسانٍ غيّر جنسيته…
ولم يغيّر انتماءه.
وكم من طفلٍ وُلد بعيداً…
لكن قلبه يخفق كلما سمع أغنيةً سودانية…
أو رأى علماً سودانياً…
أو التقى سودانياً يناديه: “يا زول.”
والوطن…
ليس قطعة الأرض فقط.
بل رائحة المطر الأولى.
وصوت المؤذن في الحي القديم.
والجلسات التي لا موعد لها.
والأبواب التي لا تحتاج إلى استئذان.
والجيران الذين يعرفون أسماء الأطفال جميعاً.
والنساء وهن يتبادلن أطباق الطعام عبر “النفاج”.
والجيران الذين يختلفون كثيراً…
ثم يجلسون مساءً يشربون الشاي معاً.

ولعل أكثر ما يخيف الإنسان…
ليس أن يفقد وطنه.
بل أن يخاف، مع مرور الزمن، من أن يفقد تفاصيله.
أن ينسى شكل الأزقة.
ورائحة الأسواق.
وأسماء الأشجار.
ولهجة الباعة.
وطعم الماء في مدينته.
لذلك…
كان السودانيون، أينما ذهبوا، يحملون معهم ما يستطيع مقاومة النسيان.
أغنيةً.
أو صورةً.
أو مسبحةً قديمة.
أو مفتاحاً صدئاً…
لبابٍ قد لا يُفتح مرةً أخرى.

ولذلك أيضاً…
لم تكن الحقيبة، في رحلة السوداني، مجرد وعاءٍ للملابس.
كانت صندوق ذاكرة.
كل شيءٍ فيها يقول: “سنعود.”
حتى الذين كانوا يعرفون، في أعماقهم، أن العودة قد تطول…
ظلوا يرتبون حقائبهم كما لو أن الغياب أسبوعاً واحداً… (وأنا أحدهم).
وربما لهذا السبب…
كلما سأل أحدهم مغترباً سودانياً: “من أين أنت؟”
لم يكن يجيب باسم الدولة التي يقيم فيها.
بل يقول، بفخرٍ لا تضعفه السنون: “أنا من السودان.”
ثم، بعد لحظة صمت، يضيف اسم مدينته.
وكأن المدن، هي الأخرى، تسكن داخل الناس.

هناك من يقول:
من الأبيض.
ومن الخرطوم.
ومن دنقلا.
ومن كسلا.
ومن مدني.
ومن نيالا.
ومن سنجة.
ومن الفاشر.
ومن أم درمان.
ومن كوستي.
ومن بورتسودان.
ومن بارا…
المدينة التي كلما ذُكر اسمها، عاد إلى أهلها طعم الليمون، وظل النيم، وجمال رمالها وتلالها وأصوات الذين غابوا، ووعد الذين بقوا بأن الخراب لن تكون له الكلمة الأخيرة.

لقد حمل السودانيون الوطن في حقائبهم…
ثم اكتشفوا، بعد رحلة العمر كلها…
أن الحقائب لم تكن تحمل الوطن.
بل كان الوطن هو الذي يحملهم.
يحمل لغتهم.
وأخلاقهم.
وصبرهم.
وضحكتهم التي تولد، أحياناً، في قلب المأساة.
ويحمل قدرتهم العجيبة على أن يبدأوا من جديد…
كلما ظن العالم أنهم انتهوا.
ولذلك…
فإن هذه الحكاية ليست عن الهجرة.
ولا عن الحرب.
ولا عن الغربة.
إنها حكاية شعب.
تغيّرت أسباب رحيله… لكن لم يتغير معدنه.
وتبدلت طرقه… لكن لم يتبدل قلبه.
وتكسرت بيوته… لكن لم تنكسر روحه.
وسيأتي يوم…
تُغلق فيه آخر خيمة نزوح.
ويعود الأطفال إلى مدارسهم.
ويجلس الآباء أمام بيوتهم من جديد.
وتعود القهوة لتفوح في صباحات المدن.
وتعود الضحكات إلى الشوارع التي أنهكها الصمت.
وحينها…
سيكتشف السودانيون أن الوطن لم يكن ينتظرهم في المكان فقط…
بل كان ينتظرهم في داخلهم.
وسيعودون…
لا لأن الطريق كان سهلاً.
بل لأن الأوطان، مهما ابتعدت، تعرف دائماً كيف تعيد أبناءها إليها.
إلى الذين حملوا الوطن في حقائبهم…
إذا وصلتم إلى هذه السطور…
فاعلموا أن هذا المقال لم يُكتب عنكم…

بل كُتب لكم.
ولم يكن محاولةً لتوثيق نصف قرنٍ من الاغتراب السوداني فحسب، بل محاولةً لحفظ شيءٍ من الذاكرة، قبل أن تذروها رياح العمر، وتبتلعها المنافي، ويختلف الأبناء على أسماء الأماكن التي كنا نحفظها عن ظهر قلب.

لقد علّمتنا الغربة أشياء كثيرة…
علّمتنا أن البيوت يمكن أن تُبنى في أي مدينة…
لكن الوطن لا يُبنى إلا في القلب.
وعلّمتنا أن جوازات السفر قد تتبدّل…
لكن اللهجة التي نادى بها آباؤنا أسماءنا، لا تتبدّل.
وأن الإنسان قد يتعلّم لغةً جديدة…
لكن أول كلمة خرجت من فمه باكياً ستظل هي اللغة التي يعود إليها حين ينكسر.
الوطن…
ليس خريطةً تُعلَّق على جدار.
ولا علَماً يُرفع في مناسبة.
ولا بيتاً من الطوب والإسمنت.
الوطن…
شجرةُ نيمٍ تعرف ظلَّك.
وشجرةُ ليمونٍ تعرف يدَ من زرعها.
وشارعٌ يحفظ وقع خطواتك.
وجارٌ يطرق بابك دون موعد.
وصوتُ مؤذنٍ تعرفه قبل أن يبدأ الأذان.
ورائحةُ قهوةٍ تتسلّل من بيت أمّك مع أول الصباح.
ولهجةٌ لا تحتاج إلى ترجمة…
لأنها تصل إلى القلب قبل الأذن.

ولهذا…
حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم… اكتشفوا أن الحقائب كانت أصغر من أن تتسع لكل ذلك.
تركوا البيوت… لكن البيوت لم تتركهم.
وغادروا الشوارع… لكن الشوارع ظلّت تمشي معهم.
وسافروا آلاف الكيلومترات…
لكنهم كانوا، كلما رأوا شجرةً تشبه النيم…
أو سمعوا أغنيةً قديمة…
أو شمّوا رائحة المطر…
عادوا إلى السودان، ولو لدقيقة واحدة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية…
أن الوطن، رغم كل ما أصابه… ما زال يسكن أبناءه.
ولذلك…
سيأتي يومٌ يحمل فيه السوداني حقيبته مرةً أخرى…
لكن هذه المرة…
لن يبحث فيها عن وطن.
بل سيعود بها…
إلى وطنٍ ظل ينتظره…
كما تنتظر الأمُّ ولدها، مهما طالت الغيبة.
وحين يحدث ذلك…
ويعود السودانيون يوماً…
لن تكون العودة انتصاراً لمن غادر، ولا هزيمةً لما مضى.
ستكون عودة الإنسان إلى نفسه.
وسيكتشفون أن الحقائب بعد رحلة العمر كلها، لم تكن تحمل وطناً.
بل كانت تحمل الشوق إليه.

أما الوطن…
فقد ظل، طوال هذه الرحلة الطويلة، يحمل أبناءه في قلبه، حتى يعودوا إليه.

✍️ عادل ود سهل
الدوحة – الاثنين 10 أغسطس 2026

Author
عادل ود سهل

عادل ود سهل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
فلنهب لتخليص البلاد من الصراع الأيديولوجي والسياسي .. بقلم: أحمد كمال الدين
منبر الرأي
جمال محمد ابراهيم: المشهد الثقافي العربي ينقصه الإسهام السّوداني
الأخبار
القوات المسلحة تعلن تحرير مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق عنوةً واقتداراً
منشورات غير مصنفة
كترتوا المحلبيه .. بقلم: بابكر سلك
الأخبار
مقتل القائد العسكري للجماعة المتشددة بالدندر وفريق للتحقيق تحت إشراف لواء

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مشاكل الشباب السودانى ومعوقات مشاركته في الحياة العامة .. بقلم: د.صبري محمد خليل

د. صبري محمد خليل
منبر الرأي

مجلس القتلة والسلطة المدنية: الثورة هي الحل! .. بقلم: محمد عثمان (دريج)/هاملتون

طارق الجزولي
منبر الرأي

عرض و تقديم كتاب: “عصر البطولة في سنار”(1) .. بقلم: د. محمد عبدالله الحسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

النظام الخالف .. آخر أطروحات الترابي … بقلم: د. عمر بادي

د. عمر بادي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss