منبر نور
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
المال الذي نراه… والوقت الذي لا نحسبه
هناك خسائر اقتصادية نراها بسهولة: مصنع متوقف، آلة معطلة، شحنة لم تصل، مشروع تجاوز موازنته، أو سلعة ارتفع سعرها
. وهناك خسائر أخرى تحدث أمام أعيننا كل يوم، لكننا لا نسجلها في دفاتر الحسابات، وربما لا نسميها خسائر أصلاً. إنها الساعات التي تضيع في الانتظار.
ننتظر موافقة، ثم توقيعاً، ثم تمويلاً، ثم وصول معدة، ثم تخليصاً جمركياً، ثم اتصالاً، ثم قراراً. وقد ينتهي يوم كامل في طابور أو أسبوع كامل في مكتب أو شهور في دورة إجرائية. وبعد ذلك نقول ببساطة: «لم يحدث شيء».
لكن شيئاً حدث بالفعل.
لقد استُهلك وقت كان يمكن أن ينتج قيمة.
وهنا يبدأ السؤال الذي يقودنا إلى هذه المقالة: هل يمكن أن يكون الانتظار نفسه مورداً اقتصادياً له قيمة، وأن يكون ضياعه نوعاً من إهدار رأس المال؟
هذا السؤال ليس من ابتكارنا وحدنا. فقد اختار الاقتصاديان ليلاند ب. ييغر وستيف هـ. هانكي في كتابهما Capital, Interest, and Waiting: Controversies, Puzzles, and New Additions to Capital Theory، الصادر عن Palgrave Macmillan عام 2024،
أن يضعَا «الانتظار» في قلب نظرية رأس المال. يقع الكتاب في 367 صفحة، ويخصص فصلاً صريحاً لفكرة «الانتظار كعامل من عوامل الإنتاج والفائدة كسعر له».
وفي الاتجاه الآخر يأتي كتاب Time Use in Economics، الذي حرره دانيال س. هامرميش وسولومون و. بولاتشيك، وصدر عن Emerald عام 2023 في 296 صفحة. ينطلق الكتاب من تقليد اقتصادي أوسع يرى أن الوقت ليس مجرد وعاء تحدث داخله الأنشطة الاقتصادية، وإنما مورد له قيمة، وأن طريقة استخدام الإنسان لوقته تكشف كثيراً عن العمل والرفاه والإنتاجية والفرص الاقتصادية.
الكتابان مختلفان في المدخل، لكنهما يلتقيان عند نقطة شديدة الأهمية: الاقتصاد لا يدور حول المال وحده؛ إنه يدور أيضاً حول الزمن الذي نستهلكه ونحن نحول الموارد إلى نتائج.
من أين يأتي سعر الانتظار؟
نحن معتادون على التفكير في الفائدة باعتبارها ثمناً للاقتراض. فإذا اقترض شخص مالاً، دفع فائدة. وإذا أقرض بنك عميلاً، حصل على عائد.
لكن ييغر وهانكي يدفعان الفكرة إلى مستوى أعمق: الفائدة يمكن فهمها باعتبارها سعراً للانتظار.
لماذا؟
لأن الإنسان الذي يمتلك مورداً اليوم ويؤجل استخدامه إلى المستقبل يتحمل بعداً زمنياً. والمشروع الذي يضع أموالاً في مصنع اليوم لكي يحصل على إنتاج بعد سنوات، لا يشتري آلة ومبنى فقط؛ إنه يدخل في عملية زمنية كاملة.
رأس المال لا يتحول إلى إنتاج في اللحظة نفسها التي يُدفع فيها ثمنه.
وهنا تصبح المسافة بين «الدفع» و«العائد» جزءاً من الاقتصاد.
قد تكون لديك أرض ممتازة، وتمويل متاح، وخطة جيدة، وسوق يحتاج إلى المنتج، ولكن إذا استغرق المشروع ثلاث سنوات قبل أن يبدأ الإنتاج، فإن السنوات الثلاث ليست فراغاً. إنها جزء من تكلفة المشروع.
وهذا يغير طريقة نظرنا إلى التأخير.
فالآلة التي تصل بعد ستة أشهر بدلاً من شهر ليست مجرد مشكلة لوجستية. والتمويل الذي يتأخر عاماً ليس مجرد تأخر مصرفي. والترخيص الذي يستغرق زمناً طويلاً ليس مجرد إجراء إداري. في كل حالة توجد موارد موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى قيمة.
والكتاب الثاني يسأل: ماذا نفعل بوقتنا؟
إذا كان ييغر وهانكي يقتربان من الزمن من باب رأس المال والانتظار، فإن Time Use in Economics يقترب منه من باب استخدام الإنسان للوقت.
وهنا تتسع الصورة.
فالوقت الذي يقضيه العامل في العمل ليس وحده ذا قيمة. والوقت الذي يقضيه المستهلك في الحصول على خدمة له قيمة أيضاً. والوقت الذي تقضيه الأسرة في رعاية الأطفال، أو في الانتقال، أو في البحث عن خدمة، أو في انتظارها، يدخل في قرارات اقتصادية حقيقية حتى إن لم يظهر في فاتورة مالية.
وهذه الفكرة تجعلنا نعيد قراءة كلمة «التكلفة».
فالتكلفة ليست دائماً ما تدفعه من جيبك.
قد لا تدفع شيئاً لكي تنتظر ساعتين، لكنك دفعت من وقتك ساعتين.
وإذا كان هذا الوقت يمكن استخدامه في العمل أو التعلم أو الراحة أو الإنتاج أو رعاية الأسرة، فإن للانتظار تكلفة فرصة بديلة، حتى لو لم تسجلها المحاسبة التقليدية.
وهنا يلتقي الكتابان بطريقة جميلة.
الأول يقول لنا:
انتبهوا إلى الزمن الذي يفصل بين الموارد والنتائج.
والثاني يقول:
انتبهوا إلى الطريقة التي يستخدم بها الإنسان وقته.
وعندما نجمع الفكرتين، تظهر أمامنا فكرة ثالثة: الاقتصاد الذي يهدر الزمن يهدر جزءاً من موارده، حتى لو بدا على الورق أن أمواله ومصانعه وعماله ما زالت موجودة.
طابور صغير… واقتصاد كبير
لنتخيل موظفاً يقضي ثلاث ساعات في انتظار معاملة بسيطة.
قد يبدو الأمر شخصياً وصغيراً. لكن إذا تكرر الأمر على آلاف المواطنين، لم يعد صغيراً.
ولنتخيل شاحنة محملة بسلع تقف أياماً بسبب إجراء أو نقص في مستند. نحن هنا لا نخسر وقت السائق فقط؛ بل نخسر استخدام الشاحنة، ونؤخر وصول السلعة، ونؤخر تحصيل الإيراد، وقد نرفع تكلفة النقل والتخزين، وربما نفقد فرصة سوقية.
ولنتخيل مصنعاً ينتظر قطعة غيار.
المشكلة ليست أن قطعة الغيار لم تصل فقط. المشكلة أن رأس المال الموجود داخل المصنع لم يعد يعمل بكامل طاقته.
وهنا تظهر عبارة ربما تستحق أن تصبح جزءاً من قاموسنا الاقتصادي:
الانتظار قد يكون بطالة مقنعة لرأس المال.
فالأصل الذي لا يعمل بسبب التأخير يشبه، من هذه الزاوية، طاقة إنتاجية موجودة لكنها محجوزة.
ليست كل فترات الانتظار خسارة
لكن علينا ألا نقع في خطأ آخر، فنعتبر كل انتظار هدراً.
فالاقتصاد نفسه يحتاج إلى الزمن.
البذرة تحتاج إلى وقت حتى تصبح محصولاً. والشجرة تحتاج إلى سنوات حتى تصبح أصلاً منتجاً. والطالب يحتاج إلى سنوات من التعليم حتى يتحول التعليم إلى رأس مال بشري. والبحث العلمي قد يحتاج إلى سنوات قبل أن يتحول إلى تقنية تجارية.
إذن هناك فرق جوهري بين الانتظار المنتج والانتظار العقيم.
الأول جزء من عملية خلق القيمة.
أما الثاني فهو الزمن الذي يضاف إلى العملية دون أن يضيف قيمة مقابلة.
المشكلة ليست في أن المشروع يحتاج إلى وقت، وإنما في أن جزءاً من الوقت الذي يحتاج إليه المشروع قد يكون مفروضاً عليه من الخارج بلا ضرورة اقتصادية.
وهذه التفرقة مهمة جداً في الدول النامية؛ لأن الزمن الضائع لا يظهر دائماً كرقم في الموازنة العامة، لكنه يظهر في ضعف الإنتاجية، وارتفاع تكلفة الأعمال، وتأخر الاستثمار، وضعف القدرة على المنافسة.
ماذا يعني ذلك للمشروع الاقتصادي؟
هنا نصل إلى المنطقة التي تهمنا بصورة خاصة: دراسة الجدوى.
دراسة الجدوى التقليدية تسأل عن الأرض، والآلات، والعمالة، والتمويل، والتكاليف، والإيرادات، والسوق، وفترة الاسترداد.
لكن ماذا لو أضفنا سؤالاً آخر:
كم يوماً يحتاج المشروع لكي يتحول من فكرة إلى تدفق نقدي؟
هذا السؤال يبدو بسيطاً، لكنه قد يغير نتيجة الدراسة.
فمشروعان متشابهان في حجم الاستثمار قد لا يكونان متشابهين في القيمة الاقتصادية إذا كان أحدهما يبدأ الإنتاج بعد عام والآخر بعد ثلاث سنوات.
ومشروعان لهما نفس الإيرادات السنوية قد يختلفان في جاذبيتهما الاقتصادية إذا كان أحدهما يستعيد أمواله بسرعة أكبر.
لهذا فإن الزمن ليس مجرد رقم في الجدول المالي. إنه جزء من منطق المشروع نفسه.
وقد تكون زيادة سرعة دوران رأس المال أكثر أهمية أحياناً من مجرد زيادة حجم رأس المال.
السودان… أين يذهب الوقت؟
عندما ننقل الفكرة إلى السودان، لا ينبغي أن نسأل فقط: كم نملك من الموارد؟
السؤال الآخر الذي لا يقل أهمية هو:
كم يستغرق الأمر حتى تتحول هذه الموارد إلى إنتاج؟
لدينا الأرض، ولكن كم يستغرق إعدادها وتمويلها وزراعتها ووصول المدخلات وتسويق المحصول؟
لدينا الموارد المعدنية، ولكن كم يستغرق الانتقال من الاكتشاف إلى الاستثمار إلى الإنتاج والتصدير؟
لدينا مشروعات بنية أساسية، ولكن كم تستغرق الدورة بين القرار والتمويل والتنفيذ؟
لدينا شباب يبحثون عن العمل، ولكن كم من الوقت يضيع بين التعليم والحصول على المهارة المطلوبة ثم الوصول إلى فرصة العمل؟
لدينا أفكار ومشروعات، ولكن كم منها يبقى طويلاً في منطقة «الفكرة» لأن الإجراءات والتمويل والتنفيذ لم تلتقِ في الوقت المناسب؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل التأخير سببه الإدارة أو المؤسسات؛ فالاقتصاد يعمل وسط ظروف أمنية وتمويلية وفنية وأسواق متغيرة. لكنها تعني أن الزمن يجب أن يصبح متغيراً نحلله، لا خلفية صامتة للأحداث.
النيل أيضاً له زمنه
حتى حين نتحدث عن الموارد الطبيعية، فإن قيمتها لا تتحدد بوجودها فقط.
الماء الذي يصل في الوقت المناسب يختلف اقتصادياً عن الماء الذي يتأخر عن موعد الحاجة.
والطريق الذي ينقل المحصول في الوقت المناسب يختلف عن الطريق الذي يجعل المنتج يصل إلى السوق بعد أن تنخفض قيمته.
والطاقة التي تتوفر باستقرار تختلف عن طاقة تأتي بصورة متقطعة فتجبر المصنع على إعادة تشغيل عملياته باستمرار.
من هنا يمكن أن نقرأ نهر النيل ليس فقط باعتباره مورداً مائياً، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة زمنية للإنتاج.
فالماء والزراعة والطاقة والنقل والأسواق لا تعمل منفردة. القيمة الاقتصادية تظهر عندما تتصل هذه العناصر في التوقيت الصحيح.
وهذه ربما واحدة من الزوايا التي تستحق أن تدخل بقوة في تفكيرنا حول مشروعات نهر النيل: ليس المهم فقط ماذا نملك، بل كيف نربط الموارد بالأسواق في الزمن المناسب.
الاقتصاد الذي لا يحسب الانتظار
تجعلنا الفكرتان اللتان خرجنا بهما من الكتابين نعيد النظر في عبارة مألوفة: «تكلفة المشروع».
فربما ينبغي أن نسأل عن تكلفة التأخير إلى جانب تكلفة التنفيذ.
كم يكلف يوم إضافي؟
وكم تكلف سنة إضافية؟
كم رأس مالاً يبقى معطلاً؟
كم فرصة عمل تتأخر؟
كم إيراداً لا يدخل؟
كم ضريبة لا تُحصّل؟
كم منتجاً لا يصل إلى السوق؟
وكم فرصة استثمارية يمكن أن تضيع لأن السوق نفسه لا ينتظر؟
ليس المطلوب أن نحول الاقتصاد إلى سباق سرعة. فالسرعة وحدها ليست كفاءة، وقد يكون التعجيل بمشروع غير ناضج أكثر تكلفة من الانتظار المدروس.
المطلوب هو شيء أكثر دقة:
أن نميز بين الزمن الضروري لخلق القيمة والزمن الذي يضيع دون أن يخلق قيمة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لفكرة «اقتصاد الانتظار».
إنها لا تطلب منا أن نكره الانتظار، بل أن نفهمه.
من المال إلى الزمن
ربما اعتدنا طويلاً أن نسأل عن حجم رأس المال المتاح، وننسى أن رأس المال نفسه قد يفقد جزءاً من قيمته الاقتصادية إذا ظل منتظراً.
وربما اعتدنا أن نسأل كم ينتج العامل في الساعة، ولا نسأل كم ساعة يضيعها العامل قبل أن يبدأ العمل.
وربما حسبنا تكلفة المشروع بدقة، لكننا لم نحسب تكلفة الأشهر التي سبقت تشغيله.
لهذا فإن الدرس الأعمق الذي يمكن أن نخرجه من الكتابين ليس أن الوقت «مهم». هذه عبارة نعرفها جميعاً.
الدرس هو أن الوقت يمكن أن يتحول إلى متغير اقتصادي قابل للتحليل، والانتظار يمكن أن يتحول من حالة نفسية إلى تكلفة وفرصة وإنتاجية ورأس مال.
ومن هنا نعود إلى عنوان المقال.
حين يصبح الانتظار اقتصاداً، لا يعود السؤال: «لماذا تأخرنا؟»
بل يصبح السؤال الأكثر فائدة:
ماذا كان يمكن أن ننتج خلال هذا الوقت؟
ذلك السؤال وحده قادر على تغيير طريقة تصميم المشروعات، وقياس كفاءة المؤسسات، وتحليل الاستثمار، وقراءة الإنتاجية.
وقد لا يكون أفقر رأس مال في الاقتصاد هو المال الذي لا نملكه، وإنما الوقت الذي نملكه ولا نحسن استخدامه.
فالاقتصاد المتقدم ليس فقط الاقتصاد الذي يعرف كيف يزيد موارده، بل الاقتصاد الذي يعرف كيف يقلل المسافة الزمنية بين المورد والنتيجة، وبين الفكرة والتنفيذ، وبين الاستثمار والإنتاج، وبين الإنتاج والسوق.
وهنا يصبح الوقت أكثر من عقارب ساعة.
يصبح رأس مالاً.
ويصبح الانتظار، حين يطول بلا ضرورة، فاتورة لا تصلنا على الورق… لكنها تُدفع من ثروة الاقتصاد.
.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
