دكتور محمد عبدالله
في أزمنة الاضطراب لا يُسأل الفن عن جمال اللحن وحده، ولا عن براعة الكلمات، بل عن الجهة التي يقود إليها الوجدان. فالفن ليس ترفاً يُؤجَّل إلى ما بعد الأزمات، وإنما إحدى الطرق التي ترى بها المجتمعات نفسها وهي تعبر المحن. وحين يفقد هذه القدرة، ويتحول من مساحة للقاء إلى أداة للاستقطاب، تبدأ أزمته الحقيقية، مهما بدا متقناً في شكله أو واسع الانتشار.
الحروب تكشف معادن البشر، لكنها تكشف أيضاً ما تختزنه الثقافة من قوة أو هشاشة. وفي اللحظات التي ينتظر فيها الناس من الفنان أن يخفف شيئاً من وطأة الخوف، وأن يذكرهم بما يجمعهم، يختار بعض الفنانين أن ينخرطوا في خطاب التعبئة، حتى يبدو وكأنهم يؤدون وظيفة أخرى غير تلك التي عُرف بها الفن عبر تاريخه.
وليس هذا جديداً. فقد أدركت الأنظمة، على اختلافها، منذ وقت مبكر أن الأغنية تصل إلى الوجدان أسرع من الخطب، وأن اللحن يبقى في الذاكرة أطول من البيان السياسي. لذلك ظل الفن هدفاً دائماً للاستقطاب، لأن تأثيره يتجاوز تأثير كثير من أدوات السياسة.
غير أن هناك فارقاً واضحاً بين عمل فني يولد من معاناة الناس، وآخر يوظف تلك المعاناة لإنتاج مزيد من الانفعال. الأول يواسي الإنسان، والثاني يحوله إلى وقود لمشاعر الغضب.
وقد شهد السودان، كما شهدت بلدان أخرى مزقتها الحروب، نماذج من هذا التحول. فبدلاً من أن تنقل بعض الأعمال الغنائية ثقل المأساة الإنسانية، اختارت أن تقدم الحرب في صورة بطولية، وأن تمنح الحماسة مساحة أكبر من التأمل، بينما تراجعت أصوات الحزن والأسئلة الصعبة التي تفرضها كل حرب.
وليس المقصود هنا محاكمة أشخاص أو مصادرة حق أحد في التعبير عن موقفه؛ فذلك حق لا خلاف عليه. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: ماذا يبقى من الفن إذا تحول إلى مجرد أداة للتعبئة؟ وهل يستطيع الفنان أن يحتفظ باستقلاله الأخلاقي وهو يشارك في صناعة التهييج والاستقطاب؟
التجارب الإنسانية تقول إن الأعمال التي تعيش طويلاً ليست أكثرها صخباً، بل أكثرها قدرة على ملامسة الإنسان. لذلك بقيت أغنيات الحب والفقد والحنين في الذاكرة، بينما اختفت أعمال كثيرة ارتبطت بظروف سياسية عابرة، وانتهى حضورها بانتهاء تلك اللحظة.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن أزمة الفن أصبحت جزءاً من أزمة ثقافية أوسع. فالانتشار السريع بات، في أحيان كثيرة، أهم من جودة العمل، وعدد المشاهدات أهم من قيمة الفكرة، وإثارة الجدل أكثر ربحاً من إنتاج الجمال.
ولا يقتصر هذا التحول على السودان. فقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي المحتوى المثير للغضب فرصاً أكبر للانتشار، وجعلت كثيراً من الفنانين والإعلاميين أسرى لمنطق التفاعل اللحظي، وهو منطق لا يكافئ الجودة بقدر ما يكافئ الإثارة.
غير أن ذاكرة المجتمعات أكثر عدلاً من ضجيج اللحظة. فما إن تنتهي الحروب حتى تبدأ مراجعة ما قيل وما غُنّي خلالها، وعندها يتبين أن ما بقي في الوجدان ليس الأغنيات التي صفقت للقتال، وإنما تلك التي احتفت بالحياة، وخاطبت الإنسان في ضعفه وخوفه وأمله.
ولا يُطلب من الفنان أن يتخلى عن وطنه أو عن قناعاته، وإنما أن يتذكر أن للفن رسالة تتجاوز اللحظة السياسية. فالأغنية التي تزرع الكراهية قد تحقق رواجاً سريعاً، لكنها نادراً ما تعيش طويلاً.
وربما يكون هذا هو الامتحان الحقيقي للفنان: ليس مقدار التصفيق الذي يحصده في زمن الحرب، بل ما إذا كان عمله سيظل قادراً، بعد سنوات، على مخاطبة إنسان فقد بيته أو ابنه أو ذاكرته. فالفن الذي يربح المعركة ويخسر الإنسان، لا يربح شيئاً في النهاية.
muhammedbabiker@aol.co.uk
