حِراك ديسمبر ٢٠١٨ في السودان: محاولة للفهم واستشراف المستقبل .. بقلم: الغفاري فضل الله السيد

 

١- قد لا تكون هذه الأحداث مفصليةً في تاريخ السودان، ولكنها دون شك ستترك أثرها على هذا النظام الى آخر ما تبقى له من عمر، طالَ هذا العمر فحُسبَ بالسنوات أم قَصُرَ فحُسبَ بالشهور.

٢- لن تختلف طبيعةُ النظام عَن كونه نظام الرجل الواحد: ستستمر ديكتاتورية البشير الذي لا توجد الآن أي سُلطة من أي جهةٍ عليه، لا من الحركة الإسلامية (التي سَمَح لها البشير، بعدَ لأيٍ، بالعودة كجماعة أشبه بالطريقة الصوفية: تجتمع فلا يهتم بها أحد وتنفضُّ فلا يشعرُ بها أحد، تقتات على مال الدولة ومقدراتها ولا قدرة لها البتةَ على البقاء دون هذا الحبل السري)، ولا مِن المؤتمر الوطني (الذي أصبح الآن عبارة عن سكرتارية للرئيس القائد ليس إلا)، ولا مِن أي جهة أخرى… لن يُفرّط الرئيس في السلطة التي هي الآن كاملة بين يديه: وهذا، بالضبط، هو ما سيجعل وقوعه في الأزمات في قادم الأيام أمراً لا مفرّ منه.

٣- أحد البدائل الممكنة أمام البشير، للمناورة وإطالة أمد سلطته، هو محاولة التقارب مع الإسلاميين الغاضبين من ضياع سلطتهم بعد ما عُرف بالمفاصلة، فقد ظهرَ لهم الآن أنهم جميعاً على مركبٍ واحدة وأن الخطرَ عليهم جديٌ وجسيم، لذلكَ سيكون راغباً في إشراكِهم أكثر في مناصب قيادية بالدولة، وهم، بانتهازيتهم المعروفة أو لمجرد غريزة البقاء لديهم، سيقبلون، ولو مرحلياً، هذه المشاركة، إذا لم يحدث، بسبب ضغط الشارع المُتسارع تطور دراماتيكي مُحتمل. ولذلك قد نرى وحدةً شكليةً للإسلاميين.

٤- من الواضح أَن هذه الأَزمة الاقتصادية التي نعيش في ظلها ستطاول، فلا يوجد حتى الآن أي أفُق واضح لحلها ولا خط تصرّف مُعين ولا رؤية محددة المعالم تتبناها الحكومة في شقها التنفيذي لتجاوزها، وهي السببُ المباشر الذي فجّر هذه الاحداث ابتداءً.

٥- ولذلك فان التحدي الذي ظل النظام يواجهه مُنذ العام ٢٠١١ والى الآن سيستمر. فقد ظلّ النظامُ يواجه تحدياً شعبياً بوتائر مُتصاعدة في سبتمبر ٢٠١٣ وفِي نوفمبر ٢٠١٦ وأخيراً في أحداث ديسمبر ٢٠١٨. كان هذا التحدي يَنضجّ في كل مرة ويُطوِّر من أساليبه ويكتسب خبراتٍ جديدة ويرفع من مستويات طموحاته. والآن، مهما بَلَغَ القمعُ الذي مارسه، سيمارسُهُ، النظام على المُحتجين ابتغاء ارهابهم وزجرهم عن القيام بذلك في المستقبل القريب، فلن يكون ناجحاً بحال: فلا السودان اليوم هو سودان ١٩٨٩، ولا السلطة هي ذات السلطة، ولا الجمهور الذي كانت تواجهه هو ذات الجمهور، ولا السياقات الإقليمية والدولية هي ذات السياقات.

٦- يبدو النظامُ الآن مُـعلقاً في الهواء بعد أن تآكلت قاعدتُه الاجتماعية ولَم يَعُد له مِن غطاء مجتمعي، إلا مِن أولئك المستفيدين بصورة مباشرةٍ منه، وما أقلهم! تراجعت قاعدتُـه من الطبقة الوسطى بموت ما سُميَّ ب”المشروع الحضاري” الذي لم ينجح بعد ثلاثين سنة الا في فصل الجنوب واشاعةِ الفَـقر وتدهور الخدمات في كافة القطر. وأغضب طَبَقَة الأفنديةِ هذه كذلك اغلاق باب التطور السياسي واحتمالات تجديد القيادة الذي كان كفيلاً بأن يُعطي الناس أملاً، وإن كان مكذوباً، في التغيير. قَتَلَ هذا الأملَ سعيُ البشير لإعادة انتخابه رئيساً، مما فُهِمَ منه عملياً بقاؤه رئيساً مدى الحياة بذات النهج والسياسات والوجوه، وبالتالي إعادة انتاج ذات الأزمة وسلوك نفس الطريق المسدود واحباط كلّ احتمالات تغيير الواقع التَعِس الذي يعيشه الناس حالياً حتى في المستقبل، وهو، على فكرة، أحد أهم أسباب الهبَّـة الحالية. كما تخلَّـت عنه الطبقة الغنية بسبب التعقيدات التي تعيشها حالياً بسببِ حصار السودان الاقتصادي والمنافسة غير المنصفة التي تجدها هذه الطبقة من الرأسمالية الإسلامية الطفيلية. وتراجعت قاعدتُه الريفية أيضاً بسبب التطورات الاقتصادية التي ضربت الانتاج الاقتصادي التقليدي في الريف عبر السياسات التمويلية والضريبية والمالية والمضاربات وبالحروب والتهميش الذي تستشعره العديد من المناطق.

٧- لذلك، ستكون انتخابات ٢٠٢٠ هي الأسوأ في تاريخ انتخابات السودان قاطبة. فشعور الرئيس بعزلته المتنامية مُجتمعياً وعدم ثقته، التي صرّح بها هو نفسُهُ من قَبل، في المؤتمر الوطني وقدرته على تحقيق النصر الانتخابي له، ستُـترجم كل تلك المخاوف إلى ممارسات عديدة غير ديمقراطية وتزوير، فعلوه من قبل بشهادة الترابي، وربما ممارسات قمعية أخرى، المهم ان تتمخّض ٢٠٢٠ عن فوز الرئيس بأي ثمن، هذا إن قُدَّر لنظامه بلوغ ذلك الأجل طَبعاً.

٨- مما يزيد من احتمالات تصاعد تحدي واختبار الشارع للنظام واستمرار هذين معاً في الشهور والسنوات القليلة القادمة هو بروز ديناميكية جديدة في مقاومة النظام لم نعهدها من قبل: ذَلِكَ أن المناطق المعروفة بالتهابها السياسي ومقاومتها تقليدياً للنظام قد صمتت ولَم تَتَحرّك الى الآن على الأقل، باستثناء مُدن الفاشر وكاس وبُرام، وهي مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. بالمقابل رأينا هذه المرة كيف أن المناطق النيلية الوسطى، والتي هي “المنطقة المخزنية” وصاحبة التأثير التاريخي الأكبر على التطورات السياسية بالسودان وكانت قد دَخَلْت، لفترةٍ طويلة، مُكرهةً غير مختارة، في تحالفٍ صامت مع النظام بسبب خوفها من الخطابات الإثنية الاستقطابية التي تطرحها عادةً قوى الهامش المعارضة للنظام، والتي كانت قد تَبَنتْ العُنف خياراً لتحقيق أهدافها السياسية. ذلكَ أن بعضَ هذه القُوى تتبنى، في الوقت الحالي، رؤىً سياسية “متطرفة” مِن وجهة نَظَر السودان النيلي كان من شأنِها المساس بأُسس الدولة السودانية التقليدية التي نعرفها اليوم. كان لذلك من الصعب جداً تسويق طموحات الهامش هذه في السودان النيلي، لا سيما أن بعضها يَتجاوز بكثيرٍ مُجرّد إسقاط نظام البشير. كان هذا التحالف يقوم على الخدمات المُتبادلة: فمن جهة يغُضَّ المركز النيلي الطرفَ عن كل إخفاقات نظام البشير في مقابل قيام هذا الأخير بالمحافظة على كيان الدولة التقليدي الهَش وحفظ الأمن في معظم مناطق السودان بما يمكن من استمرار الحياة على صعوبتها. إلا أن أزمات النظام السياسية المُتلاحقة وإخفاقاته المُتتالية في المجال الاقتصادي بدت وكأنها قد تجاوزت حد المرونة الذي يمكن للمنطقة النيلية “المخزنية” ان تتحمله، ولذلك فإننا نرى الآن، على الأقل، بداية انفضاض وتفكك ذلك التحالف… إذا لم يكن هذا التحالف قد انفضَّ بالفعل الآن.

ghefariline@gmail.com
/////////////////////

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً