خبيرببب .. بقلم: بروفيسور عبدالرحيم خبير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللغة العربية وثورة الإتصالات : الواقع والمخاطر

بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير*

اللغة هي أداة التواصل بين البشر كما وأنها في ذات الوقت وعاء الفكر والمعرفة ومرآة الهوية الثقافية. وتعتبر اللغة العربية من أعرق اللغات السامية وأغناها أصواتاً وصرفاً ومعجماً. وتنبع أهميتها منذ ماينيف عن أربعة عشر قرناً من أنها لغة القرآن الكريم إذ شرفها الله بنزول كلامه المقدس. ويقول جلّ من قائل في محكم التنزيل (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف :2) وفي موضع آخر : (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت :3) . وتزداد أهمية هذه اللغة في الوقت الحاضر بإعتبارها أساس الخطاب الإعلامي(العربي) الذي أصبح لغة العصر ويلعب الدور الحاسم في الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية وعلى كافة المستويات (المحلية والإقليمية والعالمية). ويصفها أهل فقه اللغة بأنها من أجمل اللغات إيقاعاً وأيسرها تركيباً واشتقاقاً، لذا تصبح المحافظة عليها والعمل على تطويرها مسئولية الجميع.
وتشير بعض الإحصائيات الحديثة أن ثورة الإتصالات في العالم العربي أفرزت واقعاً جديداً أصبح ماثلاً للعيان يتمثل في إزدياد مضطرد لمواقع الإنترنت باللغة العربية بين عامي 2008-2016م. يصل إلى 203% . ووصل عدد مستخدمي الإنترنت حسب تقديرات مؤشر تكنلوجيا المعلومات والإتصال في العالم العربي إلى 181,7مليوناًعام 2015م وإرتفع العدد إلى200 مليونا عام 2017م .ويتوقع أن يصل عدد المستخدمين إلى226 بحلول مارس 2018م. وأكثر المستخدمين من فئة الشباب. غير أن هذا الإستخدام حتى الآن فردياً وليس منظماً. والملاحظ أن المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية الدولية باللغة العربية موجود من خلال مواقع دينية، علمية، أدبية ، تجارية، إدارية، إعلامية، علاوة على مواقع المستخدمين الذين يشكلون بالمفهوم العام ثورة الإنترنت.
ولعل أهم المشاكل التي تتعلق بنشر الثقافة العربية في المواقع الأسفيرية أنها تركز على نشر الكتب الكلاسيكية والنتاج القديم للماضي. وهذه إحدى الإشكاليات التي تقف عقبة كأداء أمام نشر اللغة والثقافة العربية الحاضرة. فالثقافة الماضية يجب أن تصبح معطيات معرفية لإنتاج ثقافة آنية ومستقبلية، وإلا فإنها ستواجه بالفناء والزوال إذا لم تتوافق مع الواقع الحالي وثورة الإتصال التي يصعب على أكثر الناس إيغالاً في الخيال التنبؤ بمآلاتها القادمة. وهذا لا يعني عدم الإهتمام بتاريخ الثقافة العربية. بيد أن هذا النشر للنتاج الفكري العربي الكلاسيكي معروف لدى الآخر (الغرب) الذي إستفاد منه منذ عصور النهضة الأوربية في القرون الوسطى. وتحضرني هنا مقولة للكاتب المصري الدكتور نبيل علي (مدير منظمة النظم المتقدمة متعددة اللغات) يصف فيها الخطاب الثقافي العربي في مجتمع المعرفة الراهن إذ يقول نصاً وحرفاً “… هذا النتاج الفكري استغل في الغرب وأدى واجبه إلى العلا ! بنيت عليه العلوم الغربية ، إذ استطاعوا أن يخلقوا معرفة جديدة من خلال المعرفة العربية التي أصبحت كمعطيات . فالغرب إتبع الأسلوب التالي، (وهو ما كان على العرب فعله): أن تعرف كيف تحول المعطيات إلى معرفة والمعرفة إلى معرفة جديدة ومنها إلى معرفة … وهكذا بإستمرار). أما المدونات العربية والتي هي عديدة ومتنوعة فلم يكن لها تأثير فعلي لنشر الثقافة بقدر ما كانت ترى من قبل الغرب على أنها أصوات خارجية تعبر عن معارضتها للأنظمة.
ومن التحديات التي تواجه اللغة العربية والتي حذرت منها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أن اللغة العربية تواجه مشكلة كبيرة أمام كمية غير قليلة من المصطلحات المتراكمة المرتبطة بثورة الإتصالات الجديدة. فظهرت “لغة موازية” يستخدمها الشباب العربي في الحياة اليومية وتلقي بظلال سالبة على الثقافة العربية. فأصبحنا نقرأ عربية لا نعرفها مثل : “فوتوشوب، فلاش، جافا، ماسنجر، سكرينات للشات، سكريت ، وب. توب، على فور كوم”.. وتحولت بعض حروف اللغة العربية إلى رموز وأرقام وباتت الحاء “V ” والهمزة “2” والعين “3” ……الخ . وهناك من يعمل على تطويع الألفاظ الأجنبية للصياغة العربية مع احتفاظها بحروفها المعبرة عن أصلها الأجنبي ، خاصة في التعامل مع الوسائط الإلكترونية وأمثلة ذلك : يأنتر أي يدخل على شبكة الإنترنتـ، ويشيت أي يقوم بعمل “شات – chat” ويفرمط بمعنى يجري “format” لجهاز الكمبيوتر ، أي إعادة ترتيبه وتصميمه. ولا ريب أن هذه المصطلحات والرموز تعكس الوضع الحالي الضعيف للغة العربية في فضاء الإنترنت، رغم ما يسمع من أن وسائل الاتصالات الحديثة تبشر بزيادة إنتشار لغة الضاد. وهذا الواقع – كما يرى العديد من الباحثين- يعكس نقص الإبداع المعرفي لدى الكتاب والأدباء العرب مما أدى إلى مواصلة الإعتماد على مراكز البحوث الأروبية والأمريكية في نقل فكر الآخرين إلى المستفيد العربي دون أن يكون العطاء العربي بنفس القدر ودون أن تبذل النخبة المتعلمة العربية أي جهد ذي بال لنقل المصطلحات الغربية إلى اللغة العربية. وقد أدى هذا الوضع المقلوب الصورة إلى أن يكون عنوان الموقع الأسفيري بالعربية في حين أن محتواه بالإنجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية.
وإستناداً إلى ما تقدم ؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه: إلا ما تظل اللغة العربية بعيدة عن عالم المعلوماتية والرقمنة وثورة الإتصالات؟. وكيف يكون الحال، عند نشر الكتب على الإنترنت؟ أو حتى عند إستخدام الإشارات للتخاطب عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة؟.. ولكيما نصل إلى مرحلة وجود المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) ، فإن حضور اللغة العربية وثقافتها في الفضاء الأسفيري – على رأي العديد من إختصاصي اللغة العربية وهم محقون في ذلك – مرتبط تماماً بإصلاح وتحديث النظام العربي سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وتعليميا وثقافياً . والله المستعان.

khabirabdelrahim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً