خطاب متخيل للرئيس البشير في قمة التغيير المناخي ببااريس .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
30 نوفمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
تقديم … هذه كلمة افتراضية متخيلة سعي كاتبها أن تكون هكذا افتراضية فهي لا تعبر عن رأيه بالضرورة، كما أنه لا يستطيع الجزم بأنها يمكن أن تعبّر عن رأي من سيقت باسمه. فالغرض منها هو إحداث نوع من الحوار حول موضوع شغل ويشغل بال العالم (التغير المناخي) والذي صار حقيقة ماثلة يجب أن تلقي كل الاهتمام من صناع القرار ومتخذيه خاصة في دولة كالسودان اكتوت بناره دون أن تدرك بشكل قاطع أنه قد تسبب في مآسٍ لما يزال يعاني انعكاساتها.
كلمة السيد رئيس جمهورية السودان في مؤتمر التغير المناخي بباريس نوفمبر 2015م.
السيد رئيس جمهورية فرنسا ، قداسة البابا فرانسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية . السيد معالي الأمين العام للأمم المتحدة ، السادة رؤساء الدول والحكومات، السادة ممثلي المنظمات الطوعية الدولية، السيدات الفضليات و الناشطين البيئيين من مختلف بقاع الأرض.
السلام عليكم ورحمة من الله تعالي وبركاته.
في البدء لابد لي من أن أزجي خالص آيات التعازي لشعب وحكومة جمهورية فرنسا التي وقعت ضحية للهجمات الإرهابية في 13نوفمبر 2015م وهي هجمات لا تعبّر عن دين ولا تنبع من قيم. لذلك ندينها ونستنكرها بأشد العبارات ونعلن من منطلق التضامن الإنساني مؤازرتنا لعائلات الضحايا ونؤكد أننا في جبهة واحدة ضد الإرهاب ومصادره.
أيها السيدات والسادة
إنه لمن حسن الطالع أن يلتئم شملنا اليوم لمناقشة واحدة من أخطر وأدق وأصعب القضايا التي تكتنف الوجود البشري في هذا القرن، وإنه ليحدوني الأمل في أن يكون ملتقانا هذا نقلة في مسار الإنسانية من وهداتها التي كبت فيها عبر سيرها الطويل في طريق التقدم والنهضة التي سعي لها الإنسان منذ أن حمل الأمانة طائعا مختارا.. فأصاب بها تارة وضل بها تارات وهو في سيره ذاك لم يدرِ في أي الاتجاهات يكون طريق النجاة، غير أن ما حداه من أمل وما شغفه من توق لبلوغ الغايات والمرام قد زين له في كثير من المنعرجات ما هو معوج بالضرورة، فتصوره صناعة للتاريخ وقيد في سجله، واستلهام للخلود، حتي بات يظن أنه مركز الكون وقطب رحاه الأوحد وأن الطبيعة كائن من دونه لا تستقيم له معادلة، وفات عليه والحالة هكذا أن الله قد خلق من كل شيئ موزون.
السيدات والسادة
أقف اليوم أمامكم معبرا عن بالغ الأسي لما وصل اليه كوكبنا من تغيرات طرأت علي نظمه، وعن عظيم حزن لما أضطرت الإنسانية أن تشهده من ركض أعمي نحو موارد ناضبة حرّكتها مكامن الطمع رغبة في امتلاك أو إغراء بالخلود ما أغرق الإنسان في بركة من الشهوات النهمة، تدور في رحي لا متناهية من تراكم الثروة وتغوص في وحل من الذاتية كلما سعت نحو تحقيق مرامها كلما غارت في لجة من التيه بحصاد مر جعلنا نلتقي اليوم هنا لنتدارك ما يمكن تداركه من نظام اختل توازنه بعد أن جعله خالقه في غاية التوازن والاتزان فلم يجد الإنسان في ذلك النهم اللاهث غير أن يخل بذلك البناء المحكم غير آبه لما قد تكون عليه العواقب .
أقف اليوم أمامكم مشيرا الي أن ما وصل اليه الأمر من تدمير في النظم البيئية يدلّل علي حالة غفوة وغفلة لطالما حذرتنا منها أدياننا التي انبعثت من حجب الغيب لترشد الإنسان من تيه كانت تعلم أنه لابد غارق في لججه، ولطالما ترددت أصداء الحكمة من أفواه حكماء مروا علي هذه الدنيا قالوا كلمتهم دون أن يكترث لها اللاهثون نحو المجد والثروة .
كما أقف أمامكم اليوم لأسوق جملة من الاعترافات والاتهامات بمقتضي ما كنا فيه شركاء من جرم ليس في حق الطبيعة والبيئة فحسب، وإنما في حق إنسانها الذي قدناه الي مدارج الهلاك بخليط من الغفلة والغفوة واللامبالاة ونوازع النهم واستحكام دائرة الانغلاق علي الذات فكانت الحصيلة حصاد مر نتجرعه اليوم ولا نكاد نُسيغه بعد أن تيقنّا بأنا كنا ذات يوم خاطئين. فاجتماعنا اليوم هنا لربما غسل ما ران علينا من تلك الأدران والخطايا، ولربما كفّر عنا ما كسبت أيدينا من مفاسد في الإدارة والسياسة والحكم.
أقف أمامكم وقد ألمح في أعين البعض منكم دهشة وحيرة وهي ترقب من تسمونه الديكتاتور الأفريقي وهو يخطب في جمعكم هذا المتحضر وهو كما تزعمون ذو أيدي ملطخة بالدماء التي سالت علي عرصات دارفور في أكبر مشهد للإبادة الجماعية في العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية … كما أتفهم تجهم البعض منكم واستنكاره لوقوف من ترون أنه مطلوب للعدالة الدولية في أكبر حادثة للتهجير القسري والتطهير العرقي فيما سارت به ركبان آلتكم الدعائية الإعلامية، وهي تعلم أن آلة القمع التي تستخدم في النزاعات الداخلية لم تتفتق عن صنعها عقول المستبدين عبر العالم الذي تسمونه ثالثا، ولم تطورها مراكز أبحاثهم الخاوية من الإبداع في هذه الفنون غير الجميلة. ولم تتاجر بها شركات قطاعهم الخاص التي ما بارحت مرحلة التصدير لمصانعكم الفارهة من المواد الأولية التي ينتجها مزارعو أفريقيا وآسيا وكثير من بلدان أمريكا اللاتينية، وهم بعد لايملكون من القدرة والعمل علي الضغط علي صانع القرار بوقف هذه الآلات الشيطانية، لأنهم قطاع مهترئ لا يموّل حملات انتخابية، ولا يوجد لهم تمثيل في البرلمانات ولا مهارات في حشد اللوبيات وهذا مما نحسبه ضربا من ضروب العناية بهذه الشعوب التي يتحكم في مصائرها سلطان بائد مهما استطال به العهد والأمد. وهذا هو اليقين الذي دعاني أن أقف أمامكم اليوم قبل فوات الأوان.
نعم ألمح علي محيا الكثير منكم أنه- كيف يمكن لهذا الديكتاتور أن يفلت من جرائم ارتكبت في حق الانسان وكيف له أن يتجرأ بالوقوف أمام العالم ليتحدث عن مشلكة التغير المناخي، وكيف له أن يقدم إسهاما مع البشرية المتحضرة وشعبه يرزح تحت نير حكمه ما يربو علي ربع قرن من الزمان، لكني بالمقابل أنظر الي مستوي التطور الحضاري الذي بلغتموه وأكاد أجزم أن كل طفل يولد في مجتمعاتنا محكوم عليه أيضا أن يرزح في دائرة العبودية الناعمة لحضارتكم التي ما كان لها أن تقوم لولا ما نعرفه وتعرفونه من حقبة مظلمة من تاريخ البشرية كان أسلافكم الفاعلون فيها حينما تفتقت عقولهم عن صنع البوصلة والبارود. وحينما أخذتم علي عاتقكم ما أسميتموه عبء الرجل الأبيض. وياله من عبء… أسال من الدماء والدموع بقدر ما أساء الي تاريخ تنكرونه وتزورّون عن ذكره لأنه يذكر بمخاذ يندي لها جبين الشيطان، تلك هي الديكتاتورية التي تتأففون منها بينما لا يستطيع اي منكم أن يقذفها بحجر.
أكاد أن أري الاستهجان والاستنكار علي وجوهكم أن كيف تم استقبال هذا المجرم في بلد الحرية والأنوار ليخطب في جمع يؤمه سادة العالم وناشطوه في البيئة وحقوق الإنسان، لا أقول إنني لا آبه بهذه النظرات.. غير أني بالمقابل أبادلكم النظرة بالنظرة وأنا أحاول أن استقصي أسباب ولعكم بالحيوان من دون الإنسان، بل واتعجب لماذا تتباكون علي إنساننا وأنتم تعلمون أن بؤسه وفاقته وحرمانه الماثل هو ما شيدتم عليه أمجاد حضارتكم منذ أن تقاسمتم الأسلاب في أكبر عملية نهب منظم في التاريخ البشري ومنذ أن قلتم بالمهمة الحضارية، وهي قد كانت بحق جرثومة الشر التي حقنتم بها شرايين الكون ومع هذا وبالرغم من هذا أود منكم أن تُعمِلوا عقولكم الناصعة البياض في مصائر الذين قضوا وهم يزرعون الكاكاو في مجاهل أفريقيا التي تكالبتم عليها والموز في أمريكا اللاتينية التي فتحتموها والتوابل في آسيا التي غزوتموها وغيرها من خيرات العالم التي تدفقت الي مصانعكم التي غرست أنيابها في رقبة عالمنا الثالث وما فتئت تمتص دماءه منذ العام 1750 وهو التاريخ الذي نؤرخ به للتغيرات التي طرأت علي المناخ بفعل النشاط البشري،أو ما تسمونه بالثورةالصناعية وهو بداية تفاعل تلك الجرثومة المميتة مع مقاومة الجسد المهترئ الذي ظننتم أن قابليته لمقاومة النهم لا محدودة، وأن قدرته علي الصمود قد تستمر إلي يوم يبعثون، غير أن الفأل قد خاب بعد أن بدأ رداء الجليد الذي كان يكسو مناطقا مثل قرين لاند بالانحسار وبمعدلات تلفت انتباه العلماء والسيّاح علي حد سواء، وما كان لها الإ أن تفعل فإن تلك ظاهرة لا تخطئها العين، كما أن الدوائر القطبية قد أنزلت من علي هاماتها قلنسوات الجليد التي كانت تكمل بها هندامها الراقي، فسالت أودية بقدرها مهددة مدن السواحل والجزر بمصير يشابه ذلك الذي خبرته التايتنك العملاقة.أما المحيطات فلم يكن لها من المناعة ما يكفي فقد تبرعت بامتصاص 30% من إفرازات الجرثومة فاستحالت إلي وسط حمضي خانق يعجز كائناته علي التكيف حتي ولو استمدت من دارون قانون النشؤ والارتقاء.
السيدات والسادة
ليس لي أن أقف أمامكم الآن كما تحسبون جلاداً من إفريقيا، وإنما كضحية لتلك الجرثومة المميتة التي باغتتنا في غفوة وغفلة حيث ما كنا لنحسب أن ما طرأ علي المناخ من تغير، وأن ما تنفثه الآلات الصناعية من غازات وأبخرة قد تنعكس علي نسق الكون الموزون في بيئتنا التي ما خبرت المصانعالعملاقة ولا انتصبت فيها الصوبات الزجاجية للإنتاج الزراعي الكثيف، ولا دارت فيها السيارات والمقطورات التي تخرج من جوفها ما يعكر صفو السماء بالدخان والغازات. فيتسبب في إهلاك الحرث والنسل . لم تكن أنماط العيش عندنا تعتمد كثافة الإنتاج باستخدام الآلة، وإنما اعتمدت نظما من التوافق والاتفاق بين مسارات معلومة للرعاة ومناطق إقامة محدودة للمزارعين. فكان نسيجا راقيا رائقا من التعايش والتكافل والسماحة. لم يكن لدينا من نظم الإنذار المبكرة، ما يدق أبواب الخطر بأن الجفاف كان يأكل المرعي الطبيعي وينقص من مساحته رويدا رويدا، وما كنا نحسب أن غرائز البقاء ستنتصر علي البناء المشيد عبر حقب ممتدة في عمق التاريخ من التسامح والتواصل والتوافق.
ذلك كان من شأن الجرثومة التي أطلقتم لها العنان علي النظام البيئي الطبيعي، في عالمكم المتقدم، أما نحن فقد خبرنا وبعد أن أطبقت علينا خناقا قاتلا في النظم البيئية والاجتماعية ولم نكن ندري أن الأمر نابع عن تغيرات مهولة فقد باغتتنا وباغتت الآمنين من المزارعين والرعاة الذين تجاوروا وتتداخلوا وأمنوا بسلم وعيش مشترك رغيد وهانئ. كل في مساره الذي يرعي به، أو في حواكيره التي يفلحها بالغلة والخضروات. ماذا كانت تتوقع مستودعات التفكير لديكم أن يكون من ردة فعلنا تجاهحركات تمرد استهدفت نظاما قائما علي روح الانضباط والأمر والنهي، بل هل توقعت منظمات حقوق الانسان العاملة لديكم أن تكون خيارات التسامح مع من رفع السلاح متحديا لإرادة قامت أصلا علي مبادئ الانضباط العسكري أن تدير كلا خديها للصفع، وأن تجنح للسلم وصوت السلاح يلعلع في الأرجاء. تري ماذا كتب في سجل التاريخ الحربي الذي دونت حاضرتكم فيه أبشع صور التقاتل علي الموارد منذ ان تكالبتم علي افريقيا؟ وكيف وبعد ماذا استقر رأيكم علي الولع بحقوق الانسان التي تهضم يوميا وأنتم تشهدون، إلي أن دق علي أبوابكم حضارتكم المحكمة الاغلاق غوائل التغير المناخي الذي اناخ بكلكله علي مضارب حضارتكم المترفعة حتي علي الإرادة الإلهية، فكانت هي الغالبة بعد أن يئست من مناهج التكالب الموروثة فيها والتي ظننتم انما هي مدخل ” لسعادة الأمم” .فكان الله غالبا علي أمره ذلك أن له الأمر من قبل ومن بعد.
السيدات والسادة
ختاما لا يسعني الا أن أقول إن هذا الكوكب هو لنا جميعا نعيش فيه سوية أو نغرق فيه معا وهذا أكبر درس مستفاد مما نحاول إصلاح ما حاق به من عطب في نظمه المتغول عليها، ويقيني أنه لن يصلح ما دمنا نجنح إلي تراكم الثروة، ومادامت حضارتكم قائمة علي استهلاك الناضب من الموارد ، وأن ما يقوم به البعض منكم لن يخرج من دائرة التفكير الرغبوي ذلك أن أرباب المصالح الراغبين في استنزاف ما في الكون من موارد سيحشدون كل ما أوتوه من قوة ان تكون مثل هذه الملتقيات والمؤتمرات مجرد احتفاء بالنوايا الحسنة، وأنهم الآن يرمقون هذا المؤتمر بغير قليل من الاحتقار و الاستهجان، بل ولربما عملوا كما عملوا من قبل في كيوتو علي اجهاض ما قد يخرج به من قرارات. فالمصالح التي ترتبط بإستنزاف الكوكب قد صارت وياللأسف أكبر من الكوكب. ومع ذلك وبالرغم من ذلك لا يسعني الا أن اذكر بمقولة خالدة للقائد الهندي الخالد المهاتما غاندي أختم بها قولي لعلها تكون بداية لانطلاق يغير مناهج التفكير في استغلال الموارد والثروات (إن الأرض تنتج ما يكفي لحاجة كل شخص لكنها لا تنتج ما يكفي لجشع كل شخص) .
wadrajab222@gmail.com